العنوان قوة العقيدة والساعد والعدة شعار إسلامي
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2001
مشاهدات 38
نشر في العدد 1477
نشر في الصفحة 47
السبت 17-نوفمبر-2001
جماع القوة، ومصدر البطولة تعاليم الإسلام، فثبات الجنان ورباطة الجأش وقوة البسالة وشدة البأس وصدق العزيمة طبيعة في الفرد المسلم، لأنه ليث عرين، وأخو غمرات ، وحامي حق، ورافض ذل، فالمسلمون لهذا سيوف الله، وكتائب رسالة، وحماة ذماره وحضنة ملة، ودعائم دولة، وأركان عزة وكرامة.
عقيدتهم سر قوتهم وعنوان هويتهم ومنبع حماستهم، والعقيدة المكينة عندهم معين لا ينضب للنشاط الموصول، والحماس المذخور، وصبر لا ينفد في احتمال الصعاب ومواجهة الأخطار، بل هي حب شائق حثيث يدفع إلى لقاء الموت دون تهيب، لقاء محب مشتاق طلباً للشهادة في سبيل معتقده ورضاء ربه.
يقول المرحوم الشيخ الغزالي: تلك طبيعة الإيمان إذا تغلغل واستمكن إنه يضفي على صاحبه قوة تنطبع في سلوكه كله، فإذا تكلم كان واثقاً من قوله، وإذا اشتغل كان راسخاً في عمله، وإذا اتجه كان واضحاً في هدفه، وما دام مطمئناً إلى الفكرة التي تملأ عقله وإلى العاطفة التي تغمر قلبه، فقلما يعرف التردد إلى قلبه سبيلاً، وقلما تزحزحه العواطف العاتية عن موقفه، أو تهزه المحن الضروس أو تفتنه زخارف الدنيا وشهواتها عن هدفه وغايته.
فدائماً أبداً كان المسلم شاعراً بقوة اليقين في شخصه، وروعة الإيمان في نفسه، فإن لم يستطع فرض ذلك على من حوله بقي كالطور الأشم، لم تجرفه الغمار السائدة، ولم تطوه اللجج الصاخبة ، وماذا عسى الناس أن يفعلوا لامرئ اعتز بإيمانه واستشعر القوة لصلته بريه واستقامته في دينه؟ إنهم لو تألبوا عليه جميعاً ما نالوا منه قليلاً ولا كثيراً.
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كنت ردیف رسول الله الله فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا إستعنت فأستعن بالله وأعلم أن الأمة كلها لو إجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام وطويت الصحف»(أخرجة الترمذي: 2516 ) والحق أن فضيلة القوة التي ترتكز في عمق المسلم تستمد زخمها من عقيدة التوحيد التي تأبى له أن يرضى بالهوان في الأرض، أو يستكين للظلم على وجه البسيطة، لأنه رفيع نسبه يتصل بالسماء وسام هدفه يرتفع حتى يطاول الجوزاء يستطيع بقوة يقينه وفتوة عزمه أن يكون أمة وحده، إذن فرذيلة الضعف بعيدة عن مخيلة المؤمن، وسيئات الوهن لا يعرفها القلب ألنقي ولا النفس المطمئنة﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ (آل عمران: 156).
، فالتقدم والريادة والشجاعة والتوكل على الله والثقة في وعده قوة جبارة يجب أن يتسلح بها المؤمن خاصة عند وضوح الهدف، وظهور الطريق وسلامة الرؤية، وصدق الله ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾(إبراهيم: 12)، والتوكل على الله يكون مع استفراغ الوسع في العمل، لأن التوكل الحق قرين الجهد المضني والإرادة المصممة، ولم ينفك التوكل عن هذا المعنى، ولم يأخذ صفة التواكل إلا في العصور التي مسخ فيها الإسلام ،وأصبح بين اتباعه لعباً ولهوا، ولهذا جاء في الحديث الشريف: «من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله»(حديث ابن عباس). والتوكل الذي يقوى الإنسان به ضرب من الثقة بالله ينعش الإنسان عندما تكتنفه ظروف محرجة ويلتفت حوله فلا يرى عوناً ولا أملاً!
فالمكافح لعدو قوي الشكيمة، شديد البأس على ضعف في العدة، وقلة في الناصر، يحس عندما يتوكل على الله أنه آوى إلى ركن شديد، ويستمد من هذا التوكل ثباتاً ورباطاً، ويظل يقاوم حتى تبرق بشائر النصر خلال الجو المكفهر ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾(النحل: 43).
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (الأحزاب: ٤٨).
وهناك حقيقة غفل عنها الناس، وهي أن هذه العقيدة هي القادرة على الإحياء، وهي القوة الباقية سناداً للحق إلى يوم الدين، وهي المنارة الهادية التي جمعت سر الديانات ولب الرسالات وأنوار الملل على اختلاف أعصارها وأزمانها، مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: ٢٤). إحياءة للعقول والقلوب، وإضاءة من الجهل ومن التخلف ومن الوهم والخرافة وضمان من خزي العنصريات، وجور الديانات المحرفة كما أن تلك العقيدة لا تنهض بالروح فقط، بل تنهض بالجسد كذلك فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك وأستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان إذاً فقوة الساعد وقوة الجسد من شعائر الإسلام الذي يحرص على إستكمال عناصر تلك القوة الإسلامية والروحية ولهذا حرم الإسلام كل ما يضر بالجسد أو يوهنه، ثم حض الإسلام على العنصر الثالث في القوة، وهو العدة العدة لكل أمر ذي بال، وصدق الله ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّته ﴾(التوبة: ٤٦).
،فالعدة قرينة النصر وموصلة إلى الفلاح والفوز، وصدق الله﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾(الأنفال: ٦٠).
فكان الإعداد والعدة والقوة من فرائض الإسلام ومأمور بها فيه، ومحضوض على التدريب عليها، وقد ورد في الأثر" من تعلم الرمي ونسيه فليس منا، ألا إن القوة الرمي"، وليس مراداً بهذا الاعتداء على أحد، أو ظلم إنسان، وإنما المراد الحفاظ على الأمة وعدم امتهان الإيمان في شخصها، واحتقار العقيدة في ذاتها، وقد علم الإسلام أن الهمجية الجاهلية ستستمر حتى وإن دعت أمم الحضارة والمدنية، ولكنها تعتمد الجاهليات أسلوب حياة واستضعاف الشعوب وسائل إلى الاستعباد وأخذ الخيرات، ولا يردع تلك الجاهليات إلا أن يكون المسلم قوياً عزيزاً لا يهان ولا يذل، فهل نفهم ذلك؟ نسال الله السلامة.
آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل