العنوان قمة بحر قزوين تفتح ملفات الصراع المزمنة
الكاتب عمر عبدالحق
تاريخ النشر السبت 04-مايو-2002
مشاهدات 58
نشر في العدد 1499
نشر في الصفحة 38
السبت 04-مايو-2002
خلافات الدول المتشاطئة حول حقوق النفط فتحت ثغرات للقوى الدولية الطامحة في السيطرة على المنطقة بأسرها.
القمة التي شهدتها العاصمة التركمانية عشق آباد يوم ۲۳ أبريل المنصرم وحضرها قادة الدول المتشاطئة على بحر قزوين جاءت وسط صراعات دولية محمومة للسيطرة على نفط هذه المنطقة، ووسط خلافات معقدة بين الدول المتشاطئة ذاتها «روسيا - إيران -أذربيجان - كازاخستان - ترکمانستان» حالت دون عقد مثل هذه القمة أكثر من مرة.
المراقبون رأوا فيها قمة تاريخية، يعد مجرد عقدها نجاحًا يمكن أن يفضي على الأقل إلى تفاهم بين أعضائها إلا أنهم يتشككون في قدرتها على حسم الخلافات، خاصة المتعلقة منها بحصص البحث عن ثروات البحر وخاصة النفط ويزيد من تعقيد هذه الخلافات تدخل أطراف دولية طامعة في ثروة البحر وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
القمة أعادت إلى طاولة البحث والتحليل مشاهد ذلك الصراع التاريخي الممتد بين القوى الكبرى منذ عدة قرون حتى اليوم، وهي جديرة بالتوقف أمامها.. لنتبين مدى أهمية ذلك البحر بثرواته.
بحر قزوين «الخزر»
جغرافيًا يعد بحر قزوين «بحر الخزر» أضخم بحيرة مغلقة على وجه الأرض، يبلغ طولها ۱۲۰۰ كم وعرضها زهاء ۳۰۰ كم تنبسط من الشمال إلى الجنوب عند الحدود بين أوروبا وأسيا على مستوى أكثر انخفاضًا من مستوى المحيط بـ۲۸ مترًا، وتتقلص مساحة البحر باستمرار بسبب التبخر وانخفاض منسوب الأنهار التي تصب فيه وأكبرها نهر الفولجا. ففي أقل من نصف قرن انخفض مستوى مياهه مترین وتقلصت مساحته من ٤۲٤٣٠٠ إلی ۳۷۱۰۰۰ كيلو متر مربع حتى استقرت مساحته حاليًا عند ٣٦٠٠٠٠ كيلومتر مربع، ويصل متوسط عمقه إلى ١٨٤ مترًا، أما أعمق نقطة فيه فتصل إلى ٩٨٠ مترًا, ويقدر الخبراء كمية مياهه بـ ٧٦ ألف كيلومتر مكعب على وجه التقريب وتتوزع شواطئ بحر قزوين بين خمس دول هي روسيا التي تحده من الشمال الغربي، وإيران «الجنوب الغربي»، وكازاخستان «الشمال الشرقي» وتركمانستان «الشرق» وأذربيجان «الغرب» ولها أصغر حصة من الساحل محصورة بين إيران وروسيا.
يصفه ستيفن كينزر أحد المتخصصين والباحثين البارزين في الولايات المتحدة بأنه كتلة ماء مالحة بحجم ولاية كاليفورنيا، وبأنه أضخم كمية محصورة من الماء تخبئ تحت قاعها ما يناهز مائتي مليار برميل من النفط أو ما يعادل ١٦ من احتياطي النفط في الكرة الأرضية، تبلغ قيمتها إذا حسبت وفق الأسعار الحالية - ثلاثة تريليونات دولار, ويتفق جوليان لي الخبير في مركز الدراسات حول الطاقة في العالم، الذي يتخذ من لندن مقرًا له مع كينزر، ويضيف أن البحر يحتوي - كذلك على ٦٠٠ مليار متر مكعب من الغاز.
خبراء وزارة الطاقة الأمريكية أعلنوا عام ١٩٩٦م أن احتياطي حوض قزوين قد يصل إلى ۱۷۸ مليار برميل وهو ما يجعله - وفق رؤيتهم - في المرتبة الثانية بعد المملكة العربية السعودية باحتياطها البالغ ٢٥٩ مليار برميل، وضعف احتياطي الكويت «٩٤ مليار برميل» وإيران «۹۳ مليار برميل»، بينما يرى خبراء المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في واشنطن أن هذه الأرقام مبالغ فيها.
ثروات «قزوين» لا تقتصر على النفط والغاز المستقر تحت قاعه، إذ تحتوي مياهه أيضًا على ثروات مهمة خلافًا لبقية البحار، فمياهه مشبعة بالكبريتات وغنية بالأسماك الثمينة «السلمون وبويضة الكافيار».
ومن هنا فإنه مهما اختلفت التقديرات بشأن ثروات بحر قزوين تبقى أهميته قائمة.
السباق الدولي
أدرك الغرب أهمية نفط قزوين منذ نهايات القرن الثامن عشر، فعندما سافر روبرت نويل إلى باكو عاصمة أذربيجان عام ١٨٧٣م لشراء صفقة من خشب الجوز لاستخدامه في صناعة البنادق انشغل الرجل عن صفقته عندما شاهد آلاف الأطنان من النفط تتفجر من الأرض دون أن يسيطر عليها أحد، فقام على الفور باستدعاء شقيقه لودفيغ واشتريا أرضًا ومصفاة نفط بدائية, وأسسا شركة «بترول نويل فرير» ظلت تعمل هناك لنصف قرن من الزمان ثم انهارت بعد هروب أصحابها من بطش الثورة البلشفية (۱۹۱۷م).
ومنذ قيام الثورة البلشفية وحتى سقوط الاتحاد السوفييتي عام ۱۹۹۱م كان صاحب الحق في مياه بحر قزوين دولتين هما إيران والاتحاد السوفيتي بحكم إطلالهما على البحر، وكانت تنظم العلاقة بينهما في هذا الشأن معاهدتان:
الأولى: معاهدة عام ١٩٢١م التي نسخت معاهدة «تركمن شاي» المفروضة على إيران من قبل روسيا القيصرية عام ۱۸۲۸م والتي منعت السفن الإيرانية من الإبحار هناك، لكن روسيا البلشفية أعادت هذا الحق لإيران في المعاهدة الجديدة (1۹۲۱م).
الثانية: معاهدة عام ١٩٤٠م التي أكدت على نصوص المعاهدة السابقة.
المعاهدتان لم تحددا سلطات واضحة للدولتين في مياه البحر وجعلتاها مشاعًا مشتركًا بين الطرفين، ولم تقدم مذكرة التفاهم التي وقعت بين الدولتين عام ١٩٧٠م جديدًا في هذا المجال. وظل الوضع معلقًا حتى انهار الاتحاد السوفيتي عام ۱۹۹۱م، فبرز على الساحة الإقليمية والدولية وضع جديد ارتسمت ملامحه كما يلي:
- أصبحت الدول المتشاطئة - بانفكاك الاتحاد السوفيتي - خمس دول هي أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، إضافة إلى روسيا وإيران.
- دخلت المنطقة «أسيا الوسطى والقوقاز ومعها بقية الدول المستقلة بتقسيمتها الجديدة بما فيها روسيا» في أوضاع اقتصادية وسياسية وأمنية صعبة.
فقد سبق انهيار الإمبراطورية السوفيتية وتفتت خريطته الجغرافية تدني الحالة الاقتصادية, كما خلفت عملية الانهيار مزيدًا من الانهيار الاقتصادي والتدهور الأمني وسط مجموعة الدول التي كانت منضوية تحت علم واحد، ثم صارت متصارعة سياسيًا ومتحاربة أحيانا تصفية لحسابات قديمة وسعيًا لمكانة جديدة، فروسيا ورطت نفسها في حربين مكلفتين في الشيشان، وما زالت رحى الحرب الثانية تدور حتى الآن بسبب أطماعها، كما دخلت أذربيجان حربًا مريرة مع أرمينيا صراعًا على إقليم ناجورنو قرة باخ، وهكذا فعلت جورجيا مع أبخازيا، ودخلت دول أخرى في أتون حروب داخلية كما حدث في تاجیکستان وأوزبكستان وغيرها بسبب النزعات التسلطية للحكام أو مصادمتهم لإرادة الشعوب.
وهكذا لم يجر انهيار الاتحاد السوفيتي في هدوء وإنما صاحبة انفجار كبير في المنطقة أشعل فيها حريقًا مهلكًا من الحروب التي قوضت ما بقى قائمًا من أعمدة الاقتصاد. ومن هذا نظرت الدول المتشاطئة إلى نفط قزوین باهتمام بالغ وسارعت إلى اقتناص أي كمية من ثروته علها ترمم اقتصادها المنهار وتحاول أن تقيم أوده من جديد دون انتظار لتحديد الوضع القانوني للبحر.
وقد كان لكل دولة وجهتها وحساباتها الداخلية والخارجية وخططها في عملية استثمار النفط، وهو ما خلق تضاربًا في المصالح وصراعًا وصل إلى حد التهديد باستخدام القوة العسكرية. وبينما أصبح الوضع هكذا امتلأت المنطقة بالثقوب التي نفذت منها قوى دولية طامحة في السيطرة.
وتبلورت خريطة الصراع عند بحر قزوين في طرفين طرف إقليمي يمثل الدول المتشاطئة الخمسة، وطرف خارجي يتمثل في الغرب بقيادة الولايات المتحدة، وتركيا.
الدول المتشاطئة
تعد الدول المتشاطئة «روسيا - إيران - تركيا - أذربيجان – تركمانستان» معنية مباشرة بالصراع الدائر عند بحر قزوين ولكل منها حساباته ومصالحه التي تتلاقى أو تتقاطع مع حسابات غيرها، ولذلك دب الخلاف فيما بينها ونشأت محاور وتكتلات كانت فرصة للطرف الأجنبي للتدخل.
ولم تتحدد بعد الحقوق القانونية للدول المطلة على قزوين بسبب الخلاف الناشب بينها حول الإطار القانوني لهذا «المشاع الدولي»، لأن هناك مفهومين يتجاذبان الدول عن وضع قزوين: هل هو بحر أم بحيرة، فكازاخستان وأذربيجان تعتبرانه بحرًا تنظم التعامل فيه القوانين الخاصة بالبحار، وبالتالي يحق لهما - كما يحق لأي دولة من الدول المتشاطئة - استخراج ما تشاءان من نفطه وفق طاقتهما.
أما روسيا وإيران وتركمانستان فترى فيه بحيرة ينطبق عليها قانون آخر هو قانون تقاسم الموارد بالتساوي بين الدول المتشاطئة. ورغم الإعلان المشترك الصادر عن الدول الخمس في نوفمبر ۱۹۹٦م - ويؤكد التزام الجميع بالتوصل إلى اتفاق حول الوضع القانوني - فإن الجدل ما زال دائرًا، وهو ما صنع حالة من الخلخلة وانعدام الانسجام بين الدول المتشاطئة التي راحت كل منها تتسابق للسيطرة على أكبر قدر من ثروة البحر مستعينة بالشركات الدولية التي تسابقت أيضًا مدعومة من الغرب. وقد بلغ عدد الشركات التي وصلت إلى هناك أكثر من 50 شركة عالمية معظمها أمريكية ثم البريطانية والفرنسية والنرويجية، وبلغ ما أنفقته حتى عام ۱۹۹۸م ٧٤۰۰ مليون دولار، وقد تضاعف هذا الرقم خلال السنوات الأربع الماضية، فالخبراء الغربيون يقدرون الاستثمارات المتوجبة في البحر خلال عشر سنوات ما بين ٥٠ إلى ٧٥ مليار دولار.
كما أن اليابان والصين لم تتغيبا عن محاولة الوجود هناك، فقد دخلت اليابان والصين اليابانيون يتحركون باتجاه أذربيجان وقد يكون تحركًا ضخمًا، فيما فاتحت الصين الآذريين.
وكما اختلفت الدول المتشاطئة على حقوق استخراج النفط فإنها تتصارع على كيفية مد خطوط تصديره إلى العالم، فإيران وروسيا تسعيان لمرور الخطوط في أراضيهما لكن تركيا بمساعدة أمريكية وموافقة آذرية رجحت الكفة ناحيتها.
أما الذي يدير دفة الصراع هناك استخراجًا وإنتاجا وتصديرًا فهي الولايات المتحدة التي سبقت الجميع بالوصول بكثافة إلى أسيا الوسطى والقوقاز عبر المساعدات الاقتصادية وعبر شركاتها العملاقة التي سيطرت على الساحة.
أهمية المنطقة عند أمريكا
تضع الولايات المتحدة المنطقة على قمة أهدافها الاستراتيجية منذ أمد بعيد، فقد كان التحرك الأمريكي المكثف ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان أحد مظاهر هذا الاهتمام، ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي والمنطقة حافلة بتدخلات ومساومات سياسية واقتصادية بين روسيا والولايات المتحدة كانت أشبه بلعبة القط والفأر.
وقد حرصت الإدارة الأمريكية على ألا يكون الصراع عنيفًا، مفضلة منهج الاحتواء لروسيا لكنه خرج إلى العلن بعد أن نضح تحت السطح منذ خمس سنوات. ففي اجتماع لمجلس الأمن القومي الروسي في أغسطس ۱۹۹۷م أعلن الرئيس الروسي آنذاك بوريس يلتسين أن المنطقة ما برحت تنطوي على خطر الانفجار، وأن هناك عددًا من المؤشرات الجديدة يمكن أن تعوق السلام وأن منطقة القوقاز تتقاطع فيها مصالح دول عديدة, وأن مواقع روسيا بدأت تضعف».
منذ ذلك الوقت لم يكف يلتسين عن التحذير من خطورة الوضع، فقد تساءل هل أعلنت واشنطن منطقة القوقاز منطقة مصالح أمريكية؟!
وأكد في مقابلة صحفية قبل تركه الرئاسة بأيام قائلًا: لا يمكننا التغاضي عن الضجة المثارة في بعض الدول حول موارد الطاقة في بحر قزوين واعترف:
«النفوذ الروسي يضمحل في المنطقة.. لقد أصبحت سلامتنا على المحك..»
في هذه الآونة بدأ الأمريكيون يتحدثون صراحة عن أن آسيا الوسطى والقوقاز وفي القلب منها بحر قزوين منطقة لمصالحهم.
ستيفن كينرز وهو أحد المتخصصين والباحثين البارزين في أمريكا يؤكد أن المنطقة تتحول إلى بؤرة صراع دولي سيجعل منها واحدة من المناطق الساخنة في العالم، وأن الولايات المتحدة تقوم منذ مدة بحملة قوية غير معلنة تهدف إلى السيطرة الحاسمة على بحر قزوين وكذلك تفعل روسيا وإيران وقوى إقليمية أخرى. هذه المنافسات الشديدة جعلت من بحر قزوين أحدث ساحة عالمية لسياسات القوى العظمى القادة الروس شديدو الارتياب بمطامع الولايات المتحدة في بحر قزوين، ولا ننسى أن روسيا كانت قد سيطرت على المنطقة خلال أكثر من قرن وهي حانقة جراء ما تعتبره حملة عدائية أمريكية لرميها خارجها.
ويقول أحد الدبلوماسيين الأمريكيين: «هنا نثبت أننا ما زلنا القوة البارزة في المنطقة... الصين وأوروبا وإيران وروسيا.. والآخرون يريدون أن يعرفوا ما إذا كان في استطاعتهم إخضاعنا.. جميع أصدقائنا المزعومين وجميع أعدائنا المزعومين يريدون السيطرة على هذه المنطقة».
ويلخص رجل الأعمال والصناعة الأوروبي لكفرد نوبل الذي حقق ثروة طائلة من نقط قزوین عبر أذربيجان المسالة قائلًا في هذه المنطقة هناك تشابك واضح بين النفط والسياسة والدم.
الذي يبدو أن القوة الزاحفة إلى أفغانستان تسعى لتتلاحم مع القوة الاقتصادية الكبيرة التي زحفت قبل عقد من الزمان إلى آسيا الوسطى وقزوين محققة ذلك التشابه بين النفط والسياسة والدم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل