العنوان قمة عمّان وبديل الكامب ديفيد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1980
مشاهدات 82
نشر في العدد 506
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 09-ديسمبر-1980
قمة عمان تكريس محور المعتدلين وامتداد لقمتي بغداد وتونس.
•البيان الختامي يركز على حل الصراع العربي- الإسرائيلي في غياب منظمة التحرير ويؤكد على استقلاليتها وحرية إرادتها!
•المؤتمر فتح الباب للمبادرة الأوروبية وفوض الحسين للدفاع عن القضية العربية.
•منذ عام ۱۹۷۳ والحكام العرب يُجمعون على التسوية السياسية ولكن يختلفون على فحواها.
قمة عمان وبديل كامب ديفيد
لئن كان لكل مؤتمر قمة موضوع ومناسبة فإن مؤتمر قمة عمان الأخير جاء امتدادًا لقمتي بغداد وتونس اللتين ركزتا على الحد الأدنى للتضامن العربي ومجابهة اتفاقيات كامب ديفيد، فهل مهد المؤتمر لتضامن عربي يتيح المجال لطرح «بديل إيجابي ومتماسك» لاتفاقية الكامب على حد تعبير صحيفة الواشنطن بوست أو «التسوية الأردنية البديلة» على حد تعبير وكالة الصحافة الفرنسية؟؟
لو رجعنا إلى نص البيان الختامي لقمة عمان لوجدنا أنه يخلو من أية إشارة لذلك، ولكنه ركز في الجانب السياسي على موضوع «الصراع العربي الإسرائيلي» فأدان اتفاقيات الكامب ديفيد ومبادرة السادات والسياسة الأميركية، كما أكد البيان «أن قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ لا يتفق مع الحقوق العربية ولا يشكل أساسًا صالحًا لحل أزمة الشرق الأوسط وخاصة قضية فلسطين».
وفيما يتعلق بمنظمة التحرير ذكر البيان «وأكد القادة العرب تصميمهم على مواصلة مساندة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني من أجل استعادة كافة حقوق الشعب الفلسطيني بما فيها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقبلية على أرضه، كما أكدوا دعم استقلاليتها وحرية إرادتها...»
ويفهم مما سبق أن المؤتمر أتاح المجال لبديل لكامب ديفيد أما ما هو هذا البديل، فلا توجد إشارة صريحة لذلك في البيان الختامي غير أن هنالك نصوصًا تصلح أن تكون دليلًا على هذا البديل.
فقد «قرر المؤتمر الاستمرار في العمل في نطاق الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وفي مؤسسات ومؤتمرات المنظمات الدولية على تنسيق المواقف العربية وتحقيق التعاون وفق أهداف ومبادئ برنامج العمل المشترك والسياسات التي تقررها مؤسسات جامعة الدول العربية».
ومن ناحية أخرى ذكر البيان «كما أكد عزم الدول العربية على تدعيم جهود الحوار العربي الأوروبي بما يخدم المصالح المشتركة ويحقق المزيد من التفهُّملعدالة المطالب العربية وبخاصة إزاء قضية فلسطين»
ويمكن أن يفهم من هذه النصوص أن الباب مفتوح أمام «المبادرة الأوروبية» التي أخذت تعزف عليها مجموعة دول السوق منذ إعلان البندقية في فبراير الماضي.
ولكن كعادة البيانات العربية الرسمية عمومًا وبيانات القمة خصوصًا لا يمكن للمحلل أن يخرج منها بنتيجة مالم يأخذ في حسبانه أن هنالك قرارات سريَّة، وطالما أنه يصعب معرفة هذه القرارات السرية فلا مناص من بحث الظروف والملامسات التي انعقد فيها المؤتمر واتجاهات الداعين المتحمسين له.
إجماع على التسوية السياسية
على الرغم من أن التاريخ السياسي العربي الحديث قد سجل حقيقة ظلت ثابته منذ نشأة مؤتمرات القمة، وهي أن الدول العربية ظلت باستمرار يلفها الضياع والتشتت وسياسة المحاور والأحلاف، إلا أنه يمكن القول بأن مجموعة الدول العربية منذ حرب أكتوبر ۱۹۷۳ أجمعت على تباين سياساتها بضرورة تسوية أزمة الشرق الأوسط أو الصراع العربي الإسرائيلي سياسيًا وبالمفاوضات في المحافل الدولية.
وقد خيم الحل الأميركي الكيسنجري على المنطقة إلى أن جلس كارتر على المكتب البيضاوي في واشنطن، وبعد أن عرضت الولايات المتحدة وعودًا كاذبة بحل شامل للصراع تشترك فيه جميع الأطراف خرج السادات بمبادرته بزيارة إسرائيل وعرض السلام الرخيص على الكنيست ثم تتابعت بعد فصول تطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل ومحادثات ما سمي بالحكم الذاتي، وقد انقسم العالم العربي إزاء ذلك إلى ثلاث جبهات، هي جبهة السادات ومؤيدي الكامب وجبهة الصمود والتصدي وجبهة «المعتدلين» الذي لا هم مع الكامب ولا مع الرفض»، ونتيجة لهذا الانقسام في الآراء بين حكومات الدول العربية تعثر الحل الأميركي ووصل الكامب أخيرًا إلى طريق مسدود.
تمحور جديد
ومع تقدم الوقت ولظروف وملابسات سياسية لا يزال كثير منها طي الكتمان التقى المعتدلون والرافضون في قمة عمان تحت شعار سياسة الحد الأدنى» واتفقوا جميعًا على التصدي «لمؤامرة كامب ديفيد» ومعاقبة النظام المصري.
وقد سجل هذا المؤتمر نقطة لصالح المعتدلين بانضمام العراق وتصدع الجبهة جبهة «الصمود والتصدي» وقد ظل الوضع كذلك حتى قمة تونس التي أكدت قرارات قمة بغداد وركزت على قضية «الصراع في الشرق الأوسط والأزمة اللبنانية.
ويمكن القول إنه بعد رحيل بومدين ومجيء الشاذلي بن جديد أصبحت الجزائر عنصر اعتدال «في جبهة الصمود والتصدي» ومنذ أن توترت العلاقات بين العراق وسوريا من جهة والعراق وإيران من جهة أخرى أصبحت جبهة الصمود والتصدي تقتصر عمليًّا على سوريا وليبيا واليمن الجنوبي أما منظمة التحرير فهي بحكم ظروفها السياسية عمومًا والعسكرية في لبنان خصوصًا مضطرة لأن تبقى ضمن هذه الجبهة خاصة وأن تباين الآراء داخل قيادتها يهيئها لذلك!
وبسبب عدم جدية أميركا في حل أزمة الشرق الأوسط وإعطاء الفلسطينيين حقوقهم بدأ يتشكل محور عربي جديد من المعتدلين ضم السعودية والعراق والأردن ترافق مع ما سمى بالمبادرة الأوروبية والتي تم الإعلان عنها في البندقية في أوائل العام الحالي وخلال هذه الفترة تكثفت الزيارات الرسمية لمسؤولين أوروبيين وجاء غاستون ثورن يعرض بضاعته كحل بديل للكامب ديفيد!
أما المحور الآخر فاتخذ شكلًا يساريًا وأخذ يوطد علاقاته مع الاتحاد السوفييتي.
وبعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية تكرس هذان المحوران، وعندما اقترب موعد قمة عمان انفجرت حرب القمة بين الجانبين فكان أن عقدت القمة في موعدها المحدد في ٢٥- ٢٧ نوفمبر.
ومن البديهي أن تأتي نتائج المؤتمر في صالح الذين كانوا مُصرِّين عليه، فالعراق حصل على دعم الدول العربية له في حربه مع إيران أما الملك حسين فقد كان «نجم» المؤتمر ومع أن البيان الختامي للمؤتمر لم يذكر تفويض الملك للتفاوض باسم العرب إلا انعقاد المؤتمر بهذا الشكل وغياب منظمة التحرير عنه، تشكل فرصة محتملة لتحرك الأردن في سبيل التوصل إلى تسوية بديلة لكامب ديفيد.
تسوية بديلة
وتشير معلومات أدلى بها دبلوماسي عربي إلى جريدة القبس الكويتية وصفته أنه «خبير القمم» بأن قمة عمان اتخذت قرارات سرية إضافة إلى القرارات العلنية مفادها تكريس محور سياسي يضم الحضور مدعم ببرامج اقتصادية تكفل له الاستمرار والتي أخذت حيزًا كبيرًا في المناقشات أو في البيان الختامي ويستفاد مما ذكرته جريدة السياسة عن مصادر مطلعة في عمان أن من بين ما لم تعلنه قمة عمان هو بحث قضايا أمن الخليج وقطع المساعدات المالية عن سوريا وإعادة النظر في قرار الجامعة العربية الخاص بدعم قوات الردع العربية ودورها في لبنان «والمسألة الأخرى الهامة التي ناقشها الزعماء العرب دون أن يتضمنها قد أجل الدخول في رهان على إدارة الرئيس الأميركي المنتخب رونالد ريغان من أزمة الشرق الأوسط وترك عملية الاستكشافات الأولى لاتجاهات هذه الإدارة لنتائج الزيارة المتوقع أن يقوم بها العاهل الأردني لواشنطن، بعد تسلم مهام منصبه دون أن توضح هذه الزيارة وصفا محددا أو دون اعتبار الملك حسين متحدثًا باسم الجميع، وهناك نقطة أخرى تقول بأن الملك حسين متحدثٌ باسم الجميع، وهناك نقطة أخرى تقول بأن الملك حسين سوف يحمل معه أفكارًا محددة تم تحديد أولوياتها ومنطلقاتها خلال هذه المشاروات، ولكن ما هي هذه التسوية البديلة وهل يمكن تحقيقها؟
الدور الأردني
وإذا صح ما ذكرته الأنباء عن قرارات المؤتمر السرية فإنه يمكن القول كما أسلفنا أن المبادرة الأوروبية هي البديل خاصة وأن أطراف مؤتمر قمة عمَّان كانت كلها بلا استثناء قد امتدحت المبادرة بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية التي لم تحضر المؤتمر ووصفها أكثر من مسؤول فلسطيني بأنها «إيجابية» ومما يدلك على ذلك أن المنظمة رأست محادثات الحوار العربي الأوروبي سابقًا وسترأسه في اجتماع العام القادم، ويقول المراقبون أن هذه المبادرة وإن طرحت كبديل للكامب ديفيد إلا أنها على أية حال مكملة لها، والأوروبيون أنفسهم حرصوا على تأكيد ذلك قبل مؤتمر البندقية وبعده، كما أن واشنطن أعربت في حينها عن ارتياحها لما صدر ولم تعتبره عملًا «انفصاليًا» أو تحركًا «مستقلًا» وهم لم يتحركوا إلا بعد أن تأكدوا من أن محادثات كامب ديفيد وصلت إلى طريق مسدود وبسبب ذلك وجد ما عرف بسياسة «الانتظار» في الشرق الأوسط وظلت جميع المبادرات والقضايا عالقة إلى حين الانتهاء من انتخابات الرئاسة الأميركية، وقد أخذت الدوائر الأميركية تسرب إلى وسائل الإعلام العالمية أخبارًا وتحليلات مفادها أن الرئيس المنتخب ريغان الذي لا يطمع في تجديد ولايته مرة أخرى سينطلق في سياسته في مصلحة أميركا وسيكون قادرًا على الضغط على إسرائيل لغرض تسوية تعترف بحقوق الفلسطينيين كما أن تصوره باعتباره جمهوريًا يقترب من التصور الأوروبي!!.. ومهما تكن الأسباب العربية الداعية لانعقاد قمة عمان فلا بد أن الظروف الدولية الجديدة كانت دافعًا أكيدًا للتعجيل بانعقاده. والأردن مؤهّل للقيام بدور بديل وإن كان مشكوكًا في إمكانية نجاحه فالملك حسين الذي .......* بمنظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر الرباط عام ١٩٧٤ بدأ يأخذ دورًا فلسطينيًا منذ قمة بغداد ۱۹۷۸، وحديثًا أنشأ وزارة للعناية بشؤون الأرض المحتلة ومن المحتمل أن يتكرس هذا التمثيل لغياب منظمة التحرير عن مؤتمر عمان وبالرغم من أن المؤتمر أكد على تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني إلا أن الملك حسين في خطاب افتتاح المؤتمر لم يتطرق للمنظمة لا من قريب ولا من بعيد