العنوان المجتمع الثقافي عدد 1531
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002
مشاهدات 68
نشر في العدد 1531
نشر في الصفحة 50
السبت 14-ديسمبر-2002
جاءت أمسيات رابطة الأدب الإسلامي العالمية على هامش مؤتمرها السادس في القاهرة في مجملها حافلة بالروح الجهادية شادية لفلسطين مبشرة بأعراس الفداء، وبانتصار الحق رغم ما يحيط بالأمة من مؤامرات وفجائع، وإن كانت أصوات شعرائها. التي زادت على ثلاثين صوتًا. تعلو أحيانا أون تخفت إلا أنها تأوي في النهاية إلى إشراقات متدفقة من الفجر الآتي. لا وقد اشترك في الأمسيات كوكبة من الشعراء يتسع المقام للوقوف معهم جميعًا، وسنجعل هذه المقاربات الانطباعية ومن خلال مقتبسات شعرية تنطق القوافي، وتصغي للإيقاعات الشاهقة، فنمضي بداية مع الشاعرة المصرية د. ثريا العسيلي، ومع توقد همتها. إنها صوت يقدح من أمجاد الروح متكئة على إيقاعها الشعري الخاص، لكن هل تشفع لنا هذه الأمجاد أمام عظمة التضحيات التي قدمتها المجاهدة الشهيدة وفاء إدريس مثلًا في فلسطين؟ وكان لسان حالها يرد قائلة في قصيدتها إلى (وفاء إدريس)
يا نور عيني يا وفاء
العزم والتصميم والروح المناضل والإباء
رمز البطولة والبسالة والفداء
صوت النضال الحق يعلو
نحو آفاق السماء
يا عرسنا الدامي الذي أدمى الجوارح يا وفاء
أمل يبشر بالخلاص وبانزياح الهم من أعتى بلاء
قبس من الإيمان يقطر بالطهارة والنقاء
إشراقة الفجر الذي سيظل موفور البهاء
كانت تعد زفافها للموت فارسها الملثم بالدماء
ومهرها نعم العطاء
تومض القصيدة من تراب فلسطين، ومن أنوار شهدائها، ولم تخرج عن الحقل الجهادي في تراكيبها وتعبيراتها: يا نور عيني، رمز البطولة والبسالة والفداء صوت النضال يا عرسنا الدامي إشراقة الفجر، قبس من الإيمان فارسها الملثم بالدماء وهي تحفز الذاكرة المزيد من المقاومة، ليعلو صوت الحق.
أما الشاعر الفلسطيني صالح الجيتاوي، فيروي لنا شعره مثخنًا بالجراح ولم تكن القدس سوى قدسه التي يقف على بابها ناسكًا، وعلى رموشها عاشقًا، وعلى شذاها عبد القدوس أبو صالح ود. عدنان النحوي ود. عبده زايد مرابطًا يحدو لها، ويهفو لإيقاع صوتها ومسراها الشريف فتضيء لنا قصيدته قناديل على مآذن القدس أحزاننا
يا قدس لا تهني فأنت حظية | الدنيا وللبشرى عليك طوالع |
كفي الدموع فما المريد بكاذب | كلًا، ولا شاري الشهادة راجع |
في جيدك العشاق عقد مآثر | خشع الزمان لحسنها يتواضع |
تلك المهور على هتافك تنتخي | جن الهيام فحمحمت تتسارع |
شدت (حماس) سروجها فكأنها | قدر يموج وأنجم تتدافع |
همم على مهم النجوم عجاجها | تتثاءب (الزهراء) وهي طوالع |
تستنبت الحسنات في نار الردى | والمرجفون على الهوان أشايع |
شعر صالح الجيتاوي يهزك من الداخل لأنك تحس بحرارة لغته، وحميمية هتافه، تحس بفيض راق مبتكر من الصور، وتراكيب عالية تهاتف أرواحنا رغم المواجع، ومن هنا يأخذنا حذاره تشحذنا ألفاظه الحارة بشموس طازجة من سمو الإرادة وصلابة الهمم
شدت (حماس) سروجها فكأنها | قدر يموج وانجم تتدافع |
همم على مهم النجوم عجاجها | تتثاءب (الزهراء) وهي طوالع |
هذه الأبيات أشبه بحديقة يفاجئك عطر أزهارها، فأيها تختار؟ لأن الجيتاوي عاشق للقدس من طراز فريد منذ خشعت أركان الكون الحسنها إن هذا الشعر يضرم فينا أشواقًا للشهادة لا يحدها تفسير، ولا تبردها قراءة واحدة، ولعل لنا وقفات قادمة مع هذه النماذج الراقية من شعرنا الإسلامي!!
أما شاعرنا الكبير جابر قميحة فلم يبرح نموذجه الإسلامي الذي طالما شدا له بفنه وفكره وهو نموذج يبزغ دائمًا من كتاب الله ويعطر الأجواء بمداد آياته، ويأسر قلوبنا بمطالع قصائده، فكانت قصيدته أحمد ياسين أشبه بلوحة تحكي أمجاد الأمة ومواجعها فيقول:
قم عطر الفجر بالإسرا وياسينا | ورتل الفتح والأنفال والتينا |
وعانق الفجر في شوق وفي لهف | واكتب على الشفق الوردي ياسينا |
واجعل مدادك من ماء القلوب وصغ | حروف ياسين ريحانًا ويسمينا |
وأطر اللوحة الشماء من مهج | تزينها وبنور من مآقينا |
(أحمد يسين) سمي المصطفى شرفت | به العروبة واخضرت بوادينا |
شیخ قعيد وفي الإيمان قوته | لم يعرف العجز والإذعان واللينا |
يحقق النصر من كرسيه أبدًا | فأين منه (كراس) حكمت فينا |
هكذا يأوي شاعرنا جابر قميحة إلى اقتباساته القرآنية في أشجانه وأفراحه، ويسلمنا إلى كثير من السخرية الموجعة المرة سخرية تحمل وهجًا استشرافيًا متدفقًا لا ينفصل عن الفكر الحركي الجهادي الذي يحمله الشاعر، ولعل بيته الأخير هنا نموذج جلي على ذلك! ولنا وقفة مع الشاعر المغربي المبدع حسن الأمراني، وهو شاعر يملك مناخه الجمالي وتجربته الطويلة الإبداعية، فنجده يبتكر لصيغه الشعرية دلالات جديدة، ويعيد لألفاظه نقاءها وشفافيتها الروحية، ولعل ذلك يرتبط بذاكرة إسلامية مشرقة تفوح من عراقة التاريخ وشذى الجماعة المؤمنة، فأنشد قصيدته شوقًا إلى الله بروح مفعمة بالتفاؤل:
شوقًا إلى الله طيري واهتكي الحجبا | النور يدنو وطيب الجنة اقتربا |
شوقًا إلى الله يا أبهى محجبة | من سيبك العذب ماء الشعر قد عذبا |
كم كحلت من نسيج القلب مقلتها | لا كحل، لا قرط تبغيه ولا قلبا |
شوقًا إلى الله يا أبهى مجاهدة | إن الشهادة درب يبلغ الأربا |
أضحت سمية في عليائها ابتسمت | لما رأتك شهابًا يرجم النصبا |
وتلك خولة قد ضمت جوانحها | من عزمك الفذ ما تحيي به الحقبا |
شوقًا إلى الله طيري غير عابئة | بمن غدا يزرع الأقطار حقل ظبي |
وزلزلي تحت أقدام الطغاة ثرى | كم ضج من بطشه الباغي وكم ندبا |
لا تسألي عن فتى الفتيان في حلب | فلست تلقين لا سيفًا ولا حلبا |
لا تطلبي من دمى صارت محنطة | للنصر سيفًا ولا رمحًا ولا نشبا |
شوقًا إلى الله طيري، أنت مرشدتي | وفي يديك لمست النصر والغلبا |
قصائد شاعرنا الأمراني، امتداد للحياة لا انعكاس لها، فهي توقع من أعماق ذاته الشفيفة في انصع لحظات يقظته ووعيه، مستثمرًا المدخرات الإيمانية في أمته، ومن هنا نقرأ نبض حروفه كلوحة متكاملة من الفن الراقي الممزوج بين المبدع والإبداع.
ولم تغادر الشاعرة المغربية د. فاطمة عبد الحق مواجع الجرح الواحد مواجع القدس فيأتي شعرها بانسيابية حزينة مؤلمة، ولكنه الأسى القابض على نفحات المجد من ماضي الأمة وصوتها الذي لن يخفت مهما طال الليل وعصفت الخطوب، فتشدو في قصيدة (الجرح الواحد) هذا الإيقاع:
ألف ليل وليل أفل |
| ألف ريح وريح تمر |
لذا الليل لما يزل |
| عنك يا قدس لما يتر |
قدر الله فيك البلا |
| قرر العرب طول العمر |
للدجى فيك أرض الهدى |
| للأسى في عيون القمر |
سلموا الأرض للسامري |
| الذمار الجراح الأثر |
ماضي العرب.. صوت العلا |
| نفحة المجد، نشر القطر |
وتنهض قصيدة الشاعر د. صابر عبد الدايم من محاورة التاريخ ومفارقاته ورموزه الشاهقة، ولعل من أهم الركائز الجمالية في القصيدة الإلحاح على السخرية النازفة. ففي قصيدته العهدة العمرية.. قراءة عصرية:
يحشدنا لصوته العالي
يا بن الخطاب.. الخطب الآن
يخط خرائطه حاخام الأنصاب
يعلن أن خطاب العصر مداهمة الإرهاب
سلم كل مفاتيح بلادك
واستسلم وافتح كل الأبواب
ارفع رايتك البيضاء.. وسلم تسلم...
تسلم من أي عقاب
فحماية أرضك.. عرضك.. حقك.. طفلك..
تدمير ونذير خراب
يا بن الخطاب.. هذي عهدتك العمرية تسكنها
أطياف الشهداء ترفرف فوق دماء المحراب
تزخر القصيدة بالمباشرة والخطابية في كثير من مقاطعها، ولعلنا نعذر الشاعر لأنها قصيدة حدث، بينما نجد الإيحاء، والفنية الراقية في ديوانه (مدائن الفجر) الذي قرأناه قراءة نقدية على صفحات المجتمع قبل سنوات..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل