العنوان قوات شارون تحاصر عرفات وتخطط لإبعاد الشيخ ياسين
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر السبت 28-سبتمبر-2002
مشاهدات 54
نشر في العدد 1520
نشر في الصفحة 18
السبت 28-سبتمبر-2002
في عملية عسكرية إسرائيلية بدت وكأنها رد على عمليتي تل أبيب وأم الفحم الاستشهاديتين، شرعت قوات الاحتلال بتدمير مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات برام الله بغرض إحكام الطوق المفروض عليه منذ أكثر من ستة أشهر وعزله.
وقد بدأ أول فصول العملية التي سمتها إسرائيل «الحلاقة!»، باتهام الرئيس عرفات بالتقاعس التام عن القيام بمهماته المتمثلة بمنع العمليات الاستشهادية داخل الخط الأخضر بعد العملية التي نفذها أحد الاستشهاديين من كتائب القسام في شارع اللنبي وسط تل أبيب، عندما فجر نفسه داخل حافلة إسرائيلية، مما أسفر عن مقتل ستة إسرائيليين وجرح أكثر من ستين آخرين، جراح عدد منهم خطيرة.
وجاءت تلك العملية بعد يوم واحد فقط من عملية استشهادية أخرى قرب بلدة أم الفحم شمال فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م، وهي العملية التي لم يكتب لها النجاح، بعد أن اكتشفت الشرطة الإسرائيلية الشاب منفذ العملية، مما أضطره إلى تفجير نفسه قبل إلقاء القبض عليه، ولم يصب في العملية سوى ثلاثة إسرائيليين بجروح، وأعلنت سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي مسؤوليتها عن العملية.
واعتبرت كتائب القسام أن عمليتها في تل أبيب هي «الرد رقم ٣ من سلسلة الرد الطويلة التي توعدت بها كتائب عز الدين القسام بعد اغتيال قائدها العام الشيخ صلاح شحادة ومجزرة حي الدرج» في ٢٢ يوليو الماضي. وقالت الكتائب في بيان لها بعد العملية: إنها جاءت أيضًا «بعد اغتيال القائد الشيخ نصر جرار واعتقال قادة حركة المقاومة الإسلامية حماس في الضفة الغربية، لتؤكد أن حركة المقاومة الإسلامية حماس قد استعصت على البغاة»، وهددت الكتائب بأن «جرائم الاحتلال اليومية ترصد في أجندة كتائب القسام وأن الرد عليها آت بإذن الله».. كما أعلنت الكتائب تحفظها على إعلان اسم منفذ العملية لأسباب أمنية.
وكانت العملية رقم ٢ الاستشهادية لكتائب القسام قد تمت يوم ٤ أغسطس الماضي، عندما فجر فدائي نفسه داخل حافلة إسرائيلية في منطقة على الطريق بين مدينتي عكا وصفد شمال فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م، مما أسفر عن مقتل عشرة إسرائيليين وجرح 40 آخرين، أما العملية الأولى ردًا على اغتيال الشهيد شحادة فكانت يوم ٣١ يوليو الماضي عندما فجرت الكتائب قنبلة قوية داخل الجامعة العبرية في القدس الغربية، مما أدى إلى مقتل سبعة إسرائيليين وإصابة عشرات آخرين بجروح.
وخلال الفترة الماضية (نحو ستة أسابيع) التي أعقبت ذلك، لم يتم تنفيذ أي عملية استشهادية داخل الخط الأخضر لكن رد الاحتلال الصهيوني على ذلك الهدوء كان المزيد من جرائم الاغتيال والتصفية والاعتقال وهدم المنازل ووصل عدد الشهداء خلالها إلى ٨٥ فلسطينيًا، مما يعني أن إمعان قوات الاحتلال في التقتيل والفساد في المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية لم يكن سببه التصعيد من الجانب الفلسطيني، وإنما هي صفة متأصلة في الاحتلال ومشاريعه العدوانية.
وفي تعليق له على عملية تل أبيب قال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد قادة حماس في غزة: «إن عملية تل أبيب هي رسالة للصهاينة- الذين يدفعون ثمن الإرهاب الذي يقوم به قادتهم- بأن عليهم الرحيل حتى يوفروا دماءهم وإلا سيدفعون الثمن باهظًا، لأن فلسطين لها شعبها ولا يمكن أن نقبل بالبقاء الصهيوني على أرضنا، وإذا بقي الصهاينة والمجتمع الصهيوني يصفقون لشارون وقادته فإنهم سيدفعون ثمن ذلك من دمائهم.«
وحول قدرة المقاومة الفلسطينية على اختراق الحواجز الأمنية الإسرائيلية وتنفيذ عمليات استشهادية جديدة بعد فترة من التوقف قال الرنتيسي: إن المقاومة الإسلامية «من عادتها أن تتأقلم مع الأوضاع المستجدة، وخاصة بعد عمليات الاقتحام والاغتيال والتوغلات المستمرة وها هي تنطلق من جديد بعد أن تأقلمت مع الوضع القائم»، وأضاف الرنتيسي: «العدو الصهيوني لا يستطيع أن يفعل أكثر مما فعل، بينما المقاومة تستطيع الآن أن تواصل مسيرتها بأقوى مما كانت عليه».
من جانبها نددت السلطة الفلسطينية بعملية تل أبيب الأخيرة واعتبرتها «إرهابية!!».. ودعت السلطة المحاصرة في رام الله في بيان لها كافة فصائل المقاومة الفلسطينية إلى إعلان إدانتها لها، وعبرت قيادة السلطة عن إدانتها كافة العمليات التي تستهدف مدنيين سواء كانوا فلسطينيين أو «إسرائيليين» على حد تعبيرها.
وزعم بيان السلطة أنه «بالنسبة للشعب الفلسطيني فإن هذه العملية في تل أبيب ككل العمليات تتعارض كليًا مع مصلحتنا الوطنية، وتعطي رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون وحكومته وجيش الاحتلال الذرائع للقتل والقمع والاستيطان.
وأكدت السلطة أنها «حاولت العودة إلى اللقاءات السياسية والأمنية لكن حكومة إسرائيل تراهن على المتغيرات الدولية والإقليمية الجارية حاليًا لمحاولة تقويض السلام وضرب سلطتنا الوطنية وقطع الطريق على شعبنا ومنعه من إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وادعت السلطة أنها «تمكنت بجهود كبيرة من فرض الأمن سبعة أسابيع متتالية» على الرغم من أن حكومة شارون كانت تطالب بأسبوع أو أسبوعين كفترة اختبار حسب تفاهمات جورج تینت وتقرير ميتشل للانسحاب إلى ما كانوا فيه قبل ٢٨ سبتبمر ۲۰۰۰م.
وأكد البيان أن «يد السلطة لا تزال ممدودة من أجل سلام الشجعان، السلام العادل بين الشعبين والدولتين، السلام العادل والدائم والشامل في المنطقة: الأرض مقابل السلام، قاعدة مؤتمر مدريد للسلام، كما أعلنت أمتنا العربية في القمة العربية في بيروت.«
حصار عرفات مستمر
وعلى الرغم من تنديد السلطة بالعمليات الاستشهادية ومحاولاتها إثبات حسن نواياها تجاه ما يسمى بعملية السلام وإشارات التجاوب مع المطالب الأمريكية والإسرائيلية المزعومة بتحقيق الإصلاحات الداخلية والقضاء على الفساد إلا أن حكومة شارون- مدعومة بتأييد الإدارة الأمريكية لها في مواقفها- ظلت تصر على أن الرئيس عرفات هو العقبة الكبيرة أمام عملية السلام، مما يؤكد عزم وإصرار شارون على التنصل من كل الاتفاقات الموقعة مع السلطة رغم إجحافها وتناقضها مع أماني ومطالب الشعب الفلسطيني العادلة، ولذلك ليس غريبًا أن تدفع إسرائيل بضرورة تغيير الرئيس الفلسطيني كشرط مقابل انسحابها المزعوم من الضفة الغربية ووقف عملياتها العدوانية، لأنها تدرك عدم وجود بديل يكون مقبولًا لها والفلسطينيين في آن واحد، وبالتالي استمرار الاحتلال الصهيوني لأراضي الضفة وإيجاد المبرر لإلغاء اتفاق أوسلو وبقية الاتفاقات، وهو ما أعلنه شارون في أكثر من مناسبة.
وهكذا فإن الغرض من حصار عرفات الحالي وتشديد الخناق عليه في مقره برام الله هو إذلاله وتصفيته معنويًا ومن ثم إغلاق الطريق أمام أي حل يمكن أن يحفظ للسلطة كيانها ويساعد على بقائها بعد أن أصبحت هذه السلطة عبئًا على مخطط شارون التوسعي، ومن أجل التغطية على هذا الهدف تدعي قوات الاحتلال أنها ستواصل حصار الرئيس الفلسطيني وعزله حتى تسليمها المطلوبين الذين يحتمون داخل المقر، ومنهم مسؤولون أمنيون كبار كمدير المخابرات في الضفة الغربية توفيق الطيراوي وقائد قوات الـ ١٧ في رام الله محمد ضمرة الملقب «أبو عواد»، وأحد أعضاء القوة ١٧ ويدعى خالد شاويش، وتزعم قوات الاحتلال أن الثلاثة متورطون في التخطيط لعمليات تفجيرية، وإطلاق نار كثيرة.
وقد أعلنت حكومة شارون في البداية أنها تريد استسلام ۲۰ فلسطينيًا مطلوبًا لديها، ثم عادت وقالت: إن عدد المطلوبين ٥٠ شخصًا، لكن متحدثًا باسم جيش الاحتلال قال «سننهي الحصار بعد أن يخرج كل الموجودين داخل المقر واعتقال كل المطلوبين، وبعد ذلك سنقوم بهدم ما تبقى من مقر الرئاسة الفلسطينية».
وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن وزراء الحكومة الإسرائيلية المصغرة التي اجتمعت لبحث الرد على عملية تل أبيب ناقشوا في جلستهم احتمال طرد زعيم حركة المقاومة الإسلامية «حماس» الشيخ أحمد ياسين من قطاع غزة وحسب تقرير الصحيفة قدم الاقتراح من جانب أحد المسؤولين الأمنيين الذين شاركوا في الجلسة، وحظي بتأييد عدد من الوزراء. وأضاف التقرير أن بعض الوزراء اقترحوا طرد عرفات، إلا أن المعارضة الشديدة التي أبداها رؤساء الأجهزة الأمنية حالت دون مناقشة اقتراح من هذا القبيل! فقد أجمع كل من منسق العمليات في المناطق الفلسطينية ورئيس هيئة الأركان العامة ورئيس جهاز الأمن العام «الشاباك» على عدم الفائدة من طرد عرفات، لأنها ستؤدي حسب التقرير إلى «إلحاق الضرر بإسرائيل وإحياء التضامن العالمي مع عرفات».
لكن فكرة تضييق الحصار على عرفات وعزله حظيت بتأیید شامل من جانب الحكومة الأمنية، وكان التلفاز الإسرائيلي قد نسب إلى شارون في حديث خاص بعد عملية تل أبيب قوله «إنه يجب فرض السيطرة على المقاطعة وطرد عرفات، لكن مصادر أمنية إسرائيلية أكدت أن السيطرة على المقاطعة لا تهدف إلى طرد عرفات «لأنه على الرغم من رغبة شارون في فعل ذلك، فإن المعارضة الشديدة لوزير الدفاع بنيامين بن إليعازر، ووزير الخارجية شيمون بيريز، وكلاهما من حزب العمل، تحول دون إخراج هذه الفكرة إلى حيز التنفيذ».
آخر المشاهد من سيناريو حصار الرئيس عرفات!
محمود الخطيب
يكاد يكون المشهد في مبنى المقاطعة اليوم نسخة كربونية مما كان عليه أواخر شهر مارس الماضي لولا أن الخناق على الرئيس الفلسطيني يضيق اليوم أكثر وأكثر بعد أن أعملت الجرافات الصهيونية هدمًا وتدميرًا في مبنى تلو آخر، وإذا كان الإعلام العالمي سلط أضواءه على محنة الرئيس عرفات الماضية، فإنه اليوم أبعد ما يكون عن هذه القضية، وإذا كان القادة العرب تحركوا في المرة الماضية لنجدة الرئيس الفلسطيني و«حاولوا» ممارسة ضغط ما على الإدارة الأمريكية للتدخل، فإن العرب اليوم أبعد وأضعف ما يكونون عن تكرار التجربة وتلبية النداءات التي تتصاعد من بين أنقاض «المقاطعة» في رام الله.
منذ الحصار الأول لم يتغير شيء حتى يجد عرفات نفسه وحيدًا وحيدًا!!، وعلى الرغم من أنه معتاد على مثل هذه المآزق خلال سني عمره الطويل، فإن ثمة فرقًا كبيرًا بين صيحته خلال حصار بيروت عام ۱۹۸۲م، «يا وحدنا» وبين صيحته اليوم «يا وحدي»! في المرة الأولى كانت الأمة العربية والإسلامية وحتى أحرار العالم يقفون معه، ومع جنوده الأبطال المحاصرين، بقلوبهم على أقل تقدير، أما اليوم فلا أحد من هؤلاء عاد يكترث بعد انكشاف الطابق والتحول الدراماتيكي في سياسات الرئيس الفلسطيني التي أوقعته في متاهات أوسلو وما تلاها من تنازلات واعتراف بالغاصب الصهيوني.
العامل المشترك بين صيحة سبتمبر ۱۹۸۲م وسبتمبر ۲۰۰۲م أن الجلاد هو نفسه شارون لكن شارون اليوم ازداد شراسة وإرهابًا عما كان، ويستفيد من الظروف السياسية الإقليمية ومن انشغال العالم بتهديدات الرئيس الأمريكي بوش للعراق وبالحرب التي أعلنها على ما يسميه الإرهاب فالاثنان في نهاية المطاف يحاربان إرهابًا مصدره واحد، أو هكذا استطاع شارون أن يقنع بوش ولولا الموافقة الأمريكية على عزل الرئيس الفلسطيني والتخلص منه لما وقع هذا السيناريو اليوم، فعرفات محاصر اليوم ومعزول بقرار أمريكي على حد قول المحلل الإسرائيلي زئيف شيف الذي اعتبر أن كل الحلول السلمية والاجتماعات الأمنية التي تمت بين ممثلي السلطات الفلسطينية وحكومات شارون خلال الفترة الماضية والاتفاقات الورقية بينهما مثل «غزة- بيت لحم أولًا» كلها تبدو مشاريع «أكاديمية!»، في خضم الظروف الراهنة والتصعيد الحالي.
أثبتت محنة عرفات الحالية أن التنديد بالعمليات الاستشهادية ووصفها بالإرهابية وإطلاق يد أجهزة السلطة الأمنية التي أمعنت في قمع المجاهدين واعتقالهم وتسليمهم لقوات الاحتلال وتصفيتهم في بعض الأحيان لم ولن يجعل قلب شارون يرق على الرئيس الفلسطيني، فشارون لا يعرف أنصاف الحلول بعد أن رضي الآخر بأخماسها وأسداسها وبأقل من ذلك بكثير.
كل الاحتمالات حول مصير الرئيس عرفات قائمة: القتل أو النفي أو البقاء محاصرًا في غرفة لا تزيد مساحتها على بضعة أمتار، لكن ما هو واضح أن الرئيس عرفات لم يعد رئيسًا بعد أن كشف المجلس التشريعي الفلسطيني الغطاء عن الحكومة التي عينها عرفات، وهو ما اعتبر دليلًا على العزلة التي يلقاها من شعبه، ومن الواضح أيضًا أن السلطة الوطنية الفلسطينية أصبحت في خبر كان بعد أن جرفها البلدوزر شارون مع ما جرف من مباني المقاطعة، وبالنسبة للرئيس الفلسطيني قد يتكرر المشهد من جديد في رام الله أو في غزة، أو في أي مكان آخر إلا أن الصهاينة مصممون على تنفيذ مخططهم التوسعي حتى لو ظل الرئيس عرفات يعلن التزامه بما يسمى بعملية السلام ويندد بالعمليات «الإرهابية»، فالمرحلة الآن تجاوزت عرفات، وقبرت أوسلو وكل ما تبعها من اتفاقات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل