; قوة عدونا في سلبياتنا | مجلة المجتمع

العنوان قوة عدونا في سلبياتنا

الكاتب عبد القادر بن محمد المعماري

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1985

مشاهدات 78

نشر في العدد 738

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 22-أكتوبر-1985

قامت إسرائيل بضرب مقر منظمة التحرير في تونس، وسواء كانت طائراتها التي اشتركت في ضرب مقر المنظمة قامت من فلسطين أو من إحدى القواعد الأمريكية المنتشرة في البحر والبر، لا فرق فإن أمريكا معلنة تأييدها لإسرائيل وواقفة إلى جانبها في كل اعتداءاتها. وقد سبق وأن قامت إسرائيل بضرب المفاعل النووي العراقي، وقامت بغزو لبنان واحتلال أجزاء من البلاد العربية، كل ذلك بمساعدة أمريكا و تأييدها، وتريد إسرائيل ومن هم معها أن يثبتوا أن جيش إسرائيل قوة لا تقهر، وأن يدها تطال أي منطقة عربية، ولا يبعد أن تقوم غدًا بضرب أي بلد عربي قريبًا أو بعيدًا، فمسألة ضرب أي منطقة في أي دولة من أي جيش معادٍ أمر متوقع وغير مدهش، ولا يدل على قوة ذاتية خارقة، والذين كانوا يلقون في روعنا أن إسرائيل تتفوق على العرب بسبب تميزها وتقدمها في التكنولوجيا والسيطرة على الأسلحة المعقدة، وأنه لا مجال للعرب أن يصلوا إلى مستوى قوة إسرائيل بعد أن هزمتهم في ثلاث حروب، وأن عليهم أن يسالموها ويقبلوا بها كدولة متحضرة في المنطقة بإمكانها أن تقود شعوب المنطقة إلى التقدم والتحضر.

 

هؤلاء يريدون أن نستسلم للواقع المرير، ونمكن أعداءنا من السيطرة على كل مقدراتنا، وأن نعيش في هذه المنطقة كمواطنين من الدرجة الثانية مسخرين للجنس الأبيض في أمريكا وأوروبا.

 

والواقع الصحيح أن العرب لا تنقصهم الأسلحة، فهم يملكون ما تملكه إسرائيل من طائرات وأسلحة، وقد استطاع الشباب العربي أن يتعامل مع الأسلحة المعقدة التي تستعمل في القتال. وإذا كان اليهود الذين جاؤوا من أوروبا وأمريكا وروسيا عندهم الخبرة، ويتفوقون في العلم والتكنولوجيا، فإن الشباب العربي عندهم الاستعداد الكامل لكسب الخبرة والتفوق في مجالات العلوم والتكنولوجيا، ولكن الخلل في القيادات التي تتصارع حتى وجهت مخابراتها وأجهزتها إلى القمع الداخلي وكبت الحريات وتعطيل الكفاءات، وأصبحت الصولة للنفاق والدجل والتهريج، وساد الكسل والتراخي وعدم الشعور بالمسؤولية، وانفردت كل دولة بشعبها، واختلفت سياسات الدول وتوزعت ولاءاتها، وتحكمت الأهواء والأنانية، وأصبح الصراع بين الدول العربية أشد من الصراع بين العرب وعدوهم الذي يعمل بجد ونشاط في إذكاء هذا الصراع وتوسيعه، وأصبحت كراسي الحكم عندهم أهم من الوطن ومستقبله، فالرئيس يريد أن يكون رئيسًا إلى الأبد، والوزير يريد أن يتصل بكرسي الوزارة حتى لو يتحطم معه. وقد رأينا تشرشل وديغول تخليا عن الحكم وهما في قمة البطولة، وتركا الشعب يختار من يخلفهما، ورأينا كل وزير مسئول في أوروبا وأمريكا وإسرائيل أيضًا يتنحى عن الحكم إذا حامت حوله شبهات الفساد أو التقصير في عمله، ورأينا دول الكتلة الغربية يعملون بتضامن وتنسيق وتعاون فيما بينهم في شتى المجالات، ودول الكتلة الشرقية يعملون بتلاحم وتعاضد، وكل ذلك من أجل مصالح شعوبهم وأوطانهم، ومن أجل أن يكونوا أقوياء باستمرار، ورأينا دول السوق الأوروبية المشتركة تعمل على تقوية اقتصادها وحمايته، وإذا اختلفت هذه الدول فلا يتعدى اختلافها المناقشات والحوارات من أجل الوصول إلى الحل المناسب الذي يحقق المصلحة العامة.

 

ونحن لا نعرف غير الخلاف والصراع والاقتتال فيما بيننا، فأهدرنا طاقاتنا فيما لا طائل تحته، وأصبح المهم عندنا أن يكيد بعضنا لبعض، وأن يضعف بعضنا بعضًا، بل وأن يهلك بعضنا بعضًا، ونتناسى أن في وحدتنا قوة، وفي تضامننا ضمانًا لسلامتنا «وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية».

 

نحن لم نتعظ بعبر التاريخ، ونسينا أنه لم يهلك العرب في الأندلس إلا الفرقة والاختلاف، والحرص على أن تعيش كل إمارة بمفردها، مكتفية بحياة البذخ واللهو وألقاب العظمة والفخفخة، حتى قال الشاعر فيهم:

 

مما يزهدني في أرض أندلس *** ألقاب معتضد فيها ومعتمد

 

ألقاب مملكة في غير موضعها ***   كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

 

وقد ضاعت الأندلس، وقتل فيها العرب عن آخرهم، وضاعت الآن فلسطين وشرد منها العرب، وقامت دولة يهودية فيها، واحتلت مناطق من أرض العرب غير فلسطين، وهي في طريقها الآن إلى التوسع بمساعدة من الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وإن مما يجب أن نذكر به أنه قد زحفت الجيوش الصليبية من أوروبا واحتلوا أرض فلسطين وبيت المقدس، ومكثوا فيها قرابة القرن من الزمان، ولما توحد المسلمون تحت راية واحدة بقيادة صلاح الدين الأيوبي استطاعوا أن يستعيدوا وطنهم، وأن يعيدوا الصليبيين من حيث أتوا. فالخيار الآن بيدنا إذا أردنا أن ندحر العدو، ونستعيد فلسطين اليوم أو غدًا، فنحن أصحاب حق ولكن السبيل لنيل الحقوق ليس مفروشًا بالورود، والإسلام قد رسم لنا الطريق فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾ (الأنفال:60) وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ﴾ (آل عمران:103) فالقوة والاتحاد أمران متلازمان لا يفك أحدهما عن الآخر، فالقوة بدون وحدة إرهاق، والوحدة بدون إعداد قوة لا تزيد عن كونها جمع أصفار، والقوة التي تحتاج إليها تتمثل أولًا في اقتصادنا، فهل استطعنا أن نقوي اقتصادنا لنوفر لنا أسلحة بدون شروط؟ وهل استطعنا أن نكتفي ذاتيًّا في الغذاء ونستغني عن القمح الأمريكي؟

 

لقد كانت البلاد العربية والإسلامية في غنى عن القمح الأمريكي؛ إذ أكثر أراضيها زراعية، فأصبحنا بانقلاباتنا المتعاقبة ومشروعاتنا الفاشلة وقوانيننا العقيمة، لا نملك رغيف الخبز، فأمريكا لن تكف عن  تأييد إسرائيل إلا إذا رأت أننا في غنى عنها، وأننا نستطيع أن نستغني عن أسواقها في تصريف منتجاتنا البترولية، وأننا لسنا في حاجة إلى بنوكها وشركاتها واستيراد منتوجاتها، ويخطئ من يظن أن الحل هو في انحيازنا إلى الكتلة الأخرى، فإن تلك الكتلة توجهها مصالح الاتحاد السوفيتي، وليس من مصالحه هو الآخر أن تكون الأمة العربية والإسلامية قوة لها شأن في العالم، والدول الكبرى تتفق على ترتيب مصالحها وتوسيع مناطق النفوذ بينها. ويجب ألا ننسى دور هذه الكتلة في إنشاء إسرائيل، فإن مد تشيكوسلوفاكيا ورومانيا للصهيونيين بالسلاح سنة ١٩٤٨م من أهم الأسباب التي ساعدت على فرض الهدنة المخزية على العرب، وكذلك وقوف الاتحاد السوفيتي في هيئة الأمم إلى جانب إنشاء دولة إسرائيل، ولا يعني هذا أن علينا أن نعادي دول الكتلة الشرقية، بل يجب أن نلتزم بالحياد بين الشرق والغرب، ونحافظ على استقلالنا، وأن نستثمر الخلاف بين الكتلتين من أجل قضايانا لا من أجل قضاياهم.

 

إن الاستقلال السياسي والفكري والاقتصادي هو الضمان الوحيد للمحافظة على كياننا، فعلينا أن نرفض التبعية السياسية والاقتصادية والفكرية لأي من الكتلتين، وليكن في علمنا أن قوة عدونا هي في سلبياتنا، فلنقض على السلبيات أولًا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾. (الرعد:11) فلنغير ما بأنفسنا، وليكن التغيير في اتجاه الصواب لا في اتجاه الخطأ، وفي الرجوع إلى الحق لا في التمادي في الباطل، فلا يحق لنا أن نستنكر ما حل بنا من مصائب ونحن الذين جلبنا على أنفسنا بأيدينا ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران :١٦٥).

 

وإننا مع الأسف نتصارع ونتخالف ويهاجم بعضنا بعضًا، إلا أننا نسكت على الظلم، فإذا قامت دولة عربية باضطهاد شعبها، فإننا نلزم الصمت بحجة عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وكأن الأمر لا يعنينا، بينما نرى الأعداء يحتجون ويدافعون عن حقوق الإنسان، فكثيرًا ما تحتج منظمة العفو الدولية على ما يجري من إهدار الحقوق الإنسان في بعض البلاد العربية، ونحن هنا نرى بأعيننا ونسكت، واتحاد المحامين العرب لا يحتج إلا في حالات نادرة، ولا يناصر إلا اتجاهًا معينا يرضى عنه المهيمنون على الاتحاد، وإذا كنا هنا قد أشدنا بمواقف لجنة العفو الدولية وهم من جنسيات أخرى ليسوا عربًا ولا مسلمين، فإن الإسلام قد أشاد بالروم في مناصرتهم للضعيف ومنعهم لظلم الملوك، كما جاء في صحيح مسلم عن المستورد القرشي وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، فالعدل هو أساس نهضتنا وأساس انتصارنا، وإن الله ينصر الدولة الكافرة إذا كانت عادلة، ولا ينصر الدولة المسلمة إذا كانت ظالمة، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فلا حياة لنا إلا بالعدل، ولا انتصار لنا إلا بالعدل ﴿وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ﴾.(المائدة: 8).

 

لقد أثبتت الأحداث أن التاريخ يعيد نفسه، فإذا كانت الأحزاب غير الإسلامية قد زحفت اليوم على طرابلس لاقتحامها من أجل القضاء على حركة التوحيد الإسلامي وحاصرتها، فقد سبق أن زحفت عليها أحزاب الصليبيين بمساعدة عناصر الطوائف التي تدعي الإسلام، وسبق أن حاصرت أحزاب الجاهلية الأولى، وأحاطت بالمدينة المنورة لاقتحامها من أجل القضاء على رسالة التوحيد التي كان يقودها محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، فرد الله كيدهم في نحورهم، وكشف دور المنافقين واليهود في المؤامرة على الإسلام والمسلمين. قال تعالى في سورة الأحزاب ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا  * وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا *  وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾..(الأحزاب: 23-27).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان