; كأس العالم 2010م.. ماذا وراء الكواليس؟! | مجلة المجتمع

العنوان كأس العالم 2010م.. ماذا وراء الكواليس؟!

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 12-يونيو-2010

مشاهدات 87

نشر في العدد 1906

نشر في الصفحة 30

السبت 12-يونيو-2010

أكثر من 715 مليون مشاهد يتابعون المباراة النهائية 

ثلاثة ملايين تذكرة.. أرخص تذكرة لمباراة الافتتاح سعرها الرسمي 200 دولار وأغلى تذكرة 2728 دولارًا!

  • جنوب أفريقيا، تربح أكثر من ثلاثة مليارات دولار عبر حقوق النقل التلفزيوني للمباريات.. وهو رقم قياسي في البطولة 
  • «الفيفا» تجني نحو ٣,٣ مليار دولار من العقود التجارية.. بينما ميزانية منظمة «الفاو» لا تتجاوزه 1,5 مليار دولار!

بدأت مجريات ما يعتبره البعض أهم حدث على كوكب الأرض؛ حيث تستضيف قارة أفريقيا بطولة كأس العالم لكرة القدم لأول مرة في التاريخ.. تنافس لا ينسى، ولاعبون موهوبون، وأهداف رائعة، ومشجعون عشاق للساحرة المستديرة في مهرجان عالمي.. ولكن ماذا يحدث وراء ساحات العشب الأخضر، والأضواء الكاشفة، والألوان البهيجة لملابس اللاعبين، وأزياء المتفرجين.. فبعيدًا عن التنافس الشريف بين الفرق واللاعبين، هناك تنافس غير شريف استهلاكي والهائي وشهواني!!

فهل سينشغل الناس بهذا الحدث عن قضاياهم المصيرية؟ وهل كان الأجدر أن يُلغى هذا «العرس الكروي» وسط أحزان النكسة الاقتصادية؟ انظر إلى اليونان وآلام الجوعي الذي وصل عددهم إلى المليار! شاهد موت طفل كل ثلاث ثوان من الأيدز والفقر المدقع قبل سن الخامسة!

 هل لا بد للرياضة كي تكون وسيلة تعايش واندماج وتعارف أن تكون بهذه الكيفية أم أنه يكفي منافسات ودية بدون هذه الضجة والتكاليف والأضرار، أم أن هناك أجندة غير معلنة؟!

 تكاليف وعوائد: أعلنت السلطات في جنوب أفريقيا أن الملاعب العشرة التي ستقام عليها مباريات كأس العالم لكرة القدم أصبحت جاهزة، وأن التذاكر المخصصة للبلد (مليون تذكرة) بيعت بالكامل قبل حوالي شهر من بدء المباريات.. أما جملة التذاكر المقدرة بثلاثة ملايين (مناصفة بين المشجعين والشركاء التجاريين)، فقد بيع منها حتى إعداد المقال ٩٦%.. أرخص تذكرة لمباراة الافتتاح ۲۰۰ دولار بالسعر الرسمي وأغلى تذكرة ۲۷۲۸ دولارًا! وكلها من جيوب الجماهير.

 مال هائل وجمهور ضخم 

قال الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا»: إن البطولة ستدر دخلًا أكثر من ٣،٣ مليار دولار من العقود التجارية، وستنفق ۱.۲ مليار دولار، منها ۷۰۰ مليون دولار على جنوب أفريقيا، حيث جرى بناء خمسة ملاعب جديدة وترميم خمسة أخرى..

 وأنفق مليار دولار على برامج التطوير ومساعدة اتحادات كرة القدم العالمية ومشروعات أخرى.

 هذا الدخل أكثر من ضعف ميزانية منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» ( ۱۹۲ ) دولة والتي تبلغ مليارًا ونصف المليار دولار.

 من ناحية أخرى، قال «جيروم فالك» الأمين العام لــ«الفيفا»: إن مائة مليون دولار إضافية قد ضُخت من أجل ضمان سير مباريات كأس العالم في جنوب أفريقيا على ما يرام، موضحًا أن المبلغ كان ضروريًا لتأمين جاهزية معسكرات تدريب الفرق المشاركة.

 يُذكر أن ميزانية ألعاب كأس العالم قد تضخمت لتصل إلى ۲۸۲ مليون جنيه إسترليني، ويقول مراسلون: إن جنوب أفريقيا ستحصل على أكثر من ثلاثة مليارات دولار عبر حقوق النقل التلفزيوني للمباريات، وهو رقم قياسي في دورات كأس العالم.

 في كأس العالم الماضي ٢٠٠٦ م، وصل عدد المتفرجين في التلفاز -إذا أضيفت الأعداد تراكميًا معًا لكل المباريات - إلى ٢٦.٣ مليار متفرج، خلال ٣٧٦ قناة، في ٢١٤ دولة وإقليمًا وتابع المباراة النهائية وحدها أكثر من ٧١٥ مليون مشاهد، ويتوقع ألا تقل هذه الأعداد في الدورة الحالية ٢٠١٠ م.

 إهمال الفقراء

 بتصميمه الذي يعكس رؤية مستقبلية، وبالعربات التي تنقل الزوار منه وإليه، وبزخارفه الرخامية الأنيقة، يصبح إستاد موسى مابيدا لكرة القدم في مدينة «ديربان» أهم معلم ومقصد سياحي في المدينة قبيل افتتاح كأس العالم.. وقد أطلق على الملعب، الذي بلغت كلفته ٤٥٠ مليون دولار أمريكي اسم الناشط المناهض لنظام الفصل العنصري، والشخصية البارزة التي ترمز لبطل ينتمي إلى الطبقة العاملة من سكان البلاد السود.. لكن ماذا سيستفيد هؤلاء من هذا الإستاد الباهظ التكاليف بعد البطولة؟ تخيل لو أنفق هذا المبلغ في مشروعات لصالح فقراء ديربان!

 يُشار إلى أن القوانين والتعليمات التي يفرضها الاتحاد الدولي على الدول المضيفة للكأس تنص على أنه لا يُسمح لأحد، سوى للشركاء التجاريين، بالبيع أو المتاجرة أو الترويج لبضائعهم في المناطق المتاخمة تمامًا لمواقع كأس العالم، وقد أدى هذا إلى استبعاد الباعة الجائلين الفقراء.

 الدعارة

 من المتوقع سفر أكثر من نصف مليون مشجع إلى جنوب أفريقيا، وحينما زار جاكوب زوما رئيس جنوب أفريقيا بريطانيا طلب بليون حاجز جنسي واقٍ بمناسبة كأس العالم، وقد أرسلت بريطانيا ٤٢ مليونًا... ويتوقع أن يصل إلى جنوب أفريقيا أكثر من ٤٠ ألف «مومس» خلال موسم المباريات، بخلاف ما هو موجود أصلًا هناك (حوالي ١٥٠ ألفًا)، في بلد ينتشر فيها الأيدز انتشار النار في الهشيم، ويصيب واحدًا من كل خمسة من الشعب هناك، ونصف «المومسات» مصابات بالأيدز.. وهناك تخوف من وقوع الأطفال في براثن الدعارة مع تعطل الدراسة لمدة أربعة أسابيع، وتقدر إحدى الإحصائيات أن هناك ٣٨ ألف طفلة يعملن في الدعارة في جنوب أفريقيا، كما تشير التقارير إلى ارتباط ذلك بالخمور والمخدرات.

 تجارة رابحة

 أصبحت كرة القدم لعبة جماهيرية تجارية صناعية إعلانية ضخمة، يدخل فيها الترويج للأحذية والملابس الرياضية والمشروبات الغازية والكحولية والهواتف والشركات..

 خذ مثلا الدخل الذي قدره اللعبة في إنجلترا؛ حيث يصل إلى ملياري جنيه إسترليني في العام الواحد، ويشاهد المباريات في إنجلترا سنويًا أكثر من ٢٩ مليون متفرج داخل الملاعب.

 وأصبح اللاعبون الكبار من المحترفين من المليونيرات، وقد وصل الدخل الأسبوعي (نعم الأسبوعي!) للاعب في إنجلترا إلى ١٤٠ ألف جنيه إسترليني.. وتطرح الأندية الكبرى أسهمها داخل البورصات العالمية، وهناك بعض السياسيين مثل «سيلفيو بيرلسكوني» رئيس وزراء إيطاليا فهو رجل أعمال عرف أولًا بامتلاكه نادي «أيه سي ميلان»، وساعده ذلك على دخول عالم السياسة.. كما دخل اللاعبون في لعبة السياسة فوصل «بيليه» البرازيلي إلى كرسي الوزارة، ورشح اللاعب «جورج وايا» نفسه لرئاسة ليبيريا، لكنه لم يصب الهدف.

 لا حرج بشرط.. !

 مازالت الرياضة وكرة القدم كالحياة، فيها حب الفوز، وبغض الأعداء لك، وساعة للجد تُظهر فيها اهتمامك بالأمور الكبيرة وساعة للعب تبرهن فيها على فنّك.. وهي كأنشطة الحياة، قد تكون مباحة، وقد تكون سياسة، أو تتحكم فيها السياسة، لكن العبرة ألا نساعد من يستعملها من الأنظمة لإبعاد الناس عن المشاركة السياسية ولتنفيس المشاعر المحتقنة.

 يقول العلامة الشيخ د. يوسف القرضاوي: «لا حرج في ممارسة هذا اللون من الرياضات، بشرط مراعاة جملة ضوابط، منها: ألا تشغل عن أداء الواجبات، وعدم الإسراف في اللعب، وعدم العنف الذي يضر بالآخرين.. أما اتخاذ هذه الرياضة وغيرها حرفة يتفرغ لها اللاعب، فالأمر منوط بالمصلحة التي تعود من وراء ذلك، ولكن الذي يجب التنبيه عليه هو أنه لا يجوز بحال إغداق الأموال ببذخ وإسراف، في الوقت الذي لا تجد فيه الشعوب لقمة عيشها!

 

الرابط المختصر :