; قمة الدول الغنية... والمصداقية المفقودة | مجلة المجتمع

العنوان قمة الدول الغنية... والمصداقية المفقودة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1989

مشاهدات 70

نشر في العدد 925

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 25-يوليو-1989

تراجع التفاؤل الأوروبي في القيام بدور إنساني يعكس مبادئ الثورة الفرنسية في الأخوة والمساواة والحرية أمام إصرار الولايات المتحدة على رفض الحوار بين الشمال والجنوب فيما يخص مشكلة الديون، واضعة بذلك مفهومًا جديدًا لروح البيان الذي صدر بشأن أوروبا المحررة، والذي تضمنته اتفاقيات يالطا لعام 1945م، فالبيان اشتمل على نوايا «بخلق ظروف السلام ونجدة الشعوب التي تعاني من أزمات قاسية»، فالمفهوم الجديد لنجدة الشعوب اتضح في موقف الرئيس الأمريكي من قضية الديون العالمية، وحديثه عن توسيع دائرة الحرية في أوروبا الشرقية، ونجدة الجنس الأبيض دون سواه، أي يجب أن تعطى الأولوية لبولندا وهنغاريا وما شابه في المعونات الدولية، أي للمجتمعات الكنسية البيضاء، والتي يسعى الرئيس بوش بكل جهده المادي والسياسي والمخابراتي لتوسيع دائرة الحرية فيها، وإعادة قطعانها الشاردة من المعسكر الشيوعي إلى حظيرة الغرب، ولذلك تتزامن مساعي الفاتيكان لفتح الأبواب الموصدة في أوروبا الشرقية مع الدعوة الأمريكية لتوسيع دائرة الحرية، عن طريق إغراق أوروبا الشرقية بالأموال والمعونات التكنولوجية.. الأمر الذي أسال لعاب الزعيم السوفييتي غورباتشوف ودغدغ مشاعره، ودفعه إلى اعتزام الذهاب إلى الفاتيكان في الأيام القادمة

ولقد تباكت الولايات المتحدة على الديمقراطية الضائعة والحريات المسلوبة في المعسكر الشرقي، ولكن ما يجري للمسلمين في بلغاريا من تشريد وتعذيب لا يدخل في دائرة الحرية التي تزمع توسيعها هناك.. ولهذا لم نسمع لها صوتًا حول ما يجري من تجاوزات.. إذن فدائرة الحرية هذه لا تتسع إلا لأتباع الكنيسة، أما المسلمون في بلغاريا وفلسطين وفي غير مكان فلهم في عرف السياسة الغربية والأمريكية دائرة أخرى اسمها دائرة العبودية والتبعية. ولهذا رفض بوش عقد لقاء بين الشمال والجنوب لمناقشة مشكلة الديون والتي بلغت 1300 مليار دولار، لكنه وجد سعادة غامرة في الجلوس مع زعيم نقابة التضامن ليخ فاليسا في شقته المتواضعة، ودعوته للشعب البولندي لدخول دائرة الحرية حيث الازدهار والاستقرار... هذا الازدهار الذي صنع من المال الحرام المغصوب من ثروات الشعوب إبان عهود الاستعمار، والتي ما زالت تنهب لسداد أقساط الديون وفوائدها المركبة.

إن معظم بلدان الوطن الإسلامي وهو جزء من العالم الثالث تعيش وللأسف على المساعدات الأمريكية والأوروبية.. وجزء كبير من هذه المساعدات يأتي في هيئة مساعدات عسكرية واقتصادية مشروطة... ليس بقصد المساعدة في تحرير الأوطان من الجيوب الاستعمارية الباقية، ولكن لإثارة حروب إقليمية تساعد في تبديد ثرواتها وطاقاتها وإبقائها أسيرة الديون.. وليست المساعدة بقصد توسيع دائرة الحرية، وإنما بتكريس أنظمة تصرف من هذه المساعدات على بناء معتقلات جديدة واستحداث وسائل أبشع في قهر الحرية والديمقراطية... هكذا أوردت الصحف في حينه أن «نادي باريس» وهو أكبر هيئة أوروبية دائنة طلبت من زعيم دولة إسلامية، أن يتصدى بحزم للصحوة الإسلامية في بلاده قبل أن يحظى بجدولة الديون.. أي تضييق دائرة الحرية في بلاد المسلمين وتعبيدهم لغير الواحد الديان.. هذه الروح العدائية للدائنين الغربيين دفعت بمسئول أمني كبير في بلد إسلامي أن يستعدى الدول الأوروبية لمحاربة الصحوة الإسلامية في الخارج واعتبار رموزها العاملين في حقل الدعوة عناصر إرهاب وتخريب.. لماذا؟ لضمان الازدهار والاستقرار!! وكأن الاستقامة والطهر أخطر من أمراض الإيدز والسرطان وانتشار المخدرات والرذائل الخلقية وأكل أموال الناس بالباطل ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج: 8) صدق الله العظيم.

إن الفجوة القائمة الآن بين الدول الغنية والتي يبلغ دخل الفرد السنوي فيها حوالي 16000 دولار بينما يعيش نظيره في الدول الفقيرة على دخل سنوي لا يبلغ خمسين دولارًا سببها الربا والحرب التي يشنها الله ورسوله على المرابين.. فهي نار تستعر وسط ازدهار موهوم.. وحرب وسط الشعوب الأوروبية نفسها.. حرب على الأعصاب والقلوب وحرب على السعادة والطمأنينة.. حرب القلق والخوف من الغد.. ونسب الانتحار المتزايدة تفند مزاعم هذا الازدهار، وما ينفق على بحوث أمراض الإيدز والسرطان والطب النفسي في أمريكا والغرب يقارب مئات الملايين من الدولارات.. هذه الحروب لن تجد لها عوضًا في تلال الإنتاج المادي الذي تخرجه المصانع لأنه إنتاج يخرج من منبع الربا الملوث... وليعلم السبعة الأغنياء- الذين توهموا أنهم بازدهارهم واستقرارهم المزعوم وكأنهم يعيشون في كوكب آخر بعيدًا عن عالم الفقراء- أنهم ليسوا بمنجى من عذاب الله ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (الأنعام: 44).

ولهم في حربين عالميتين دروس وعبر.. حيث شبَّتا كالنار في الهشيم وأتتا على الأخضر واليابس... أما الحرب العالمية الثالثة التي قد تطيح بكل احتمالات السلام وأحلام عالم بوش الجديد في أي لحظة فحدوثها تؤكده سلوكيات الغرب في الاستعلاء والأثرة والإدلاء على الغير بالمكاسب المادية، وتكون هذه السلوكيات مقدمة حرب إلهية يشير إليها الحق سبحانه بقوله ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس: 24).

أما قادة الدول الفقيرة الذين لم ينجحوا في استدرار عطف الكبار فعليهم أن يفكروا مليًّا في الأسباب التي أدت بهم إلى موقف الاستجداء والمسألة.. ويعرفوا أن شعوبًا لن تنهض بقوانين طوارئ.. ولن ينتج مصنع يجاوره معتقل.. ولن يبدع عالم أو يبتكر في ظل القهر والاضطهاد.. ولن يثمر حقل لا يأمن صاحبه على يومه وغده.. ولن يفلح هؤلاء وأولئك بعيدًا عن منهج الله.

 

الرابط المختصر :