; قمة إيبك بدون قرارات والسبب: مشكلة ماليزيا وإندونيسيا ودبلوماسية «الطنطنة» الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان قمة إيبك بدون قرارات والسبب: مشكلة ماليزيا وإندونيسيا ودبلوماسية «الطنطنة» الأمريكية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1998

مشاهدات 56

نشر في العدد 1328

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 01-ديسمبر-1998

  • لم يحصل أي طرف من القمة على ما يريد أمريكا خرجت بلا ضرر والخاسر الأكبر الدول الآسيوية المأزومة.

اختتمت أعمال القمة الرئاسية الاقتصادية السادسة لمنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي «إيبك» يوم الثامن عشر من نوفمبر في العاصمة الماليزية كوالالمبور بحضور ممثلين عن الدول الـ ٢١ الأعضاء، نتيجة أساسية وهي أن الاجتماع أكد سمعة المنتدى بأنه لقاء للحديث بدون اتخاذ قرارات ملموسة، إذ خرجت القمة بدون نتائج مهمة، ولم يحصل أي طرف على ما يريد سواء أمريكا أو اليابان أو الدول النامية.

فرايد بيرجستون مدير معهد الدراسات الاقتصادية الدولية في واشنطن، وصف نتائج القمة بأنها مثيرة للتشاؤم وهو الذي كان أحد الداعين لفكرة إيبك قبل عشر سنوات، عندما بدأت باثني عشر عضوًا فقط، اجتمعوا بشكل غير رسمي. 

قمة إيبك أو منتدى إيبك ليس الوحيد الذي يواجه أزمة في حل ما يواجهه من قضايا، وبخاصة الأزمة المالية الأسيوية أزمة النظام الاقتصادي العالمي، لكنها الوحيدة التي تضم الدول المطلة على المحيط الهادي من غربه وشرقه. 

ومازاد قلق الدول على مستقبل هذا المنتدى أنه يجمع اقتصادات الباسيفيك لا حكوماتها، وبمعنى آخر لا يعنى بالقضايا السياسية، بل إنه أسس لأهداف اقتصادية، ولكن ما حصل في قمة كوالالمبور من مواجهة كلامية بين نائب الرئيس الأمريكي آل جور والمسؤولين الماليزيين والآسيويين أخرج القمة من مهمتها الحقيقية.

يقول بيرجستون: «لقد فشلت إيبك في مواجهة التحدي وستتزايد ضرورة تحرك المنتدى لحل الأزمات المالية خلال العامين القادمين».

البيئة التي عقدت فيها القمة كانت عاملًا مؤثرًا في نتائجها، فماليزيا إلى جانب الدول الآسيوية الأخرى تعاني من أزمة مالية شديدة.

وفي إندونيسيا المظاهرات مشتعلة بل حتى في عاصمة القمة كوالالمبور خرجت مظاهرات مع صغر حجمها، لكنها لفتت الانتباه، وهناك حضور قضية أنور إبراهيم في وسائل الإعلام وفي أحاديث بعض المسؤولين، بل ازداد تأثيره إعلاميًا عندما نشرت له مقالة عن «المهمة الحقيقية لإيبك»، وبدت كأنها كلمة يلقيها على الحاضرين من سجنه في يوم اختتام القمة.

الصراع السياسي الداخلي أصبح له بعد عالمي ظهر خلاله القمة وذلك بقانون التحكم بالعملة، وإلغاء تداول الرنجكت الماليزي خارج ماليزيا، وهذه قضية نوقشت في القمة ثم «دولت» قضية أنور بلقاء أولبرايت بزوجته وان عزيزة، وكذلك جوزيف استرادا رئيس الفلبين، ثم بكلمة ال جور التي عبر فيها عن دعمه لقوى الإصلاح الماليزية.

وكان مهاتير قد قال أكثر من مرة: إن القمة منتدى اقتصادي، وطالب بعقد قمة سياسية أخرى للحديث في القضايا السياسية، لذلك تعتبر إثارة الوفد الأمريكي للقضايا السياسية في القمة الأثر في إفشال مهمتها والخاسر الأكبر في عدم الحصول على ثمرة منها هي الدول الآسيوية المأزومة، وبالمقابل خرجت أمريكا دون أي ضرر. 

ملاحظات على البيان

في بيان الرؤساء كانت هناك عدة قضايا مهمة ومثيرة للجدل، فلقد نادى البيان بإصلاح في النظام المالي العالمي وهو مطلب ماليزي، لكن بدون تحديد خطوات ملموسة كافية.

ومقابل ذلك، حولت المهمة إلى قمة الـ ٢٢ التي تضم الدول السبع الكبار، ودول الـ ١٥ النامية. 

أما عن تحرير التجارة فلم يستطع الوزراء المجتمعون حلها تمامًا، بل حولت هيا الأخرى إلى منظمة التجارة الدولية، إذ ستأخذ عامًا أو عامين من المفاوضات. 

وأما ما يتعلق بالأزمة الآسيوية، فقد أعلن برنامج أمريكي - ياباني بمقدار ۱۰ مليارات دولار للإصلاح، والاستثمار المالي في المنطقة لكن البرنامج لن يكون كافيًا حسب تقديرات المحللين ولن يعفي الدول من ديونها، بل إن مسؤولًا في إدارة كلينتون وصف الخطة بـ «المتواضعة جدًا» التي هي جزء من برنامج ياباني لإعانة آسيا قدره 30 مليار دولار وتسمى بمنطقة ميازوا اليابانية. 

ويبدو أن هدف إيبك الداعي إلى تحرير التجارة بين الدول الأعضاء مع حلول عام ٢٠١٠م للدول الصناعية، وعام ۲۰۲۰م للنامية منها هو تيسير الأعضاء ببطء شديد نحو الوصول إليه، فحتى اليابان عارضت رفع التعرفات الجمركية على السلع البحرية والأخشاب وسلع أخرى، وهو موقف هاجمته الولايات المتحدة بشدة. 

ومازاد الوضع سوءًا عدم اتخاذ أي خطوة ملموسة لحل الأزمة المالية في آسيا سوى ترديد الحاضرين «ثقتهم في اقتصادات آسيا، وبينما وصف كلينتون الأزمة في قمة كندا العام الماضي بأنها «حجر عثرة في الطريق» تبدو اليوم وكأنها جدار أغلق الطريق ويطرح عدم حصول أي طرف على ما يريد تساؤلًا حول تشكيلة المنتدى، بل ويشير إلى أنه ليس كل تكتل يمكن أن ينجح لمجرد وجود هدف واحد في مجال واحد كالاقتصاد الحر مثلًا.

الدول الأعضاء في المنتدى وقبل كل شيء غير متجانسة في كثير من الجوانب، فاقتصاديًا بعضها صناعي وبعضها نام وسياسيًا تتفاوت من الديمقراطية إلى الديمقراطية الموجهة إلى السلطوية... إلخ.

ومستوى التنمية التعليمية والاجتماعية مختلف وليس هناك رابطة واحدة تجمع هذه الدول سوى أنها تطل على المحيط الهادي وهي رابطة لم تكن عاملًا في تحريك المنتدى منذ عام ١٩٨٩م.

وما اتفق عليه الرؤساء في العام الماضي في فانكوفر حول تعجيل رفع القيود التجارية بين الدول لم يلق أي تنفيذ.

وكان الدكتور مهاتير محمد المضيف للقمة الحالية يطمح إلى إقرار قوانين تحد من الأخطار التي يسببها المضاربون على العملات ولم يحصل على ذلك.

تحرير التجارة

التجار والمسؤولون التجاريون الحاضرون طالبوا بتعجيل تحرير التجارة، ولم يتحقق لهم ذلك. 

الولايات المتحدة فشلت في إقناع اليابان برفع جميع القيود التجارية على بعض السلع كما لم يتفق المجتمعون على خطة لإصلاح النظام الاقتصادي العالمي، ولعل أهم ما نتج عن القمة هو الإفصاح عن نقاط الضعف في هيكل هذا المنتدى.

ويمكن تأكيد ما قلناه من خلال استقراء أهم نقاط البيان الختامي: «السعي في إيجاد استراتيجيات لتحفيز النمو، تقوية شبكات التأمين الاجتماعي، وتوليد فرص عمل جديدة من خلال برامج إعانة دولية، إعادة الأهمية للقطاع الخاص من خلال توفير رؤوس الأموال لمؤسساته المالية مواجهة ديون الشركات المساعدة في تقوية هيكلة النظام العالمي المالي إعادة تأكيد تعهدات الأعضاء بضرورة تحرير التجارة ونظام اقتصاد السوق المفتوحة دراسة إمكان تقنين متشدد للمؤسسات المالية في الدول الصناعية من أجل تدفق أكثر أمنًا لرؤوس الأموال للدول النامية»، وكلها تعهدات عامة مكررة.

مازال البعض يمتدح إيبك ويعتبر قراراتها في كوالالمبور خطوة نحو تحقيق الأهداف ومن ذلك اعتبار تحويل قضايا تحرير التجارة إلى منظمة التجارة الدولية خطوة نحو توسيع دائرة الهدف ليكون عالميًا مع اعتبار اليابان للمنظمة أنها الأكثر قدرة على «إرغام» الأعضاء على الالتزام بالقرارات كما يعتبر «المادحون» ما ذكر في البيان عن اتفاق القادة على ضرورة تقنين النظام المالي العالمي وإصلاحه خطوة نحو وضع خطوات ملموسة في العام القادم في القمة السابعة التي ستعقد في نيوزيلندا، وكذلك في اجتماع الدول الـ ٢٢.

وقد علل الدكتور مهاتير تحويل القضية المنظمات دولية أخرى بأن إيبك غير قادرة على فرض حلول لأزمة النظام العالمي على دول العالم، بل لا تمثل سوى ۲۱ دولة منه لكن الناقدين لإيبك يقولون إن أزمة شرق آسيا قضية إقليمية تهم أيبك، ومع ذلك فإن المنظمة لم توفر حلًا عمليًا لها. 

يرى المادحون لإيبك أن الدول الأعضاء قـد اتفقت على ٢٥ من مجموع ٢٧ إجراء يخص «برنامج تحرير القطاع التجاري الطوعي المبكر» «إيفسل» وسيحول البرنامج إلى منظمة التجارة العام القادم، ويعتبرون ذلك خطوة ناجحة بالإضافة إلى البيان الذي أشار إلى ضرورة إصلاح ما نتج عن الأزمة من آثار اجتماعية والاستقرار المالي بتقوية هيكلة النظام المالي العالمي، وطرح البيان للمناقشة قضايا عديدة كالنمو، ومضاربي العملات وإعادة هيكلة القطاعين المالي والتجاري.

بعض الصحفيين الذين غطوا القمة اعتقدوا أن معظم الرؤساء رجعوا إلى ديارهم وهم قانعون بما نتج عن القمة من توصيات.

كما اعتبر مهاتير الاجتماع ناجحًا وبخاصة أن ما دعا إليه قد ذكر في البيان مع عدم وجود خطوات ملموسة ذكرت فيه.

مسؤول ياباني وصف القمة بأنها «بالغة الأهمية»، كما عبرت الصين عن ذلك معللة موقفها بأنها أول قمة باسفيكية من نوعها تجمع بين دول شرق الهادي وغربه.

ولعل أهم عامل في عدم توقف القمة بعد حديث آل جور الداعم للمعارضة الماليزية هو أن مهاتير تفادی مواجهته وترك هذه المهمة لوزرائه وشخصيات ماليزية أخرى ولو أن مهاتير دخل في مواجهة كلامية مع جور، لكان لذلك أثر كبير على القمة بالحكم عليها بالفشل التام، بل وعلى العلاقات الأمريكية - الماليزية التي يبدو أنها لن تتأثر بتصريحات ال جور.

كما كان في إيبك حدث مهم آخر لكنه لم يلق اهتمامًا هو انضمام روسيا وبيرو وفيتنام للمنتدى.

رئيسة وزراء نيوزلندا جيمني شيجلي وصفت القمة بأنها حققت تقدمًا نحو تحقيق أهدافها بالرغم من القضايا السياسية الاقتصادية التي شقت صف الرؤساء في مواقفهم. 

وبالرغم من «دبلوماسية الطنطنة» التي أبرزها ال جور فإن أحزاب المعارضة الأسترالية من جانب آخر حملت رئيس وزراء بلدها مسؤولية أي تدهور في الاقتصاد الاسترالي ذي العلاقة بدول إيبك واعتبروا أداءه في القمة «ضعيفًا».

أما رفيدة عزيزة وزيرة التجارة الدولية والصناعة الماليزية، فقد قالت: إن القمة انجزت جزءًا من أهدافها فقط.

الناقدون للقمة

الناقدون لما جاءت به القمة من نتائج يرون أنها لم تكن إلا وقفة عابرة وعاجلة في محطة الأزمة المالية الأسيوية، وأزمة النظام الاقتصادي العالمي فالتجار من دول المحيط الهادي وصفوا استجابة القمة للأزمة بأنه لم يكن كافيًا، إذ إن ١٥٠٠ شخصية تجارية واستثمارية كانت تحضر اجتماعًا موازيًا للقمة نظمه «أباك» أو المجلس الاستشاري التجاري لمنتدى إيبك.

تاج الدين ملي رئيس المجلس لهذا العام طالب الرؤساء باتخاذ خطوة ملموسة لتخفيف وطأة الأزمة على شعوب وتجار المنطقة بإعادة النمو إلى مجراه بعد أن بدأت الخسائر «البشرية» للأزمة تتفاقم. 

كما طالب المجلس الدول بإعداد خطط تفصيلية لكل دولة عن كيفية تحقيق كل منها هدف تحرير التجارة مع حلول عام ٢٠١٠م، أو ۲۰۲۰م، أما صحيفة «النيوز سترايتس تايمز» السنغافورية فقد حملت الولايات المتحدة واليابان مسؤولية فشل إيبك في الاتفاق على خطة لحل أزمة شرق آسيا المالية.

وقالت الصحيفة المؤيدة للحكومة إن المنطقة لن تتعافى ما لم تتعاون أمريكا واليابان في سبيل ذلك وقالت: إن اليابان لديها المال، لكنها بدون إرادة والولايات المتحدة لديها الإرادة ولكنها بدون مال ومع أن اليابان أبدت «كرمها» على حد قول الصحيفة في معاونة جيرانها، لكنها مازالت مترددة في اتخاذ خطوات ريادية.

ولعل إيبك كانت ومازالت تطمح إلى أن تكون مؤثرة في الساحة الدولية، لكن هذا مازال هدفًا ولم يتحقق بعد مرور ۱۰ سنوات من التأسيس لأنه هدف خارج عن قدراتها، فبرنامجها لتحرير التجارة بفعل الأزمة المالية أصبح في خطر، ثم إن استعداد الدول للتعاون لم يكن واضحًا تمامًا لدعم خطة مبكرة وشاملة لإنقاذ اقتصادات آسيا، ومنع حدوث تراجع في قمة الاقتصاد العالمي المتوقع.

الرابط المختصر :