العنوان قواعد التوسع الثقافي
الكاتب عبدالرحمن عبدالله
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1982
مشاهدات 67
نشر في العدد 574
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 08-يونيو-1982
كان من آثار الصحوة الإسلامية التي نعيشها اليوم صحوة أخرى قد بدأ نورها بالإضاءة، وبدت واضحة للعيان، تلك هي ظاهرة حب الاطّلاع والمعرفة والقراءة فهذه المعارض الثقافية وتلك الأمسيات الأدبية والندوات الفكرية وانتشار المكتبات العلمية ما هي إلا دليل واضح في عالم الثقافة والفكر، ويعبر تعبيرا كبيرا عن القابلية الكبرى لحب الاطّلاع التي يتمتع بها شباب اليوم، ولكن نرى هذه القابلية وهذا الحب ينفرطان عند الشباب دونما تقييد، فتراه ينهل من جميع المناهل الثقافية رديئها وسيئها، ثقتها وضعيفها، صحيحها ومنكرها، لذلك كان على القرَّاء اليوم ملاحظة تسع قواعد مهمة في هذا المجال وهاك إياها:
- القاعدة الأولى:
وضوح الهدف:
فوضوح الهدف لدى القارئ هو أمر ينبغي أن يستوضحه ليسهل عليه مجال الثقافة فيسأل نفسه ماذا يريد من القراءة؟ ماهي الكتب التي تفيده في مجاله؟ وهكذا بعدة أسئلة يكون فيها صادقًا مع نفسه ليعرف منها هدفه من الاطلاع، هل هو المباهاة والتفاخر؟ أم هو تقييد وتسجيل هفوات العلماء كما يفعل الكثيرون؟ أم هو لفهم الإسلام مستلزماته؟ فأقول: متى وضح الهدف من القراءة استطاع القارئ استسهال جميع الصعوبات المادية والمعنوية ألم تر أن الله تعالى قد أوضح لنا الهدف من وجودنا، لماذا يا ترى؟ حتى لا نتخبط في الظلمات ونعرف كيف نسير..
القاعدة الثانية: مراعاة الظروف
وهذه القاعدة من القواعد التي لا ينتبه إليها كثير من الذين يقرءون، لذلك لا يراعون النفسية والوقت والمكان ... إن مراعاة الظروف تعني أن ينتبه القارئ إلى ظروف قراءته فيختار الوقت المناسب للقراءة ويختار الكتاب المناسب لعقله ويختار المكان الملائم لقراءته فلا يقرأ ونفسيته متعبة من قضية معينة لأنه يصرف وقته فيما لا فائدة فيه، والوقت هو الحياة، ولا يقرأ كتابًا عسير الفهم في وقت يحس فيه أنه يجب أن ينام، أو يقرأ في ضوء خافت ينقب عينيه ويرهق فكره، كلَّا بل عليه أن يراعي الظروف المحيطة به، وأن يحاول خلق الظروف الملائمة للقراءة، وهي النفسية المستعدة والوقت الملائم والمكان المريح، والضوء الكافي.
القاعدة الثالثة: التدرج المنطقي
وهذه القاعدة أفصح عنها الإمام الغزالي - رحمه الله – في إحيائه، فقام ناصحًا ومحذرًا طالب العلم (ألا يخوض في فن من الفنون دفعة -واحدة- بل يراعي الترتيب ويبتدئ
بالأهم)(1) لأن التدرج والتريث وعدم الاستعجال طرق موصلة إلى العلم الصحيح، وانما العلم بالتعلم، فالتهور والطفرة - والاستعجال وأخذ الأمور دفعة واحدة توصل صاحبهما إلى طريق الملل واليأس، لذلك نقول إنه على الجديد في أول طريق القراءة ألا يبدأ بكتاب عسير الفهم، أو بكتاب يتكلم عن قضايا لا تمت إلى واقعه قيد شعرة، أو يتكلم عن قضايا أَكَلَ الدهر عليها وشرب لا تفيده بشيء، بل يجب عليه أن يبدأ بالعلوم الهامة التي تربطه بواقعه و بدينه كأمور العقائد والعبادات، فيبدأ مثلا بكتاب الإمام البنا في العقائد أو كتاب الشيخ الأشقر، أو كتاب الأخ طارق، أو يبدأ بكتاب (الإسلام) السعيد حوى وما شاكلها من الكتب الميسرة المبسطة التي ككتب بأسلوب العصر الحديث كاتب المودودي وقطب وغيرهما، أما أن يبدأ مع (ابن حجر) في فتحه المبارك، أو مع المبرد في (كامله) أو مع النووي في مجموعه، أو الشاطبي في موافقاته، فأظن هذا الطريق يغلق الجادة، ويعكر صفو العقل، وهو مجلبة للملل واليأس، وليس هذا مدعاة لإلقاء هذه الكتب الأم كلَّا والله، ولكنني أقول إن هذه الكتب لا تقرأ إلا لمن كانت له خلفية واسعة، وإدراك عميق.
القاعدة الرابعة: التلخيص لعدم النسيان
فالتلخيص من أهم العوامل المساعدة للقارئ على القراءة والفهم، فإن القارئ إذا فهم ما قرأه ورسخ في فكره أحب القراءة وازداد اشتياقا لها، وانا اغلق عقله عن الفهم مالت نفسه إلى الراحة والى عدم اتعاب العقل في قضايا الفكر والثقافة، لذلك كان التلخيص حاميًا للقارئ من ذلك كله، فهو يصنع سياجا بين الإنسان القارئ وبين النسيان كما قال عبد الله بن المبارك: (لولا الكتابة لما حفظنا)(1) وكان هو عمدة الحفاظ في عصره وكان بمجرد سماع خطبة يحفظها من أول مرة، فكيف بمن لا يتذكر كلمة واحدة من الخطبة قبل نزول الخطيب من المنبر؟ أو كما قال أبو قلابة الكتابة أحب إليّ من النسيان(2) أي أن يكتب ما يتعلمه ويقرأه فيتذكره أفضل من ألَا يكتب ذلك فينساه على مر الأيام، وشيخ أهل الحديث في القرن العشرين الشيخ أحمد شاكر رحمه الله - كان كثير التلخيص على هوامش نسخه، وشاركه في هذا الشرف تلميذه محمد فؤاد عبد الباقي - رحمه الله - عمدة الفهرسة والتصنيف فإنه كان يكتب الهوامش على جميع كتبه التي في مكتبه وكذلك كان الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله، وكثير غيرهم، إن ذلك يفيدنا في أهمية التلخيص والكتابة حتى لا يضيع ما يقرأه الإنسان
. القاعدة الخامسة: الاهتمام بكتب الحديث الشريف:
فكتب الحديث الشريف لا سيما الصحيحان تزود القارئ بعلم شرعي واسع، وتزيد في لغته بيانًا ووضوحًا، وفي منطقهِ حجة وبرهانًا، فلا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال، وهذه الكتب تجعل صاحبها في بُعد عن الزيغ والانحراف وفي عافية من البدع والابتداع، فهي السياج الواقي والحصن الحصين، لذلك وجب على القراء تزويد مكتبتهم بكتب الحديث وشروحها والقارئ لهذه الكتب سيشعر بتقدم ملحوظ في ثقافته الشرعية، وفي حُبِّه للقراءة فضلا عن تزويده بالمحافظة على سنة الرسول ولا تعارض بين ما قلناه آنفا في التدرج والتريث والابتعاد عن الكتب الصعبة وبين ما قررناه الآن فالحديث الشريف ليس من الأمور التي يستصعبها المسلم ولكن الشروح التي تناولت هذه الأحاديث غاصت في علوم لا يفهمها إلا صاحب الخلفية العميقة.
القاعدة السادسة: الهمة العالية التي تأبى النزول:
وإنما تدرك المطالب السامية بالهمة العالية، وما أروع همة ابن الجوزي - في طلبه للعلم عندما وصف نفسه بقوله: كنت أَدُور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفَسي من العَدْو لئلَّا أُسبق(1) أرأيت كيف يعدو ويركض وينقطع نفسه خوفا من أن يسبقه أحد لينال أكبر قدر من العلوم؟ ولسنا نطلب مثل هذا العدو اليوم كلَّا فوالله ما هي إلا همة تتحرك، ويد تتناول الكتب من على الرف.
القاعدة السابعة: عدم التساهل في تناول الكتب:
فإن التساهل من القضايا الخطيرة جدا، والتي قد تعكر صفو المبتدئ، وخطورتها تكمن في عدم إحساس القارئ بها أول الأمر فيقع المحذور، فإن التساهل كفيل بشحن الفكر بقضايا أو بأفكار فلسفية فيها كثير من الزيغ والضلال تكون كمُسَلَّمات في فكر المتساهل كأقوال الجهمية والمعتزلة والرافضة في العقيدة، أو كالطعن في الصحابة أو كتوثيق من لا يستحق التوثيق ...
وإن كثيرا من القُرَّاء يظنون بأنفسهم ثقة في استخراج أخطاء المؤلفين ومغالطاتهم ودسائسهم، وغفلوا عن ذكاء وفطنة أولئك المؤلفين الدهاة وأنهم قادرون على تلبيس الحق بالباطل، وأنهم يُلبسون الباطل أثوابا من الحق، لتنطلي أفكارهم الخبيثة على أولئك السذج، لذلك كان واجبا على الحركة الإسلامية اليوم حجر أبنائهما عن القراءة للمؤلفين والكتاب الدساسين، وكان لزاما عليها تصنيف أولئك المؤلفين إلى عدة فئات مثل (مخلصون، مدلسون، مخطئون)، لوضع كل مؤلف في مكانه الذي يصلح له دونما محاباة أو بغضاء بل الحق والعدل هما الرائدان لهذه العملية، وهكذا يعرف القارئ ماذا يقرأ ولمن يقرأ.
القاعدة الثامنة: الانقطاع خلل لا يسد:
فإن الانقطاع وعدم الاستمرار والنفور من القراءة داء يصاب به الكثيرون اليوم وهو عيب شنيع، ومرض عضال إذا أصيب به القارئ فاته خير كثير وأظن سببه الملل وعدم البرمجة اليومية، وذلك أن للشيطان دورًا لا يغفل في هذا الأمر فإنه يغري العبد بالفتور والكسل ويثبطه ويقعده ويضربه بالكسل والتواني ويفتح له باب التأويلات والرجاء(1) على مصراعيه، ولا بد من علاج لهذا الانقطاع وأظن العلاج يكمن في الاستمرار في القراءة ولو في كل يوم صفحة واحدة على الأقل، المهم أنه يحاول إدامة عمله دون انقطاع، ولذلك كان "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"(2) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك كان العمل الدائم هو أساس النظام"(3) وإنما استمرارية العمل تحتاج أول الأمر فقط إلى اقتحام العقبات الأولى لأن هذا الاقتحام للعقبات الأولى يذلل ما بعدها، وإن أكبر عقبة هي الإحجام، والأمر الصعب إنما يسهله الأمل والعمل، وأصعب الصعاب هو اليأس(4) والملل، فالاستمرار على القراءة اليومية يكسر حاجز اليأس ويسهل كثيًرا من أمور كان القارئ يظنها من المستحيلات..
القاعدة التاسعة: قفز بلا تؤدة وإكمال:
ونعني بهذه القاعدة ذلك القارئ الذي يتنقل بين العلوم كما يتنقل البلبل بين الأشجار، فمن كتاب في الحديث إلى كتاب في الفقه إلى كتاب في العقيدة دون إكمال الكتاب أو استكمال العلم الذي يدرسه وهكذا يظل القارئ متنقلا بين هذه العلوم مضيعا لوقته وفكره، ولو أنه أكمل علمًا علمًا لكان أفضل له وأعظم ولاستطاع تحصيل أكبر قدر من المعرفة في أقل وقت دون جهد أو تعب أو ملل و وهذه كانت وصية الإمام الشافعي لأحد المؤدبين عندما حذره قائلا ولا تخرجهم أي التلاميذ - من علم إلى غيره حتى يحكموه وذاك كان في زمن كثر فيه العلم والعلماء، فكيف بزمان العالم فيه كرأس دبوس في أرض فلاة وليس له شيخ إلا كتابه لذلك وجب لزاما التواني والتؤدة واستكمال العلوم علمًا علمًا وعليك أن تستجيب للإمام الغزالي عندما طلب من طالب العلم ألا يخوض في فن من فنون العلم دفعة واحدة بل يراعي الترتيب.
وبعد فهذه قواعد تسع يسير عليها القارئ ليأخذ بحظ وافر ليصبح من ورثة الآن الأنبياء، لئلا يفوت عمره فيما لا فائدة منه ثم إذا ضاعت الفرصة ضرب كفًّا في كف.
المراجع:
الإحياء 1/ 52
(2،3) علل الترمذي/74
4.تلبيس إبليس/ 5
5.الوابل الصيب (ابن القيم) / 18
6.أخرجه بمعناه في لباس المسند 6/ 289، النسائي إيمان29، مسلم مسافرين 131
7.وحي القلم 2/ 9
8.الشواهد د. عزام /260