العنوان قوائم انتخابات تونس البرلمانية تؤكد تشرذم القوى
الكاتب عبدالباقي خليفة
تاريخ النشر الأربعاء 01-أكتوبر-2014
مشاهدات 73
نشر في العدد 2076
نشر في الصفحة 40
الأربعاء 01-أكتوبر-2014
ساد اعتقاد بأن المنظومة السابقة بصدد جمع صفوفها ودخولها الانتخابات بقوائم موحَّدة لكن هذا الاعتقاد كذبته مؤخراً القوائم النهائية للأحزاب المعروفة بانبثاقها عن "التجمع"
أسباب عدم الاتفاق بين قوى "الدساترة" هي الزعامة فكل من الباجي قايد السبسي وحامد القروي وكمال مرجان وكمال النابلي يعتقد كل طرف منهم أنه الأجدر بزعامة "الدساترة" ويدعو بقية الأطراف إلى الالتحاق به
قرار "الاتحاد العام التونسي للشغل" عدم المشاركة في الانتخابات باسم الاتحاد في قوائم نقابية يثير الكثير من التساؤلات حول الأسباب التي دفعت المنظمة العتيدة إلى عدم خوض الانتخابات
يخوض 15652 مرشحاً للانتخابات البرلمانية المقررة في 26 أكتوبر في تونس، ينتمون لـ192 حزباً سياسياً (910 قوائم) إلى جانب 472 قائمة مستقلة، والبقية تحالفات سياسية؛ وذلك للتنافس على 217 مقعداً من مقاعد "مجلس الشعب"، الاسم الجديد لـ"مجلس الأمة" قبل الثورة، و"المجلس التأسيسي" بعدها، إضافة لأكثر من 40 مرشحاً للانتخابات الرئاسية، لا ينتمي أي منهم لـ"حزب حركة النهضة"، التي ارتأت عدم خوض الانتخابات الرئاسية في هذه المرحلة التي ستحكمها التوافقات، وذلك وسط توقعات بأن تكون الأحزاب العشرة الأولى ممثلة في البرلمان بنسب متفاوتة مع تقدم لـ"النهضة".
وهذه الأحزاب والتحالفات تتقدمها "النهضة"، ولا يعرف من سيليها من إفرازات الصراع الداخلي بين أحزاب تشكلت من شظايا "التجمع" المنحل، ثم التحالفات اليسارية الثلاثة، "الاتحاد من أجل تونس"، رغم ترشح بعض مكوناته بشكل منفرد)، و"الجبهة الشعبية"، رغم انسحاب أكثر من 6 أحزاب منها، في حين لم يعد في "جبهة الإنقاذ" سوى حزب "ثوابت"، و"العبدولي"، و"الوفاق الجمهوري"، و"التيار القومي الديمقراطي"، وبقايا "الوحدوي".
وهناك الأحزاب الدستورية الثلاثة، نسبة لـ"الحزب الاشتراكي الدستوري" الذي حُلَّ في عهد المخلوع "بن علي"، والتي تمثل المنظومة القديمة، ومنها "نداء تونس"، رغم سيل الاستقالات الجماعية داخله، بل محاولات كسره قبل الانتخابات من قبل من شاركوا في تأسيسه أو دعموه بكل الوسائل، وحزب "المبادرة الوطنية"، رغم تفكك تحالفه الأخير واستقالة قيادات منه، و"الحركة الدستورية"، رغم انشقاق الودرني وتعدد الغاضبين عليه، وهناك أحزاب يمين الوسط كـ"آفاق"، وحزب الأمان" وغيرهما.
مفارقات دالة
عدد الأحزاب والقوائم الانتخابية في تونس فاقت حتى البلدان العريقة في التقاليد الانتخابية، ففي تونس (12 مليون نسمة)، هناك أكثر من 1500 قائمة حزبية ومستقلة وتحالف انتخابي، ولم يشفع للكثير من الأحزاب تقاربها الفكري، أو ما يسمونه بالنموذج المجتمعي، وأظهرت الوقائع أن الأولوية كانت ومازالت للمصلحة الذاتية أو الشخصية، تليها الأسرية، فالحزبية، وربما طغت الجهويات لدى بعض الأحزاب على الهم الوطني عموماً.
لقد ساد اعتقاد لوقت قريب أن المنظومة السابقة بصدد جمع صفوفها ودخولها الانتخابات بقائمات موحَّدة، لكن هذا الاعتقاد كذبته مؤخراً القوائم النهائية للأحزاب المعروفة بانبثاقها عن "التجمع"، وريث "الحزب الدستوري"، ولاسيما داخل التجمعات الكبرى للتجمعيين أو الدساترة، وهي حزب "نداء تونس"، وحزب "المبادرة"، و"الحركة الدستورية".
أسباب عدم الاتفاق معروفة للقاصي والداني؛ وهي الزعامة، فكل من الباجي قايد السبسي، وحامد القروي، وكمال مرجان، وأضيف إليهم كمال النابلي، يعتقد كل طرف منهم أنه الأجدر بزعامة الدساترة، ويدعو بقية الأطراف إلى الالتحاق به، ولقد وصل الخلاف داخل المنظومة السابقة إلى حد التهديد بالتصفية الجسدية، والتهديد بكشف أوراق خطيرة، وهذا ما أقر به الباجي قايد السبسي، في اجتماع شعبي قائلاً: "أنا مهدد بالموت"! واتهم جهات من داخل أجهزة الدولة الأمنية بالضلوع في قرار تصفيته، وكتبت بعض المواقع المقربة منه، تحذر من تصفية الباجي، وأنه ليس "بن مراد"، ولا "بن عمر" وهما محاميان قتلا في ظروف غامضة وبالسكتة القلبية، وهو ما يدل على تورط المنظومة السابقة في الاغتيالات التي شهدتها تونس، حيث اتهم قيادي مؤسس لـ"نداء تونس"، صاحب جريدة "المغرب"، عمر صحابو، اتهم "النداء" باغتيال المحامي شكري بلعيد، اليساري المعروف في بداية عام 2013م.
لعبة الاتحاد
يحق لـ"الاتحاد العام التونسي للشغل" أن يرشح من شاء للانتخابات المقررة في 26 أكتوبر 2014م، لكنه لم يفعل، رغم ما قام به في الفترة السابقة من حراك نقابي، متهماً الحكومات بالقصور، وبأنه يملك تصورات للخروج بالبلاد مما تردت فيه من ضعف اقتصادي، قرار "الاتحاد العام التونسي للشغل" عدم المشاركة في الانتخابات باسم الاتحاد في قوائم نقابية، يثير الكثير من التساؤلات حول الأسباب التي دفعت المنظمة العتيدة إلى عدم خوض الانتخابات.
وبات واضحاً أن الاتحاد اختار طريقه؛ وهو استمراره في ممارسة الدور الذي مارسه بعد 14 يناير، ولاسيما بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011م؛ وهو تنغيص الوضع العام، والذي ساهم فيه بـ42 ألف إضراب، منها إضرابان عامّان، وهي نسبة تفوق عدد الإضرابات في أكثر من 60 عاماً عقب الاستقلال، والرقم الأكبر عالمياً، وهو ما ساهم في ضعضعة الاقتصاد التونسي الهش بطبعه.
لقد امتنع الاتحاد عن المشاركة في الانتخابات؛ خشية انكشاف حجمه الحقيقي في الشارع، وسقوط هيبته، فهو وإن كان يمثل العمل والموظفين في المجال النقابي، فإن أغلبية العمال والموظفين ليسوا معه في المجال السياسي، وهو ما يدركه جيداً؛ ولذلك أحجم عن خوض الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
لعبة الإرهاب
يراهن كثيرون على العنف لمنع إجراء الانتخابات، لاسيما أولئك الذين دعوا لتأجيلها ويمنون النفس بذلك حتى الآن، وبأي طريقة كانت، والحديث عن محاولة اغتيال نائب منشق عن "نداء تونس"، وتقدم بقائمة مستقلة في القصرين (الشمال الغربي على الحدود التونسية الجزائرية)، تكشف هذه الرغبة التي يذيل بها البعض أطروحاتهم عند الحديث عن الانتخابات "فيما لو تمت"، كما يقولون.
ويمثل الإرهاب رافعة رئيسة للكثير من الأطراف الساعية لتأجيل الانتخابات، والأمر الذي يطرح السؤال المفصلي: ما علاقة هذه الأطراف التي تسلط مراوحها على شرارات الإرهاب بالإرهاب؟ بل إن أطرافاً تتحدث عن عمليات إرهابية في الأفق، ثم تقع تلك العمليات بالفعل! وهناك أطراف تصلها معلومات دقيقة عن عمليات إرهابية ثم تغض عنها الطرف؛ للتخلص من جهات أخرى تريد إزاحتها عن السلطة، أو مواقع القيادة، وقد نجحت في ذلك في أكثر من مناسبة، كاستقالة الجنرال الحامدي من رئاسة هيئة أركان جيوش البر.
الغريب أن اعتقالات عشوائية تقع لمواطنين على خلفية الانتماء الإرهابي، ويتم عرضهم على شاشات التلفزيون كإرهابيين، ثم يطلق سراحهم كأبرياء.
إغلاق محطات إذاعية، وجمعيات، على أساس دعمها للإرهاب، ثم يتبين أن تلك الإجراءات لم تُبْنَ على معلومات بقدر ما هي شكوك تفتقد للأدلة الدامغة.
النموذج اللبناني السياسي
يرى أغلب السياسيين في تونس أن الحكم التوافقي ضرورة وإكراه دولي، لن يُقصى منه إلا من أقصى نفسه واختار المعارضة طوعاً، أو من لم ينجح من بعض الأحزاب الصغيرة التي لا تملك أي تمثيلية تذكر، وهي عملياً الأحزاب التي اختارت البقاء وحيدة خارج الاندماج في الأحزاب الكبرى والجبهات والتحالفات.
وعملياً ستكون المغالبة بين أحزاب القطيعة مع الماضي الاستبدادي في تونس، والأحزاب التي تُتهم أنها تمثل المنظومة القديمة، على نوعية محور أو محاور التوافق؛ أي على ورقة أرضية الحكم المشترك، وقد تقسم السلطة بين القوى الثلاث الكبرى التي ستفرزها الانتخابات، و"النهضة" في المقدمة، ويحل التوجه السياسي محل الطائفي في لبنان، فتكون الرئاسة من نصيب طرف، ورئاسة الوزراء من نصيب طرف ثانٍ، ورئاسة مجلس الشعب من نصيب طرف ثالث.