العنوان قمة «واي بلانتيشن» تدفع عرفات نحو الحرب الأهلية مع الشعب الفلسطيني
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
مشاهدات 52
نشر في العدد 1323
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
سواء نجحت قمه «واي بلانتيشن» أو فشلت فإن النتيجة واحدة وهي: بقاء مأساة الشعب الفلسطيني على حالها، وإدخال الصيحة إلى نفق مظلم، وطوال فترة انعقاد القمة تطايرت تصريحات وخرجت تكهنات، إلا أن شيئًا محددًا لم يصدر عن القمة حتى كتابة هذه السطور مساء الأربعاء ٢١ من أكتوبر الجاري، لكن أحداثًا جديرة بالتأمل والتحليل جرت داخل القمة، كما أن أحداثًا مهمة جرت قبلها داخل فلسطين، حيث بدأت السُلطة الفلسطينية تحركاتها بالتنسيق مع مخابرات الكيان الصهيوني لشن حرب شاملة ضد «حماس» وسط حملة من البيانات الكاذبة المدسوسة عليها. والقمة الأخيرة ليست هي الأولى من نوعها، فقد سبقتها قمم عديدة في كامب ديفيد، ومدريد، وأوسلو، جرت في مناطق منعزلة أشبه بالسجون، وسط ضغوط وفي أجواء مخيفة يرويها عدد من أولئك المسؤولين الذين شاركوا فيها، وهو ما يقرّب القارئ كثيرًا إلى إجواء «واي بلانتيشن» لتصور ما جرى فيها..
وإلى تفاصيل الملف..
● مسؤولو المخابرات الأمريكية في القمة لدراسة مشروع متكامل يبدأ بتصفية حماس والجهاد.. وينتهي بتأميم المساجد وخطب الجمعة ولجان الزكاة
- هل يحصل عرفات على موافقة بإعادة الانتشار والإفراج عن السجناء الفلسطينيين؟
حتى ساعة كتابة هذا التقرير تتواصل اجتماعات قمة «واي بلانتيشن» في ولاية ميريلاند الأمريكية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس السُلطة الفلسطينية ياسر عرفات، والتي بدأت يوم الخميس 15 من أكتوبر برعاية مباشرة من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، ويسود الأوساط السياسية تفاؤل حذر بإمكان التوصل إلى اتفاق بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، حيث يحاول رئيس وزراء العدو الصهيوني فرض شروطه الأمنية على الوفد الفلسطيني وتسخير لقاء القمة لمناقشة قضية أمن الدولة اليهودية فيما يريد الطرف الفلسطيني اتفاقًا شاملًا، يناقش مسألة الأمن المتبادل، إضافة إلى موضوع التزام إسرائيل بتنفيذ بنود اتفاق أوسلو، خصوصًا إعادة انتشار قوات الاحتلال الصهيوني في الضفة الغربية.
وتشير التقارير السياسية إلى إمكانية أن يتوصل الجانبان إلى اتفاق جزئي لإنقاذ ما يسمى بعملية السلام، ومن شأن ذلك أيضًا تعزيز موقف الرئيس الأمريكي الداخلي بعد سلسلة الفضائح التي هددت -ومازالت- مستقبله السياسي، وهو ما بدا واضحًا من خلال إصرار الرئيس كلينتون على التدخل المباشر والشخصي أكثر من مرة لدفع المفاوضات بين نتنياهو وعرفات إلى الأمام، ومن الواضح أن الرئيس الأمريكي الذي دفع بكل طاقم البيت الأبيض -ونائبه آل جور على وجه الخصوص- للتواجد في مكان انعقاد القمة لم يكن ليسمح لتلك المفاوضات بأن تنتهي دون التوصل إلى اتفاق ينقذ سمعة الرئيس الأمريكي المتهاوية، ويعزز موقف آل جور المرشح القادم لخلافة كلينتون عن الحزب الديمقراطي، وقد دفع هذا الحرص الأمريكي على إنجاح المفاوضات الرئيس كلينتون إلى إعلان تمديد فترة القمة وإلى الضغط على الوفد الإسرائيلي لعقد اجتماعات يوم السبت وهو يوم عطلة يهودية لا يجوز فيه العمل وِفق الديانة اليهودية.
ولم يعكر صفو المفاوضات الجارية في ميريلاند إلا العملية البطولية التي نفذها شاب فلسطيني صباح يوم الإثنين في محطة للباصات في مدينة بئر السبع الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨م والتي جرح فيها أكثر من ٦٠ إسرائيليَا منهم حوالي ٢٠ من الجنود.
إن أدق وصف يمكن إطلاقه على المفاوضات الجارية في واي بلانتيشن أنها قمة الأمن الإسرائيلي، فرئيس وزراء العدو نتنياهو ووزير خارجيته الإرهابي شارون يصران على ضرورة أن تقوم السُلطة الفلسطينية بالمزيد من الإجراءات القمعية لمكافحة ما يسمى بالإرهاب الفلسطيني، وخصوصًا ضد حركة حماس من خلال حملة شاملة لتدمير بُناها التحتية والفوقية، وبدا أن هذا الموقف الإسرائيلي كان مدعومًا من الجانب الأمريكي، حيث طالبت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت الرئيس الفلسطيني عرفات بأن «يبذل جهوده 100% للحد من الهجمات ضد إسرائيل». وأشارت أولبرايت إلى أن حكومتها تعمل مع إسرائيل لتنفيذ عملية متوازية تشمل إجراءات أمنية فلسطينية تقوم بها السُلطة الفلسطينية ضد «الإرهاب» وتتزامن مع إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وأعلنت الوزيرة الأمريكية أن موضوع الأمن أهم ركن من أركان الاتفاق المتوقع تحقيقه.
وقد تواجد في واي بلانتيشن مسؤولو المخابرات المركزية الأمريكية، حيث تشير المعلومات المتسربة من الاجتماعات إلى أنهم قدموا مشروعًا متكاملًا لتنفيذ اتفاق التفاهم الأمني الموقع بين الحكومة الإسرائيلية والسُلطة الفلسطينية في ١٧ من ديسمبر الماضي، وهو الاتفاق الذي تم برعاية الـ «سي. أي. إيه» وبموجب هذا المشروع الجديد سيتعين على أجهزة أمن السُلطة الفلسطينية تفكيك البنى التحتية والفوقية للمنظمات الفلسطينية المعارضة لاتفاق أوسلو تحت إشراف فريق أمني أمريكي للتأكد من جدية السُلطة الفلسطينية في محاربة ما يسمونه «الإرهاب». وتشير الأنباء نفسها إلى أن اتفاق التفاهم الأمني الثلاثي يتضمن حوالي خمسين بندًا تبدأ من محاربة الخلايا المسلحة الفلسطينية وتنتهي بالتدخل في أنشطة المساجد وخُطب الجمعة ولجان الزكاة (!).
ولا توجد مؤشرات كبيرة على صلابة الموقف الفلسطيني من هذا المطلب الإسرائيلي - الأمريكي السافِر الذي من شأنه أن يجعل أجهزة أمن السُلطة مجرد أدوات لخدمة الأمن الصهيوني، وهو ما برز في أكثر من مناسبة وحادث، إلا أن أجهزة السُلطة الفلسطينية تحاول حماية سمعتها من خلال مطالبة الحكومة الإسرائيلية بمحاربة الجماعات اليهودية المتطرفة وحظرها قانونيًا، وسحب أسلحتها، وتسليم الإرهابيين اليهود إلى السُلطة الفلسطينية على غرار ما تفعله هي بالمعتقلين الفلسطينيين.
وقد سبق مفاوضات وأي بلانتيشن عدة اجتماعات بين مسؤولي الأمن والجيش الإسرائيلي من جهة وقادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية من جهة أخرى لتسوية هذا الموضوع العالق وحفظ ماء وجه السُلطة أمام شعبها، وكان آخر اجتماع في هذا المجال اللقاء الذي تم قبل يومين من قمة ميريلاند بين رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال شاؤول موفاز، ورئيس الشين بيت عامي أيالون من جهة، وقادة أجهزة الأمن الفلسطينية أمين الهندي «المخابرات العامة»، والعقيد جبريل الرجوب «الأمن الوقائي - الضفة»، والعقيد محمد دحلان «الأمن الوقائي - غزة»، وتوفيق الطيراوي «مخابرات الضفة الغربية» بعد ورود أنباء عن احتمال تنفيذ كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس عمليات عسكرية لإفشال لقاء نتنياهو - عرفات في ميريلاند.
وحسب المعلومات التي رشحت عن ذلك اللقاء الأمني الفلسطيني - الإسرائيلي فقد وضع الجانب الإسرائيلي مسؤولي الأمن الفلسطينيين في صورة العمليات العسكرية التي نفذتها حركة حماس خلال الشهرين الماضيين، والتي مثلت تغييرًا في تكتيكها العسكري من حيث تنفيذ هجمات بالقنابل واستخدام التفجيرات الموقوتة في تل أبيب والقدس وتصفية قطعان من المستوطنين وجنود العدو في الخليل، إضافة إلى إشعال عشرات الحرائق في شمال فلسطين المحتلة دون أن تعلن عن ذلك رسميًا.
وتعتقد مصادر حركة حماس أن السُلطة الفلسطينية سوف تذعن آخر الأمر للمطلب الإسرائيلي - الأمريكي وتوافق على تنفيذ بنود الاتفاق الأمني.
إذ يربط الجانب الإسرائيلي في القمة إعادة نشر قواته في 13% من أراضي الضفة بمسألة أمن إسرائيل كما أوضحنا، والحقيقة التي ربما تكون غائبة عن أذهان الكثيرين هي أن الاتفاق الذي طرحته الإدارة الأمريكية ووافقت عليه السُلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية من حيث المبدأ لا يضيف شيئًا إلى الأراضي التي يفترض أن تكون تحت السيطرة الكاملة للسُلطة، فنسبة الـ 13% المحددة كمرحلة ثانية لإعادة انتشار القوات الصهيونية والتي وافقت عليها قيادة عرفات تتوزع كالآتي:
- 1% فقط من أراضي الضفة تنتقل من منطقة (ج) الخاضعة حاليًا للسيطرة الإسرائيلية المطلقة إلى المنطقة (أ) الخاضعة -نظريًا- لسُلطة الحكم الذاتي المحدود، ولا تشمل هذه المنطقة في الوقت الحالي سوى مدن الضفة الغربية التي تشكل حوالي 3% من مساحة الضفة، إذا ما اعتبرنا منطقة القدس المحتلة ضمن الضفة الغربية وهي كذلك، أو حوالي 7% حسب الرقم الإسرائيلي الذي يستثني القدس المحتلة من مساحة الضفة.
- 9% من أراضي الضفة تنتقل من منطقة (ج) إلى منطقة (ب) وهي المنطقة التي تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية والإدارة المدنية الفلسطينية «مشتركة».
- 3% محميات طبيعية تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة لكن يحظر إقامة أي بناء فيها، وكان الحكم العسكري الإسرائيلي أول من استخدم مصطلح المحميات الطبيعية لوضع يده على أراض لا تسمح الظروف بإقامة مستوطنات عليها في حينه، فيقوم بمنع أصحابها من دخولها أو إقامة البناء عليها تحت حجج إقامة الغابات عليها أو إقامة معسكرات للجيش أو مراكز تدريب عسكري، وعندما تهيأ الظروف لتمليكها للمستوطنين يعلن الجيش الإسرائيلي رفع قيوده عنها، والمحمية الطبيعية التي يدور الحديث عنها الآن يفترض أن تقع بين البحر الميت ومنطقة عين جدي إلى الغرب منه، وهي التي وردت في نَص مسودة الاتفاق بين إسحاق مولخو -مستشار نتنياهو- وبين أحمد فريع -رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني- برعاية المبعوث الأمريكي دينيس روس والتي رفضتها السًلطة باعتبارها تتعارض مع اتفاق أوسلو الذي لا يعطي إسرائيل سيطرة أمنية على المحميات الطبيعية إلا في حالة تعرض الأمن الإسرائيلي للخطر أو لمكافحة «الإرهاب»، وقد تسبب هذا الرفض الفلسطيني في إفشال مهمة روس، كما أن وزير الخارجية الإسرائيلي شارون يرفض تحديد المحمية في هذه المنطقة، حيث يعتبر أن وصول الفلسطينيين إلى البحر الميت سيعرض أمن إسرائيل للخطر ويسمح لهم بالاتصال مع الأردن والسيطرة على الجبال المُطلة على خور الأردن، ولذلك تقترح الحكومة الإسرائيلية الآن توزيع مساحة المحمية الطبيعية إلى عدة مناطق في شمال الضفة الغربية ومنطقة الصحراء جنوبي الخليل.
ويريد عرفات من قمة ميريلاند اتفاقًا شاملًا يتم فيه تحديد موعد آخر لإعادة انتشار ثالث قبل الرابع من مايو القادم، وهو الموعد الذي تنتهي فيه الفترة الانتقالية التي حُددت بخمس سنوات من تاريخ توقيع اتفاق القاهرة أو «أوسلو 2»، كما يريد عرفات -حسب مصادر فلسطينية- مناقشة مصير المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية الذين يبلغ عندهم أكثر من ثلاثة آلاف معظمهم ينتمون لحركة حماس الرافضة اتفاق أوسلو، وتطالب السُلطة بفتح مطار غزة وإقامة ممر آمن بين الضفة وغزة، وكذلك إقامة منطقة صناعية فلسطينية.
ومقابل ذلك تصر إسرائيل على ضرورة تحقيق الأمن الإسرائيلي الكامل وعلى أن يجتمع المجلس الوطني الفلسطيني لإلغاء البند الذي ينُص على تدمير إسرائيل، كما تطالب بتمديد الفترة الانتقالية إلى ما بعد يوم 4 من مايو ١٩٩٩م وهي الفترة التي يجب أن تنهي فيها إسرائيل تنفيذ اتفاق أوسلو.
وأشارت تقارير صحفية إلى أن الرئيس الأمريكي كلينتون قدّم لعرفات اتفاقًا جزئيًا في وقت متأخر من مساء يوم الأحد قبل الماضي قال: إن رئيس الوزراء الإسرائيلي وافق عليه، لكن عرفات -كما تقول التقارير- طلب من كلينتون البحث عن أكثر من ذلك الاتفاق، ويشمل الاتفاق الجزئي الذي وافق عليه نتنياهو إعادة الانتشار في الـ 13% من مساحة الضفة، واتفاقًا على المسائل الأمنية واتفاقًا على إقامة المطار والممر الآمن للفلسطينيين، إضافة إلى إطلاق سراح عدد محدود من المعتقلين الفلسطينيين، ولا يشمل هذا الاتفاق الجزئي نقطتين رئيستين يريدهما عرفات -كما تقول مصادر فلسطينية- وهما تحديد المرحلة الثالثة من إعادة الانتشار، وموضوع إطلاق سراح جميع المعتقلين الفلسطينيين.
الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي سيعودان من واي بلانتيشن بعدد من الهموم الداخلية، فعرفات مطالب بتنفيذ لا تراجع فيه ولا تردد للاتفاق الأمني الذي هو محور قمة ميريلاند، وهو ما قد يعني مجابهة حقيقية مع حركة حماس والشارع الفلسطيني الذي أشارت استطلاعات السُلطة نفسها إلى أن غالبيته يؤيد العمليات المسلحة التي تقوم بها هذه الحركة ضد إسرائيل، أما نتنياهو فسيواجه انقسامًا في ائتلافه الحكومي حول الموافقة على إعادة الانتشار ربما يهدد بإسقاط الحكومة الإسرائيلية، وقد أكد رفائيل إيتان وزير البيئة والزراعة الإسرائيلي أن الحكومة الإسرائيلية مقبلة على مرحلة اضطرابات وأن «الكنيست سيبحث من جديد حل نفسه ذاتيًا وتنظيم انتخابات مُبكرة».
وكان ٦٠ نائبًا من أعضاء الكنيست البالغ عددهم ۱۲۰ عضوًا قد صوتوا في شهر يوليو الماضي على إجراء انتخابات مُبكرة إلا أن ذلك العدد لم يكن كافيًا لحل البرلمان الإسرائيلي، وحتى ينجح المطالبون بحل الكنيست في مسعاهم مرة أخرى عليهم أن يحشدوا أصوات ٦١ نائبًا، وكان حوالي 15 وزيرًا في حكومة نتنياهو قد هددوا قبل قمة ميريلاند بإسقاط الحكومة إذا ما قدمت تنازلات جغرافية كبيرة للفلسطينيين على حد تعبيرهم، ومن بين الوزراء أعضاء ينتمون لليكود نفسه.
وسيدعى الكنيست أيضًا للتصويت على مشروع قانون جديد لإلغاء انتخابات رئيس الوزراء بالاقتراع العام المباشر والعودة إلى النظام القديم وهو اختيار رئيس الوزراء من أكبر كتلة برلمانية، ويلقى هذا الاقتراح موافقة من أعضاء كثيرين في أحزاب الائتلاف الحكومي والمعارضة اليسارية على حد سواء، أما المتدينون اليهود فلهم موقف آخر مع نتنياهو الذي خالف تعاليم دينهم بعقده مباحثات مع عرفات في يوم سبت والذي هو عطلة دينية مُقدسة عند اليهود.
السُلطة بدأت تحركاتها لشن حرب شاملة ضد حماس
- بيانات مزوّرة منسوبة لكتائب القسام تهدد بالحرب الأهلية وحماس تتهم أجهزة أمن السُلطة وإسرائيل بترويجها
- حماس: ندرك أبعاد المؤامرة وسنضبط النفس وسلاحنا سيظل موجهًا للعدو المحتل
عمان: أسامة عبد الرحمن
قالت مصادر في حركة حماس إن المؤشرات تؤكد أن السُلطة وافقت على المخطط الأمني الإسرائيلي - الأمريكي، الذي يطالب بالقضاء على حركة حماس وليس فقط إضعافها، والرامي كذلك إلى تفجير الأوضاع الفلسطينية الداخلية، والدفع نحو إشعال فتيل حرب أهلية.
وأشارت هذه المصادر إلى أن السُلطة التي رضخت للمطالب والضغوط الأمريكية والإسرائيلية، بدأت خطوات عملية تمهيدية لشن حرب شاملة ضد حركة حماس، وحاولت خلال الأيام الماضية إيجاد مبررات وذرائع لبدء حملة اعتقالات وقمع واسعة ضد الحركة تكون أعنف كثيرًا من الحملات السابقة التي تعرضت لها على يد السُلطة والاحتلال، وقد بدأت معالم هذه الحملة في الظهور عبر اعتقالات واسعة ومتزامنة شنتها السُلطة الفلسطينية وسُلطات الاحتلال ضد العشرات من كوادر الحركة في عدة مناطق شملت نابلس وطوباس وعصيرة الشمالية، وقباطية والخليل ويعبد وجنين ومناطق أخرى.
أجهزة أمن السُلطة وإسرائيل -في إطار الإعداد لشن الحملة الواسعة ضد حماس- عادت الأسبوع قبل الماضي إلى توزيع بيانات مزوّرة في الأراضي المحتلة نسبتها إلى كتائب عز الدين القسام «الجناح العسكري» لحركة حماس، وتهدد هذه البيانات المزوّرة بأن الحركة ستشعل فتيل الحرب الأهلية في حال استمرار السُلطة في إجراءاتها ضد حماس وبأنها ستلجأ إلا اغتيال رئيس السُلطة ياسر عرفات ورموز آخرين فيها!
وتبع توزيع هذه البيانات المزوَرة اعتقال الشيخ محمد جمال النتشة أبرز قادة حماس في مدينة الخليل من قبل المخابرات والأمن الوقائي الفلسطيني، حيث تم توجيه تهم إليه بقيادة جهاز كتائب القسام والتخطيط لاغتيال جبريل الرجوب مسؤول الأمن الوقائي في الضفة الغربية، وزعمت أجهزة أمن السُلطة أنها ضبطت في بيت النتشة كميات كبيرة من الوثائق المهمة والرسائل المتبادلة بينه وبين محيي الدين الشريف، وعادل وعماد عوض الله الذين تمت تصفيتهم مؤخرًا على أيدي أجهزة أمن إسرائيل والسُلطة، وزعم جبريل الرجوب أن النتشة خطط لاغتياله بالتنسيق مع قيادات حماس في الأردن!! وقد رفضت السًلطة -التي اعتقلت الشيخ النتشة في أحد مراكز التحقيق التابعة لجهاز المخابرات الفلسطينية في أريحا- طلب ابن عمه الوزير رفيق النتشة السماح له بزيارته، كما رفضت السماح لمنظمات حقوق الإنسان بمقابلته.
وفي الاتجاه نفسه زعمت أجهزة أمن السُلطة أن حركة حماس خططت لخطف الدكتور الجابري الذي قام بتشريح جثة محيي الدين الشريف، وقالت إنها علمت بهذا المخطط من خلال الوثائق الكثيرة التي قالت إنها ضبطتها في منزل النتشة بحسب ادعائها.
صحيفة معاريف الإسرائيلية وتحت عنوان «الشاباك أنقذ حياة جبريل الرجوب»، نسبت إلى مجلة «فورين ريبورت» قولها إن الشاباك الإسرائيلي أنقذ الشهر الماضي حياة مسؤول الأمن الوقائي في الضفة جبريل الرجوب حينما أبلغه بأن حركة حماس تعد خطة لاغتياله، وأضافت المجلة: أن الرجوب التقى في أعقاب ذلك قادة الشاباك وسلمهم معلومات مهمة عن حماس، وقد أعتبرت مصادر صحفية فلسطينية نشر هذه الأخبار والتقارير الصحفية جزءًا من معركة التحريض، وإيجاد الذرائع والمبررات التي تسوغ توجيه ضربة للحركة، وكانت أجهزة أمن السُلطة قالت قبل أسبوعين إن زجاجتين حارقتين القيتا على منزل الرجوب الذي لم يكن في المنزل دون أن تتسببا في إحداث أي أضرار.
حركة حماس تلتزم ضبط النفس
حركة حماس التي أكدت مصادرها لــ المجتمع أنها تدرك أبعاد المؤامرة التي يحيكها الأطراف الثلاثة -السُلطة وإسرائيل والمخابرات الأمريكية- ضدها، تعاملت حتى اللحظة بسياسة ضبط النفس، ولم تنجر إلى ردود فعل مقابلة حتى لا تعطي مبررات إضافية تسهّل على السُلطة تصعيد حربها المتوقعة ضد الحركة.
مصادر حماس قالت إن لديها معلومات بأن السُلطة أعدت قوائم كبيرة بأسماء كوادر حركة حماس المطلوب اعتقالها ضمن الحملة الشرسة للسُلطة، والتي تشمل إضافة إلى الاعتقالات تضييقات واسعة على أنشطة الحركة ومؤسساتها المختلفة، وحتى المساجد لن تكون بمنأى عن الاستهداف في إطار هذه الحملة، وبخاصة أن معلومات تسربت عن مطالب محددة قدمتها المخابرات الأمريكية للسُلطة بهذا الخصوص.
محمد نزال ممثل حركة حماس في الأردن وعضو مكتبها السياسي قال لــ للمجتمع إن السُلطة تعد لحملة قمع شاملة ضد حركة حماس، وهناك مؤشرات متعددة في هذا الاتجاه، وأضاف أن إصدار البيانات المزوّرة المنسوبة لكتائب القسام وتوجيه الاتهام للنتشة بالتخطيط لاغتيال الرجوب، تهدف إلى افتعال أزمات والبحث عن مبررات لتنفيذ المطالب الإسرائيلية والأمريكية بتحطيم البنية التحتية للحركة، وقال نزال إن إسرائيل والإدارة الأمريكية أصرتا على أن يقترن توقيع اتفاق لإعادة الانتشار في الضفة الغربية بحملة أمنية واسعة ضد حركة حماس.
وأكد نزال لـ المجتمع أن سياسة حماس التي يعرفها الجميع هي عدم اللجوء إلى الاغتيال كأسلوب للتعامل مع خصومها السياسيين، مشيرًا إلى أن الحركة ورغم ضراوة إجراءات السُلطة ضدها لم توجه سلاحها طيلة السنوات الماضية، إلا للاحتلال.
وحول ردّ الحركة على إجراءات السُلطة وحملتها ضد الحركة، قال نزال: إن لدى حماس برنامجها الذي تسير عليه والذي يستند أساسًا إلى استمرار المقاومة ضد الاحتلال، مؤكدًا أن هذه المقاومة «ستستمر ولن تتوقف بإذن الله مادام الاحتلال موجودًا»، وأضاف نزال: «لقد تعرضت الحركة للكثير من حملات القمع التي استهدفت محاصرتها وإضعافها، ولكن ذلك لم يؤد سوى إلى زيادة قوة الحركة والتفاف الجماهير حولها.. حماس ليست تنظيمًا صغيرًا ليتم تصفيته بسهولة، حماس تيار واسع في الشعب الفلسطيني، له امتداداته وجذوره العميقة».
وردًا على حملة التصعيد التي شنتها أجهزة أمن السُلطة بتحريض من إسرائيل ضد الحركة، وجه مؤسس حماس الشيخ أحمد ياسين رسالة إلى رئيس السُلطة ياسر عرفات حذّر فيها من ارتفاع بعض الأصوات النشاز التي تدعو إلى فتنة داخلية وحرب أهلية عن طريق بيانات مزيّفة، وأضاف الشيخ ياسين مخاطبًا عرفات: «نحن لا نشك في أن الأيدي الخفية هي التي تتحرك من وراء ستار لتصل إلى هدفها المنشود، كما أن هناك شائعات تروّج على أن حركة حماس تريد أن تصفّي عناصر قيادية من السُلطة الفلسطينية وعلى رأسها أبو عمار لتلتقي كل هذه الأصابع الخفية وتعمل على هدم الوحدة الفلسطينية أمام العدو الإسرائيلي المتجبر، والذي يحرك عملاءه في كل مكان لنشر الإشاعات وبذر الفتن».
واتهم الشيخ ياسين عملاء مندسين في صفوف الشعب -لا يروق لهم ولا لأسيادهم الإسرائيليين أن يعيش الشعب الفلسطيني موحدًا مصون الدماء- بأنهم يعملون على نشر الإشاعات التي من شأنها إثارة الفتنة الداخلية.
قمة الأمن الصهيوني
«لاستنزاف قوانا وإراحة عدونا من توجيه البندقية إلى صدره وحده».
وأعاد الشيخ ياسين في رسالته إلى عرفات التأكيد على جملة من الثوابت منها: تحريم الدم الفلسطيني والاقتتال الداخلي، وإبقاء السلاح موجهًا للعدو، وتحريم الاغتيالات السياسية على كل المستويات، وصيانة الدم الفلسطيني، والمحافظة على الوحدة الوطنية الفلسطينية، واعتماد الحوار والنهج الشورى الديمقراطي كأسلوب لحل الخلافات الداخلية بعيدًا عن العنف.
وعقّب الشيخ على هذه الثوابت بقوله: «هذا ما أحببنا التأكيد عليه وتجليته في ظل ما تنامى إلى مسامعنا من إشاعات مغرضة وما نُشر من بيانات لا تخدم سوى إسرائيل وعلمائها، والمتبصر فيما يخطط اليهود له، وما يدفعون نحوه، يدرك حجم المؤامرة والمخاطر التي تكتنف واقعنا الفلسطيني.
«واي بلانتيشن».. ضغوط أمنية
وقد تزامنت حملة السُلطة -التي مازالت في بداياتها- ضد حركة حماس، مع مفاوضات «واي بلانتيشن»، في واشنطن، والتي مارس خلالها الجانبان الإسرائيلي والأمريكي ضغوطًا مشددة على السُلطة للموافقة على كل الشروط الأمنية الإسرائيلية التي شملت عدة بنود تهدف إلى توجيه ضربة قاسية لحركة حماس، وكان المتحدث باسم الخارجية الأمريكية جيمس روين قد شن هجومًا عنيفًا ضد حركة حماس، التي وصفها بأنها العدو المشترك للولايات المتحدة، والإسرائيليين والفلسطينيين، على حد زعمه!
هجوم بئر السبع يثير مخاوف أجهزة الأمن الإسرائيلية من الأسلوب الجديد الذي تنتهجه حركة حماس
المقاومة تعاود الضرب بعنف في العمق الصهيوني
المجتمع: عمان
«هذه العملية ليست الأولى، وأنا لا أستطيع أن أزف البشرى بأنها الأخيرة»، بهذه الكلمات عقّب المفتش العام للشرطة الإسرائيلية يهودا فيلك على عملية تفجير القنبلتين في مدينة بئر السبع الأسبوع الماضي، والتي أسفرت عن جرح ٦٤ إسرائيليًا.
وقد جاءت العملية في ظل احتياطات أمنية مشددة يبذلها الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي للحيلولة دون وقوع عمليات عسكرية من طرف حركة حماس، كما جاءت العملية في الوقت الذي كانت مفاوضات «واي بلانتيشن» في واشنطن على أشدها.
وعلى الرغم من أن أي جهة لم تبادر على الفور إلى إعلان مسؤوليتها عن العملية، إلا أن مصدرًا عسكريًا إسرائيليًا كبيرًا صرح بأن التقديرات الأولية تشير إلى أن فئات إسلامية وصفها «بالمتطرفة» تقف خلف الهجوم، ومع أن سُلطات الاحتلال تحفظت في بداية الأمر على إعلان هوية منفذ العملية، الذي تمكنت قوات الشرطة الإسرائيلية من إلقاء القبض عليه، واكتفت بالإشارة إلى أنه فلسطيني من بلدة الظاهرية جنوبي مدينة الخليل، إلا أن مصادر سياسية وإعلامية أشارت إلى أن منفذ العملية هو شاب فلسطيني يدعى سالم رجب الصرصور «29 عامًا»، وهو عامل بناء وأب لخمسة أطفال، وينتمي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وأضافت المصادر أن شقيق سالم كان قد قتل مستوطنًا إسرائيليًا يُدعى أهارون غروس عام ١٩٨٢م.
وعلى الرغم من أن الجانب الإسرائيلي حاول استثمار العملية في تسويق تشدده الأمني، وممارسة المزيد من الضغوط الأمنية على الجانب الفلسطيني في مفاوضات «واي بلانتيشن» وهو ما روّجت له السُلطة التي ركزت على أن العملية جاءت في توقيت يخدم نتنياهو وحكومته الليكودية، إلا أن الجانب الإسرائيلي نظر بكثير من الخطورة إلى العملية التي شككت في قدرة حكومة نتنياهو وأجهزته على ضبط الأوضاع الأمنية.
الأوساط الأمنية الإسرائيلية عبّرت عن قلقها من الأسلوب الذي بدأت تنتهجه حركة حماس في عملياتها ضد الأهداف الإسرائيلية، حيث بدأت تركز على الجنود والمستوطنين كأهداف مختارة، وقد أشار المفتش العام للشرطة الإسرائيلية إلى أن الشرطة بدأت تغير من استعداداتها واحتياطاتها المتخذة نظرًا للتغير الذي طرأ على أسلوب العمليات العسكرية لحركة حماس.
وعلقت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية على عملية بئر السبع بقولها إنها التاسعة في سلسلة عمليات مؤلمة تنفذها حماس منذ نحو شهرين، وأوردت الصحيفة قائمة بالعمليات على النحو التالي:
1- 4 من أغسطس: عملية إطلاق نار قرب مستوطنة يتسهار قتل فيها اثنان من حرس المستوطنة هما هرئيل بن نون، وشلومو ليبمان.
٢- 21 من أغسطس: قتل الحاخام شلومو رعنان في تل الرميدة في الخليل طعنًا بالسكين قبل إحراق منزله.
٣- 27 من أغسطس: تفجير عبوة ناسفة في حاوية للقمامة في شارع اللنبي وسط تل أبيب أسفر عن جرح ٢١ إسرائيليًا.
4- 24 من سبتمبر: انفجار عبوة ناسفة في جبل سكوبس في القدس أسفَر عن إصابة جندي بجروح
5- 29 من سبتمبر: إطلاق نار في الخليل يسفر عن إصابة مستوطنة بجروح.
6- 30 من سبتمبر: إلقاء قنبلتين باتجاه جنود في مدينة الخليل وإصابة 14 جنديًا بجراح.
7- 9 من أكتوير: مقتل جندية إسرائيلية طعنًا بالسكين في مدخل مستوطنة تومار في غور الأردن.
8- 13 من أكتوبر: مقتل مستوطن إسرائيلي وإصابة آخر بجراح بليغة في عين أورا قرب القدس في عملية إطلاق رصاص.
9- 19 من أكتوبر: فلسطيني يلقي قنبلتين ضد جنود إسرائيليين ويجرح 64 إسرائيليًا معظمهم من الجنود جراح ثلاثة منهم خطيرة.
ووفق هذه الإحصائية الإسرائيلية، فإن العمليات التسع أسفرت عن مقتل خمسة جنود ومستوطنين وجرح ۱۰۲ غالبيتهم العظمى من الجنود والمستوطنين.
وكان نتنياهو قد صرح بأنه يُنظر بخطورة بالغة إلى هجوم بئر السبع، فيما سارعت السُلطة الفلسطينية على لسان رئيسها والمتحدثين باسمها إلى استنكار الهجوم وإدانته والزعم بأنه يضر بمصالح الشعب الفلسطيني!!.
الشيخ أحمد ياسين -مؤسس حركة حماس- علق على الهجوم بقوله إن ما حدث هو جزء من الرد المطلوب على جرائم سُلطات الاحتلال وليس كل الرد، وأضاف: «نحن نرد لتدافع عن أنفسنا ضد اغتيال أبنائنا وقادتنا وضد الاحتلال وضد تجويعنا ومصادرة أرضنا».
وقد علقت مصادر صحفية إسرائيلية على هجوم بئر السبع والعمليات التي سبقته، بأنها مؤشر خطير على قدرة حركة حماس على مواصلة عملها العسكري وتهديدها للأمن الإسرائيلي رغم كل الاحتياطات المشددة والتعاون الوثيق بين أجهزة الأمن الإسرائيلية والفلسطينية، وهو ما قالت إنه يشكك في كفاءة هذه الجهود في إضعاف قدرة حماس على العمل، ولا تزال أجهزة الأمن الإسرائيلية تؤكد وبصورة متواصلة وشبه يومية أن لديها معلومات تشير إلى نية حركة حماس تنفيذ عمليات كبيرة ضد الأهداف الإسرائيلية في وقت قريب، وتجدر الإشارة إلى أن سُلطات الاحتلال تضع قواتها في حالة تأهب قصوى منذ أسابيع طويلة في أعقاب تهديدات كتائب القسام بالانتقام لتصفية رموزها محيي الدين الشريف وعادل وعماد عوض الله.
ويخشى نتنياهو في حال نجاح حركة حماس في تنفيذ وعودها من أن يؤدي ذلك إلى إضعاف مكانته في الشارع الإسرائيلي، فيما قالت مصادر سياسية إن قدرة حماس على تنفيذ هذا العدد الكبير من العمليات النوعية خلال فترة قصيرة يفند كل محاولات التشكيك في جدية الحركة بضرب الأهداف الصهيونية، وكذلك محاولات التشكيك في قوتها وقدرتها على مواصلة مقاومتها للعدو بكفاءة عالية.