العنوان قيمة التاريخ (7 من 7) الإسلام وشهادات الخصوم
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 15-أبريل-2006
مشاهدات 99
نشر في العدد 1697
نشر في الصفحة 66
السبت 15-أبريل-2006
ثمة ما يجب أن يقال في هذه الشواهد المقارنة.. إن السير توماس أرنولد، وهو باحث إنكليزي مسيحي، عكف أربعين سنة على تأليف كتابه المعروف «الدعوة إلى الإسلام» (1).. يتابع مفردات انتشار الإسلام وتعامله مع المغلوب على مدى ثلاثة عشر قرنًا ونصف منذ لحظة انطلاق الإسلام الأولى أيام العمل السري، وحتى مشارف القرن العشرين مستمدًا مادته من أدق المصادر والوثائق التي تنبنئ بها تهميشاته الغنية الخصبة. وهو يقول في كتابه هذا أشياء كثيرة وكثيرة جدًا فيما نحن بصدده، ولكننا نكتفي باستنتاج واحد قد يكون كفاء القضية كلها.. إنه يقول:
«إن تاريخ الدعوة الإسلامية لم يسجل منذ لحظاتها الأولى وحتى زمن الانتهاء من تأليف الكتاب في الربع الأخير من القرن الماضي، حالة واحدة كره فيها غير المسلم على اعتناق الإسلام» (۲)
إن هذا ليس كلامًا يقال.. وهي ليست شهادة اعتيادية ولكنها حصيلة استقراء في مئات المصادر وآلاف الوثائق المعنية بانتشار الإسلام، وهي تنطوي على بعد إنساني في تاريخ حرية الخيار الديني ما شهدته أمة أخرى في العالم قديمًا وحديثًا ولن تشهده بأية حال من الأحوال.
وهو يقول معقبًا على ذلك بأن استمرار وجود النصارى واليهود في ديار الإسلام عبر ثلاثة عشر قرنًا، وربما تزايد أعدادهم، يأتي مصداقًا لعدم إرغامهم على تغيير عقيدتهم.. فلو أن أي قدر من القسر مورس ضدهم لكانت ديار الإسلام قد خلت تمامًا من يهودي أو نصراني، لأننا نعرف أن العقائد الأدنى، من خلال ممارسة القسر المذهبي، تقدر على إزالة العقائد الأعلى.. فكيف بالإسلام الذي يمثل المنزلة العليا التي لا تقارن، بكل المقاييس، مع مواقع اليهود والنصارى؟ (۳)
ما الذي حدث قبالة هذا في لحظات التفوق الغربي النصراني بمقاييس القوى العسكرية والسياسية؟
الساحة الإسبانية، بعد سقوط غرناطة على يد فرديناند وإيزابيلا الكاثوليكيين تعطينا الجواب: فعلى مدى عقود معدودة فحسب، قدرت السلطة الإسبانية بالتعاون مع الكنيسة ومؤسسة محاكم التحقيق التي شكلتها أن تصفي من الوجود المنظور شعبًا من المسلمين عن آخره.. شعبًا يبلغ تعداده أكثر من مليوني وأربعمائة ألف إنسان أرغموا على التنصر أو الهجرة أو القتل بعد واحدة من أبشع صيغ التعذيب وغسل المخ والمسخ البشري فيما هو معروف في مؤلفات المؤرخين الإسبان أنفسهم فضلًا عن المؤرخين العرب (٤).
وهذا يكفي للإجابة عن التساؤل: لماذا قدر الإسلام على البقاء والاستمرار في كل المناطق والبيئات التي وصل إليها فاتحًا أو داعيًا ولكنه عجز في الساحة الإسبانية عن مواصلة البقاء؟
إنه التحدي الذي يفوق كل قدرة على الاحتمال -كما يقول المؤرخ البريطاني المعاصر أرنولد توينبي في كتابه المعروف «دراسة للتاريخ». وإذا أردتم أن تعرفوا ما الذي فعله المسلمون لمجابهة المحنة وحماية وجودهم إزاء السكين الكاثوليكية فإن لكم أن تتذكروا ما فعله البوسنيون.. وفي الحالتين فإننا نجد إصرارًا لا إنسانيًا.. إصرارًا وحشيًا متعصبًا طاغيًا على إبادة الخصم من الوجود ومحو خرائطه من جغرافية العالم.. ومع ذلك فإن أجدادنا الأندلسيين لم يألوا جهدًا في حماية دينهم ووجودهم وثاروا وقاوموا المرة تلو المرة، فأعذروا إلى الله تمامًا كما فعل إخوانكم البوسنيون قبالة العالم الغربي كله..
الهوامش
(۱) ترجمة وتعليق د. حسن إبراهيم حسن ورفاقه، الطبعة الثالثة، مكتبة النهضة المصرية القاهرة- ۱۹۷۱م.
(۲) الدعوة إلى الإسلام، ص 98، 99.
(۳) المرجع نفسه، ص 68، 70، 98، 99
(4) عن مأساة الموريسكيين في الأندلس ينظر: محمد عبد الله عنان: نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين «الكتاب الرابع من دولة الإسلام في الأندلس»، الطبعة الثانية مطبعة مصر القاهرة. ١٩٥٨ م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل