; قيمة التاريخ (٣من٧) الخصائص الإنسانية للحضارة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان قيمة التاريخ (٣من٧) الخصائص الإنسانية للحضارة الإسلامية

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 18-مارس-2006

مشاهدات 52

نشر في العدد 1693

نشر في الصفحة 66

السبت 18-مارس-2006

والآن.. نريد أن نمضي إلى متابعة البعد الحضاري لتاريخنا، أو بعبارة أدق البحث عن الخصائص الإنسانية لهذه الحضارة، تلك الخصائص التي نسجها هذا الدين والتي تمنح المبرر والدافع لاستعادة المحاولة من أجل أن تنهض حضارة الإسلام كرة أخرى ما دامت تحمل هذا القدر من الخصب والعطاء في تعاملها مع الإنسان. إن هذه الاستعادة، إذا أردنا الحق، تصبح، فضلًا عن كونها ضرورة عقدية، ضرورة إنسانية للمشروع الحضاري البديل الذي يصوغه الإسلاميون اليوم، لاسيما ونحن نرى الإنسان في المدنية المادية المعاصرة يكاد يختنق ويضيع، وهو يتلقى يومًا بعد يوم ضغوطًا ودفوعًا تبعد به أكثر فأكثر عن إنسانيته.. تنزاح به بعيدًا عن سويته، فيشعر في لحظات الوعي أنه بأمس الحاجة إلى استعادة وضعه البشري.. إن التاريخ المعاصر هو تاريخ تفوق التكنولوجيا الغربية.. تفوق الخدمات والتخطيط والنظم المادية، لكنه زمن هزيمة الإنسان وانحساره وتضاؤله، إزاء نفسه وإزاء مجتمعه وإزاء الله.. وإن طلائع الفكر الغربي طالما تحدثوا عن هذا، وليس ثمة متسع للوقوف عند أقوالهم واستنتاجاتهم، ويكفي أن نشير إلى بعض الأسماء.  أرنولد توينبي، مارسيل بوازار، كولن ولسون برنارد شو، اشبنكلو، إريك فريم سيجريد هونكه لورا فاكليري، دوبو، ليوبولد فايس روجيه جارودي موريس بوكاي.. ثم.. المفكرون الأكثر حداثة سيشير أرنالديز، جامبي نائير.. وغيرهم (۱). فأين هي الآن. على سبيل المثال . فتوحات هانيبال وسنحاريب وقمبيز والإسكندر المقدوني ويوليوس قيصر واتيلا وجنكيز خان وهولاكو؟ وأين هو توسع نابليون بونابرت وهتلر وموسوليني؟ أين هي الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس؟ وأين هي مستعمرات فرنسا وراياتها الممتدة على قارات الدنيا؟ وأين هي ممتلكات إسبانيا والبرتغال؟ ثم أين هو الاتحاد السوفييتي الذي كان يحلم تحت مظلة قوانين الحركة التاريخية وحتمياتها بحكم العالم؟ لقد تأكلت كلها وتعرضت. طال الوقت أم قصر. للتفتت والانكماش والغياب، والذي يبقى هو الفتح الذي نفذه هذا الدين لأنه كان ينطوي على كلمة الله في العالم، ويستهدف تحرير الإنسان من كل صيغ الطاغوت والصنمية والاستلاب. 

هنالك ظاهرة التعامل مع الآخر، التي تمثل الوجه الآخر لمسألة الفتح والتي سنخصص للوقوف عندها ما تبقى، لأنها تمس القضايا الأكثر أهمية في اللحظات الراهنة فيما يسمى بالنظام العالمي الجديد أو الموحد، وإشكالية حقوق الإنسان، ولكن ليس قبل أن نمضي للتأشير على بعض الملامح والمعطيات الأخرى للبعد الإنساني في تاريخنا الحضاري. هنالك ما يمكن تسميته بالأممية الإسلامية التي شهدها هذا التاريخ. لقد منحت كل الشعوب والجماعات التي انضوت تحت مظلة هذا الدين فرصتها في الحياة والتحقق والتعبير عن الذات.. لقد كانت فرصة مفتوحة بمعنى الكلمة سمحت حتى للعبيد والمماليك أن يواصلوا الصعود إلى فوق ويشكلوا دولًا، بل إنها مضت لكي تمنح غير المسلمين في بلاد الإسلام حقهم المشروع في المجالين المدني والديني على السواء، فليس ثمة يهودي أو مسيحي أو مجوسي أو بوذي أو صابئي لم يجد الطريق مفتوحًا أمامه للتعبير عن ذاته وقدراته ولممارسة حرياته الدينية ولأخذ موضعه المناسب في نسيج الحياة الاجتماعية أو دوائر الحكم والمال. 

الهوامش

(۱) عماد الدين خليل الإسلام والوجه الآخر للفكر الغربي، مؤسسة الرسالة، بيروت - ۱۹۹۷ م.- قالوا في الإسلام، الندوة العالمية للشباب الرياض - ۱۹۹۲ م.

الرابط المختصر :