العنوان قمة الأمن الصهيوني: الخطوة التالية.. السعي لتجريد دول الجوار من قوتها
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1998
مشاهدات 66
نشر في العدد 1324
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 03-نوفمبر-1998
رغم ما حدث في اتفاقية واي بلانتيشن من تنازلات، إلا أن إسرائيل مازالت وستظل تزايد في خطاباتها الأمنية والاستخباراتية المتعددة على موضوع الأمن، وتوسع دائرته لتشمل التحذير من دول حليفة مثل مصر، ومشاكسة، مثل: سورية وإيران والعراق، والهدف هو ابتزاز نقاط ضعف الإدارة الأمريكية في شخص وسلوكيات الرئيس كلينتون وسحب أكبر قدر من التنازلات الاستراتيجية والمصيرية من العرب باسم السلام.
ويكشف تقرير نشرته مجلة «جينز ريفيو» الاستخباراتية الخاصة تفاصيل نظرة إسرائيل الأمنية المرتبطة بوجودها في المنطقة، واحتمالات المخاطر التي تواجهها من الدول العربية المجاورة. وغير المجاورة، واللافت في التقرير أن إسرائيل بالقدر الذي يغض العديد من العرب الطرف عن خطرها ويطالب بحماسة بدمجها في المنظومة «الشرق أوسطية»، تعتبر جميع العرب أعداءها، مهما تصالحوا معها وتقربوا منها، وتتوقع منهم هجومًا على المدى القصير أو البعيد.
خطر القدرات العسكرية المصرية
ومن ذلك تحذير التقرير من قدرات مصر العسكرية على مصير إسرائيل بالرغم من معاهدة كامب ديفيد؛ حيث لا تستبعد إسرائيل إمكانية اندلاع مواجهة عسكرية بين القاهرة وتل أبيب مهما بدت احتمالات ذلك ضعيفة، تمامًا مثل احتمالات عودة روسيا كلاعب أساسي في المشهد السياسي الدولي، وتكرار سيناريو الحرب الباردة فإسرائيل لم تنس صولاتها وجولاتها الماضية مع مصر، وتعتبرها أكثر الدول العربية على مستوى الرأي العام معارضة لوجودها، وما يزيد مخاوف إسرائيل هو تلك الزيادة الملحوظة في القدرات العسكرية المصرية منذ حرب أكتوبر ۱۹۷۳م؛ حيث زاد عدد الدبابات مثلا من ۲۰۰۰ إلى ٣٧٠٠ والطائرات المقاتلة من ٤٢٠ إلى ٥٧٠ تشمل ١٤٠ طائرة «16-F» الأمريكية المقاتلة.
ومن الأمور التي تبدي لها إسرائيل ندمها هو أنها تخلت بسهولة عن سيناء التي كانت توفر لها عمقًا وأرضية استراتيجية مهمة تمكنها من الاطلاع على تفاصيل ما يدور داخل مصر من استعدادات عسكرية، تمامًا كما في حالة الجولان مع سورية. إلا أنها عوضت ذلك ببديلين أحدهما تقليدي متعلق بأجهزة التجسس والاختراق الاستخباراتي والأقمار الصناعية ومعدات الإنذار المبكر والدبابات الإسرائيلية المتاخمة للحدود المصرية وثانيهما مؤخرًا وهو التحالف العسكري والاستراتيجي بينها وبين تركيا، التي تنظر له مصر ودول المنطقة بقلق وعدم ارتياح، لكن مبدأ الانسحاب الكامل والتعويل على بدائل التجسس والتحالفات مع دول مجاورة لن يكون مقبولًا إسرائيليًا عند التعامل مع ملف الجولان، الذي تؤكد قيادات عسكرية وأمنية في الحكومة الإسرائيلية الحالية أنها لن تنسحب منه تمامًا مقابل سلام مع سورية، ومع ملف الضفة الغربية أيضاً الذي لازال نتنياهو يماطل ويساوم لأجل الانسحاب من نسب مئوية تافهة.
الجبهة الشرقية: الأردن والعراق
كانت إسرائيل ولا تزال تتجنب حربًا مع الأردن لأسباب تتعلق بوجود تفاهم قديم مشترك بين الطرفين، ولعمق تجربة الجيش الأردني في القتال منذ حرب التحرير وحرب الـ ٦٧، وكانت إسرائيل تتحاشى أن تنجر الأردن لحرب ضدها في ٦٧ وأعلنت وقتها بأنها لن تستهدف الأردن إلا إذا ابتدرتها بالاعتداء عليها أولًا، غير أن الأردن - وكما أعلنت وقتها قيادتها - اضطرت لدخول الحرب تضامنًا مع أشقائها العرب، ولا تستبعد إسرائيل أن يتكرر سيناريو التضامن مع الأشقاء العرب مرة أخرى، وإن كان الاحتمال ضعيفًا على ضوء تصورات عمليات السلام، واقتناع القيادة الأردنية بمحادثات التسوية، مهما كانت النتائج وحجم التنازلات الفلسطينية.
لكن السيناريو الأكثر احتمالًا لدى الاستراتيجيين الإسرائيليين هو الهجوم العراقي وهو توقع غير مرتبط بالصواريخ التي أطلقها صدام حسين باتجاه تل أبيب خلال حرب الخليج في ۱۹۹۱م، وإنما منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر؛ إذ سرعان ما نقلت إسرائيل قواتها من سيناء للضفة الغربية ووزعتها بين نهر الأردن والخط الذي يربط بين القدس ونابلس، وهي استراتيجية لم يكن المقصود منها الدفاع عن اليهود ضد أي هجوم فلسطيني محتمل من الضفة الغربية؛ إذ إن ذلك يعالج بطائرات الهليكوبتر والدبابات، وإنما تحسبًا لهجوم عراقي يتطلب تحركًا إسرائيليًا عاجلًا وضمن أرضية استراتيجية قوية وقريبة، لذلك تنظر إسرائيل بقلق شديد لأي نوع من أنواع التقارب السوري - العراقي، لأنها ترجح بأن بغداد لن تشن هجومًا عسكريًّا عليها إلا متحالفة مع دمشق، من هنا تسعى إسرائيل لترتيب أوراقها مع سورية؛ لأن ذلك يعني تحييد الخطر العراقي وربما الخطرين الإيراني واللبناني أيضًا.
الجبهة الشمالية: لبنان
تعتبر إسرائيل الخطر اللبناني على أمنها امتدادًا طبيعيًا للخطر السوري، بسبب القوات السورية في لبنان والدعم الذي تقدمه دمشق لقوات حزب الله، ومن دون المعادلة السورية، فإن إسرائيل تزعم أنه وإن كان احتمال غزوها لبنان مرة أخرى واردًا كما فعلت في ۱۹۸۲م، إلا أن ذلك سيكون مستبعدًا على الأقل في الوضع الحالي؛ إذ إن الرأي العام الإسرائيلي لا يريد أن يورط القوات الإسرائيلية في حرب اقتتال تستنزف قدراته، كما أثبتت ذلك عمليات حزب الله الأخيرة ضد القوات الإسرائيلية في الجنوب.
يبقى الخطر السوري قائمًا، ولا سيما أن القدرات العسكرية السورية تطورت بشكل نوعي ملحوظ منذ حرب ۱۹۷۳م؛ حيث كان الجيش السوري في تلك السنة مكونًا من ١٢٠ ألف جندي و۱۲۰۰ دبابة، مقارنة بـ ٢١٥ ألف جندي و٤٣٠٠ دبابة حالياً منها ١٥٠٠ مصنوعة في روسيا، ۲۰۰ في أوكرانيا، وصواريخ أرض - أرض بعدى يصل إلى ۱۲۰ كيلو متراً، كما تتكون القوات السورية الجوية الآن من ٦٠٠ طائرة مقاتلة، وهو ضعف ما كانت تملكه ١٩٧3م غير20 طائرة su-24 هجومية و٢٠ طائرة MiG-29 مقاتلة، لكن معظم هذه الطائرات يحتاج لتحديث.
وتعرض مجلة «جاينز ريفي» الاستخباراتية الخاصة صورًا صورتها الأقمار الصناعية الإسرائيلية «أفق-3» لأهم المواقع العسكرية السورية، وطبيعة المعدات العسكرية في كل موقع بدقة، وكانت إسرائيل قد أطلقت قمرها الصناعي «افق -3» في أبريل ١٩٩٥م بهدف جمع المعلومات العسكرية والاستراتيجية من الدول العربية المجاورة؛ حيث يدور القمر الصناعي حول العراق وإيران وسورية ولبنان كل 90 دقيقة على بعد ٥٠٠ كيلو مترًا، وعندما قارب «أفق- 3» على الانتهاء من دورته سعت إسرائيل لإطلاق قمر ثان «افق -4» للقيام بالمهمة نفسها، وذلك في ٢٢ يناير ۱۹۹۸م غير أن محاولة إطلاقه كانت فاشلة.
وفيما إذا قررت إسرائيل الانسحاب من الجولان، فيتحتم عليها مناقشة عدة قضايا أمنية واستراتيجية تتعلق بمصادر المياه، وحجم منطقة نزع السلاح، وعدد المراقبين من القوات الدولية بين الدولتين، والأهم مصير ۱۳ الف مستوطن إسرائيلي يعيشون على الهضبة، ومع أن الانسحاب بالنسبة للجولان لن يعتبر تنازلًا دينيًا عن الأرض المقدسة لعدم وجود روابط تاريخية كالروابط المزعومة في فلسطين، إلا أن الحزب السياسي اليهودي المتشدد الطريق الثالث أنشئ خصيصًا لأجل المطالبة بالحفاظ على الجولان والتحذير من العواقب الدينية والدنيوية في حالة الانسحاب منه. عندما لاحت لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إسحاق رابين فكرة التخلي عن الهضبة ويعرف نتنياهو تمامًا تداعيات طرح الانسحاب من الجولان الآن على تحالفاته الهشة مع الطريق الثالث والأحزاب اليهودية الورقية المتطرفة الأخرى على مصيره الانتخابي.
غير أن السؤال الذي يطرحه العسكريون الإسرائيليون على الدوام يتعلق باحتمالات أن تقوم سورية بشن هجوم عسكري على القوات الإسرائيلية المرابضة على هضبة الجولان؟ ويعتقدون بناء على تقارير استخباراتية إسرائيلية وأمريكية أن ذلك مستبعد وليس كما كان يعتقد في السابق، أي أن سورية تعد لمواجهة عسكرية وشيكة، حسب معلومات استخباراتية إسرائيلية تبين أنها مكذوبة، وفي مارس ۱۹۹۸م أعلن قائد القوات الإسرائيلية في الجبهة الشمالية تقييم إسرائيل النهائي للوضع السوري قائلًا: إن الرئيس السوري ينس من إمكانية أن يحصل على الجولان عبر الوسائل والقنوات الدبلوماسية؛ ولذا فإنه لم يطرح الخيار العسكري جانبًا.
الخطر الإيراني
يسعى الإسرائيليون لتحديث وتطوير معداتهم العسكرية باستمرار من المساعدات المادية والعسكرية التي يحصلون عليها من الولايات المتحدة، مهما كان حجم الخطر الذي يواجههم من الدول العربية المحيطة ضعيفًا، فمنذ حرب ۱۹۷۳م. وقوة الإسرائيليين العسكرية في تزايد واضح؛ حيث تشير الإحصاءات العسكرية «المعلنة» إلى أن عدد الدبابات زاد من ۱۷۰۰ إلى ٤۳۰۰ تشمل ۱۰۰۰ دبابة إسرائيلية الصنع، ومع أن عدد الطائرات المقاتلة لم يزد «حسب الإحصاءات» إلا أن نوعيتها تحسنت بالنسبة لقدراتها على التحليق وقصف أي منطقة في الشرق الأوسط وشهد عدد أفراد الجيش تزايدًا أيضًا بسبب موجات هجرة اليهود من روسيا ودول الاتحاد السوفييتي «سابقاً» لتل أبيب.
غير أن أكثر ما يقلق الاستراتيجيين العسكريين الإسرائيليين هو أن يحصل أي من الدول العربية على قدرات صاروخية عابرة ومحملة برؤوس بيولوجية وكيماوية ونووية.
وهناك مخاوف إسرائيلية من محاولات إيران تحديث صواريخ «شهاب- 3» و«شهاب -4» ونوايا عراقية مماثلة وقدرات سورية خفية.
لكن الذي يقلق الإسرائيليين جِدًّا هو المساعي الإيرانية لتطوير صاروخ «شهاب - 3» بمساعدات من كوريا الشمالية وروسيا بمدى يصل إلى ۱۲۹۰ كيلو مترًا، و«شهاب -4» بمدى يصل إلى ٤٠٠٠ كيلو مترًا، وتزعم إسرائيل أن إيران تقوم أيضاً بتطوير صاروخين مشابهين أحدهما يصل مداه إلى ٥٥٠٠ كيلو مترًا، والآخر إلى ۱۰۰۰۰ كيلو متراً. وتمارس إسرائيل ضغوطًا على الولايات المتحدة لوقف تلك الأنشطة المزعومة، وتقوم واشنطن بالنيابة بتخويف دول المنطقة من خطورة النوايا الإيرانية على الخليج.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل