العنوان قوة هائلة في وجه الصراع العالمي الرهيب
الكاتب عبد الله السالم
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1973
مشاهدات 12
نشر في العدد 135
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 30-يناير-1973
ما يعرفه الجميع أن العالم تتحكم فيه قوتان كبريان
إحداهما في الشرق، والأخرى في الغرب.
وكل من القوتين تكتسح بأراضيها وأشياعها ونفوذها
أكثر من ثلث المعمورة.. وتستطيع أن تهدد العالم أجمع بالفناء، إنهما أمريكا ومعسكرها
الرأسمالي الغربي، وروسيا ومعسكرها الشيوعي الشرقية.
وتكابر بعض الدول هذه الحقيقة فتحاول أن تشذ عنها
فتؤلف ما يسمى بعالم الحياد، ولكن كما يخضع الضعيف الهزيل أمام عملاقين متخاصمين
كذلك تخضع هذه الدول لكل من تقلبات المعسكرين، وإن يكن خضوعا مقنعا بأقنعة براقة
ملساء.
ويقبع العالم- بأسره- في زاوية نائية، يهتز هلعا،
ويرتجف فرقا، وهو ينظر من طرف خفي إلى أي من الخصمين سينتصر ليلتف بنفسه في
أحضانه، حتى دون أن يحوجه إلى عرض عضلاته، وتفتيل ساعده ثانية فقد اقتنع بسطوته
وأيقن بقوته.
إن الذي يحكم العالم- بأفراده وأممه، وشعوبه،
وقبائله- هما أمتان عظيمتان في حضارتها كبيرتان في عددهما، جبارتان في أسلحتها،
تقفان على طرفي نقيض في أطماعهما، وتختلفان في مبادئهما، وتتضاربان في مصالحهما،
وتتقاذفان التهديد والوعيد، بينما العالم يتأرجح بينهما يميل إلى هذه حينما يشتم
منها رائحة النصر ثم لا يلبث أن يرتد عنها إلى تلك إذا أدرك دنو الظافر من
الثانية.
وليس هذا المنظر الشامل ممثلا لكل صراع الحياة..
فالحياة كلها صراع وهذا منه.
ولسنا نحن سوى جزء من هذا العالم المحموم، المغلوب
على أمره.
ولكن من نحن؟ ولماذا غُلبنا على أمرنا؟
وفي الواقع أن الأرض التي نبدأ منها من المحيط
الأطلسي شمالا وغرب إفريقيا لتنتهي في طولها بالمحيط الهادي في أقصى شرق آسيا،
وترمي أطرافها إلى حدود الصحراء السوفياتية في قلب آسيا بينما ترتاح أقدامها عند
منابع النيل وحراشي إفريقيا الجنوبية- هي أرضنا.. والأمة التي يتنسم أبناؤها
الهواء فوق تلك الأرض هي أمتنا، بأفرادها- سبعمائة مليون- وألوانها شتى ولغاتها
العديدة ويجمع بين كل هؤلاء البشر، المتباعدة ديارهم، المتباينة أفكارهم، المختلفة
لغاتهم، الملونة وجوههم فكر واحد ضم في كنفه كل هؤلاء، فكان أقوى من تباعد الديار،
واختلاف اللغات وتلون الوجوه.
ويربط هؤلاء- من وجه آخر- بأرضهم وديارهم، تاريخ
عريق، وماض مجيد، روى لهم أجدادهم الأرض فاتحين ومحررين ومعلمين.. هؤلاء هم نحن.
نعم، نحن المسلمين، أرضنا الشاسعة الواسعة وأمتنا
الضخمة الغزيرة، وفكرنا المتين الواحد، وتاريخنا المشرق الوضاء.
وقد يتعجب القارئ من النقلة في الحديث بين الوضع
الدولي وبين هذا الكلام، ولكنما جرنا إليها تعريف أنفسنا.. نحن الذين نقف الآن على
هامش الحياة، متفرجين معزولين، لا يدري بنا أحد إلا حين تقسيم الغنائم، ولا يشعر
بنا إلا إذا جاء وقت توزيع الأعطيات، ولا حول لنا أو طول، ولا قوة ولا حركة.
لم تعد للأرض قيمة.. لم تعد للكثرة قيمة.. لم تعد
للتاريخ قيمة.. فلم نعد لحياتنا قيمة وهي النتيجة الواقعية.
لهذا كنا جزءا من العالم المغلوب لا الغالب،
والمقهور لا القاهر.. وهذا أعجب العجاب!
وكما قالوا: إن الشعور بالآلام ضرب من ضروب الصحة،
فلولا أن يدرك المريض وجع رأسه، وانكسار ساقه، وتهشيم أنفه لمات الإنسان دون أن
يشعر. فإذا أحسسنا بألمِ «لم تعد لحياتنا قيمة»، فقد بدأنا نميل نحو التحسن، ونسير
إلى خارج الحلقة المفرغة التي ندور فيها حول أنفسنا.. وما أشهده أننا أحسسنا بهذا
الألم، فأنت تستطيع أن تقرأ في وجوه المسلمين جميعا التبرم من واقع مر أليم
يعيشونه الآن وقد مسخت شخصيتهم، وأذيب كيانهم، وتجاهل العالم حقهم، حتى وصل به
الاستخفاف إلى إنكار وجودهم كأمة وكفكر وكتاريخ.. فما لهم بعد هذا لا يتبرمون من
وجود لم تعد لحياتهم- كل حياتهم- فيه أية قيمة؟
إنهم بدأوا يحسون باستخفاف العالم القوي بهم وتسلطه
عليهم، ويشعرون بقزامتهم أمام عملقة القوتين الأخريين، ويدركون ضياعهم في تيه رسمه
لهم أخصامهم وأعداؤهم.
أما لماذا عداوة المعسكرين لهم وتكالبهما عليهم فلا
مبرر للعداوة والتكالب سوى حب التسلط، ونزوة الأنانية، وشهوة التحكم لأنهم لم
يسلبوا مال أحد أو أرضه حتى يتألب عليهم، ولم يسجل لهم التاريخ ظلما أو تعسفا لما
كانت القوة والعظمة ملء ثيابهم، حتى يقال إن المظلومين هبوا يثأرون أو قام
المنكوبون ينكبون.
وأما كيف الخلاص؟ فها هو الطريق أصبح قويما واضحا.
ولكن.. وقبل لمس الأصابع للطريق، لا بأس ببعض
النقاط على الحروف:
أولا: علينا
أن نفقه حق الفقه أن أية حركة منا في سبيل التحرر من المعسكر الشرقي أو المعسكر
الغربي يعني تحركه لضربنا والقضاء على حركتنا، مهما كانت صفتها أو صيغتها حتى ولو
كانت على مستوى فردي أو إقليمي. وذلك لأنه يعلم علما يقينا أن الإسلام دعوة عامة
إنسانية شاملة، وأن أية حركة أو تحرك تمت إليه بصلة إن بدأت فردية أو محلية فسوف
تتضخم وتتسع رقعتها تجاوبا مع عالمية الإسلام وشموله حتى تتسرب إلى الآفاق. وهذا
يحتم علينا حينما نصمم على التحرر من المعسكرين إعداد أنفسنا الإعداد الكامل لتلقي
الضربات الأليمة من كل الجهات، وحتى ممن يدعون صداقتنا ويبتسمون في وجوهنا، فإذا
كنا على استعداد- نحن المسلمين- الوقوف موقف المواجهة مع العالم أجمع، والتصدي
لقوتيه الجبارتين مجتمعتين- على عدائنا- فلنتحرك من هذا الواقع إلى واقع إسلامي،
ولنحطم قيد العبودية والتبعية لنصبح أحرارا نملك أنفسنا ونملك أرضنا ونملك ثرواتنا
فنستطيع بالتالي إقامة شعائر الله في الأرض، والعيش بعز، ونشر الإسلام فوق ربوع
العالم.. وليس المجال مجال اختيار.. فلا خيرة بين الذل والمهانة مع الدعة والراحة
المشوبتين بالذعر والذل، وبين العزة والكرامة مع الصراع والجهاد الموشمين بالشهادة
أو النصر.. لا خيرة إلا عند من لم يذق طعم العزة والكرامة واستساغ عوضا عنهما
مرارة الذل والمهانة.
ثانيا: إن
وعينا الإسلامي شرط أساسي لنجاح مسيرتنا نحو تحقيق شخصيتنا الإسلامية المندثرة
وبلورتها في هيكل دولي عالمي متين. ووعينا لإسلامنا يتمثل في الفهم العميق للإسلام
من جميع جوانبه والتجاوب معه في الخطر والإباحة والإقدام والأحجام، والدفاع عنه
والذود عن حياضه. أي أن الوعي الكامل للإسلام يضم الفهم والتطبيق والحماية، فمتى
تحققت الثلاث هذه فقد وعينا الإسلام وعيا صحيحا.
ثالثا: هناك
أمران اثنان إذا أحسنا التصرف فيهما، فإننا سنضمن أن تكون جميع خطواتنا واثقة
ثابتة، غير تائهة ولا مترددة. هذان الأمران هما: التحرك الجماعي والتنسيق. فمن
الأسباب التي كثيرا ما تقضي على أي عمل أو فكرة في مهدها أن يقوم بالانتفاضة بعض
الأنصار بينما يبقى الآخرون واقفين كالمتفرجين لا يشاركون ولا يرفدونهم بأنفسهم
وأموالهم وأفكارهم. والأمر نفسه في واقعنا: فتحركنا الجماعي وانتفاضتنا جميعا كفيل
بألا يقضي علينا، وكفيل- أيضا- ألا تحدث أحدا نفسه بالتراجع أو التقهقر، أو
بالتقصير في واجبه، والتخاذل عن أمته وإخوته. أما أن يمشي فريق وتخلف فريق فلا شك
في الفشل إذ تستفتر الهمم وتغل العزائم ونطعن في الظهر حتى يخفق من تقدم وييأس من
تخلف وعندها الطامة الكبرى. وكذلك فما تفيدنا العشوائية في الحركة شيئا. إنما
التنسيق والتنظيم هما عنصرا الحياة في التحرك الجماعي فلا بد منهما فإذا انضما إلى
التحرك هذا ضمنا السير بخطى واتكال وعزم وقوة.
ونعود بعد هذا للحديث عن الطريق الواضح لخلاصنا من
قبضة المعسكرين الحاضرين: فلما كانت البشرية تتحكم فيها القوتان العالميتان
والخطيرتان على أمنها واستقرارها، واللتان تهددان وجودها بالفناء والدمار في كل
لحظة وحين، فلا بد- والأمر هذا- ووضعنا على ما هو عليه من الضعف والهزال، لا بد من
تبديل وجه العالم أجمع إذا ما أريد استبدال خوفه وتشتته ورغبته بالأمن والتفاهم
والسلام..
لا بد من تغيير وضعه كله من الأساس ما دام غير
مرتاح أو مستقر نتيجة تحكم البشر بعضهم ببعض على شكل طبقات أو سلطات.
وذلك ببعث القيم الإسلامية الأصيلة لنبني الإنسانية
الجديدة التي لا تعرف التسلط ولا الاستغلال ولا الكبت ولا الإجرام ولا حمامات الدم
ولا عمليات الإرهاب والبطش.
إنني أريد- وبشكل أوضح- قيام معسكر إسلامي، ذي صفات
وميزات إسلامية يستطيع جمع شمل المسلمين بعد تفرقهم ويعيد لهم العزة والكرامة
بعدما ذاقوا علقم المهانة والمذلة.
وأنا أدعو إليه لسببين اثنين:
الأول: هو
حاجتنا إلى تغيير وضعنا من الضياع والتشتت والعوز والتأخر إلى وضع حضاري قيادي
سليم، وأظن أن أحدا ما من المسلمين لا يختلف معي في هذا.
الثاني: حاجة
البشرية جمعاء إلى نقلة تبتعد بها عن شبح الحرب المدمرة، وفوضى الإباحة البهيمية
وتفاهة القيم المادية القائمة.
وقد يكون في هذا بعض الخلاف مع غير المسلمين مع
فريق بين المسلمين البسطاء الذين لا يزالون في سكرة اللذائذ ونشوة الموبقات ولم
يتحسسوا بعد الخطر الجاثم فوق صدر العالم، والذين وقعوا تحت تأثير دعائي مضلل
فاقتنعوا بصلاح إحدى الحضارتين القائمتين في العالم للحياة فهم يدعون إليها.. ولن
أخوض هنا في نقاش يبعدنا عن صلب الموضوع.
ولربما يبدو أمر قيام معسكر إسلامي غريبا إلا أني
أثبت للجميع إمكان قيام مثل ذلك التجمع، وأنا موقن أن جماهير المسلمين التي تعيش
ألم «لم تعد لحياتنا قيمة» تتطلع إلى مثل هذا التجمع وذلك المعسكر وإثبات إمكان
ذلك يرتكز على إبراز دعائم هذا المعسكر والموجودة فعلا بين أيدينا..
- المسلمون
في العالم هم النواة البشرية: وهم على وضعهم
الحالي الهزيل قوة لا يستهان بها لضخامة عددها بحيث لو تجمعت لما استطاع أن
يتحداها كائن ما في الأرض، كما أن بلادهم التي ألمحت إليها سابقا تتمتع بإستراتيجية
حساسة، بالإضافة إلى غناها بالثروات المعدنية والطبيعية والمائية مما يساعد
على قيام نهضة صناعية عالمية فيها، تفوق نهضتي الشرق والغرب الحاضرتين.
- الإسلام
هو الفكر الذي يقوم عليه ذلك المعسكر:
يستمد منه الأنظمة والقوانين، وأنظمة الإسلام وقوانينه هي من المتانة
والتجانس بمكان، والفكر الإسلامي يتصدى لجميع جوانب الحياة ويستطيع حل كل
المشاكل كما أنه ذو صفات اجتماعية وسياسية لا تتوفر في غيره من الأنظمة
المادية أو الروحية وهذا ما يجعل معسكره إنسانيا عالميا قوي البنيان، متين
الساعد.
- تلك
الدعائم التي يستند عليها هي التجربة الماضية التي خاضها الإسلام بالمسلمين:
واستطاع إشادة حضارة عالمية كبرى، إن للتجربة تأثيرا كبيرا في دعم ومساندة
مثل هذا التجمع الحضاري الضخم، ويأتي تأثيرها في الاستفادة من أخطاء الماضي
وعثراته والاستعانة بأمجاده ومآثره التي تكون حافزا لا مثيل له في نفوس
المسلمين.
وحتما لا يعني وجود هذه الدعائم في الوقت المعاصر
أنها على الوجه المطلوب، فهي أشد ما تكون ضعفا وتفرقا، المسلمون متشتتون، وأرضهم
مقسمة، وعقولهم غزتها الأفكار الغربية المتطفلة، وإسلامهم شابته الشوائب حتى شوهته
تشويها بشعا، وماضيهم عبثت به أقلام المؤرخين من مستشرقين وأنصاف مسلمين فإذا به
تاريخ لأمة رعناء، همها الحرب والطعن والقتل والذبح.
إلا أنها، ورغم كل هذا، فهي دعائم المعسكر الإسلامي المرتقب يجب الحرص الشديد على بقائها حية، وإعادة تكوينها من جديد، ووضع الأسس النظرية والعملية، الكفيلة بإعطائها الفعالية والتأثير، ومدها بالنشاط والحيوية.