; قيمة التاريخ (6 من 7) الحروب الصليبية، والتعامل مع الآخر | مجلة المجتمع

العنوان قيمة التاريخ (6 من 7) الحروب الصليبية، والتعامل مع الآخر

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 08-أبريل-2006

مشاهدات 62

نشر في العدد 1696

نشر في الصفحة 66

السبت 08-أبريل-2006

ثمة أشياء كثيرة واستنتاجات كثيفة يمكن أن تقال في هذا المجال، ولكنّي سأقف عند وقائع ثلاث فحسب قد تكفي بمنطق المقارنة لتأكيد البعد الإنساني السمح في التعامل مع الآخر، هذا البعد الذي يستمد نسخه من كتاب الله وتعاليم رسوله وتقاليد الأجداد والآباء، والذي لا يقتِصر على عصر دون عصر، ولا على بيئة دون أخرى. 

نعرف كيف دخل الصليبيون الأوائل مدينة القدس الإسلامية سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة للهجرة (١٤٩٢هـ) في حملتهم الأولى التي قادها عدد من كبار الفرسان الفرنجة والنورمان.. لم يكن دخولاً ولكنه مذبحة ذهب ضحيتها، باعتراف الروايات اللاتينية، سبعون ألفاً من المسلمين لم يكونوا في معظمهم من المقاتلين أو البالغين، بل كانوا شيوخاً وعجزة ونساءً وأطفالاً.. ويتحدث أحد فرسانهم وهو شاهد عيان على المذبحة، في وثيقة معروفة باسم الكشتا، كيف أنّ خيول المغيرين من الفرنجة كانتْ وهي تجتاز دروب القدس، تغوص حتى ركبها بدماء المسلمين. 

بعدها بحوالي التسعين عاماً أُتيح للناصر صلاح الدين الأيوبي أن يدخل القدس محرراً في أعقاب معركة حطين سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة للهجرة.. فماذا حدث؟ لم تسجل المرويات اللاتينية، فضلاً عن الغربية، قتل رجل واحد، ناهيكم عن النساء والشيوخ والأطفال.. تفوق الناصر بقوة العقيدة ونبلها وسماحتها على نفسه وعلى ضغوط أصحابه المتعطشين للثّأر. تفوَّق على ذكريات مؤلمة مترعة بالدم والوحشية والقتل، لكي يقف قبالة الأفق الفسيح الذي يليق بالإنسان وبقدرته على شكم غريزة القتل والثار، والارتفاع عليها.

 حتى ملك الفرنجة جاي لوزجنان وكبار أمرائه تلقاهم الناصر في خيمته بالسّماحة نفسها وأطعمهم وسقاهم بيده، فيما عدا الصليبي المارق ريجنالد شاتيون، الذي تسميه مصادرنا العربية أرناط، فإنّه كان قد تجاوز كل معايير الإنسان، وهبط صوب درك الحقارة وهو يرسل فرسانه من قلعته في الكرك لكي تنقض على قوافل الحجاج والمسالمين فتفتك بها، ثم هو يمضي إلى أبعد من هذا فيقوم بمحاولة طائشة للهجوم على مكة والمدينة ونبش قبر رسول الله .. حينذاك أقسم النّاصر أنه لو ظفر به فسوف يقتله بيده... وقد نفذ فعلا ما عاهد الله عليه. ها نحن إذن قبالة ثنائية تحمل دلالتها الواضحة تماماً، الصليبيون وهم يدخلون القدس ينفذون مذبحتهم الدموية في أهليها دون أية جريرة ارتكبها هؤلاء سوى أنهم من المخالفين في الدين.. والناصر وهو يحرر القدس يطلق سراح خصومه ويمنحهم الحرية المطلقة في الذهاب إلى حيث يشاءون رغم أنّهم كانوا قد ذبحوا شعباً بكامله قبل تسعين سنة فحسب. فالذي تعنيه هذه المقابلة في تاريخ الصراع بين الإنسان الذي تصوغه العقيدة، والوحش الذي يجعل من العقيدة نفسها مخالب وأظفاراً يمزّق بها أجساد الآخرين وأرواحهم. 

في القدس أيضاً، والناصر منهمك في إعادة ترتيب الأمور وسط ضجيج الانسحاب الجماعي الفرنجي غير المنظم من المدينة، تجينه امرأة فرنجية تجثو عند قدميه وهي تنكث شعرها، فيسأل مترجمه: ما الذي تريده هذه؟ فيكون الجواب: إنّ طفلتها قد ضاعتْ وسط الجموع المضطرية، وإنّها حاولتْ فلم تعثر لها على أثر. 

وعدها الناصر منتزعاً نفسه من نداء ألف مشكلة ومشكلة بأنّه سيبذل جهده لإعادة طفلتها الضائعة إليها، وخصص لها خيمة ترتاح فيها، ووضع من يتولى خدمتها ريثما يتم المطلوب.. بعد ساعات يجيئون بالطفلة، فعندما تراها الأم لا تمسك نفسها من أن تجهش بالبكاء وتنقض على الناصر محاولة أن تلثم يديه، فيسحبها بهدوء قائلاً للمترجم، قل لها إنّ ديننا يلزمنا بأن نكون مسؤولين حتى عن البهائم والعجماوات فكيف بطفلة ضائعة لأم منفطرة الكبد؟ 

لم يحاول الناصر لحظة أن يستجيب لسيال الذكريات المريرة وتداعيها.. وأنّ والد هذه المرأة الثَّكلى وربما أخوها، كان قد شارك رفاقه الغزاة في مجزرة القدس التي ذبح فيها سبعون ألف امرأة وشيخ وطفل.. وها هو ذا الناصر، رغم ضغط الذكرى المريرة، وزحمة المشاغل والأعمال يتفرغ للبحث عن طفلة ضائعة لأم كانت سكين أبيها أو أخيها لا تزال تسح بدماء نساء المسلمين وأطفالهم قارنوا هذا بما فعله الصِّرب وهم يدخلون المدن البوسنية منتصرين فيذبحون في يوم واحد عرض خمسين ألف فتاة مسلمة.

 الناصر يبذل جهده للبحث عن طفلة نصرانية ضائعة، والصرب المتحضرون المتمسكون بدينهم، يغتالون شرف خمسين ألف فتاة في يوم واحد .. أية دلائل يعجز عنها الوصف تمنحنا إياها هذه الثنائية الدامية.. هذا التقابل بين الإسلام والنصرانية.. بين الناصر الذي تخرج في مدرسة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصرب الأرثوذكس الذين خرجوا من معطف فردیناند وإيزابيلا الكاثوليكيين؟ 

الرابط المختصر :