العنوان قلق في تركيا والغرب بعد تعيين أول وزير خارجية يعادي الغرب والصهيونية
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1994
مشاهدات 63
نشر في العدد 1111
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 09-أغسطس-1994
· قلق شديد في أمريكا والعواصم الأوروبية بسبب تعيين سويسال وزيرًا لخارجية تركيا
· وزير الخارجية التركي الجديد من المعادين للصهيونية والغرب ويعتبر الكيان الصهيوني دولة استعمارية في المنطقة.
شهدت تركيا خلال الأسبوع الأخير من يوليو تموز الماضي تعديلًا وزاريًا مهمًّا طال 9 وزراء من جناح الحزب الاجتماعي الشعبي الديمقراطي الشريك الأصغر في الحكومة التي تتزعمها تانسو تشيللر. زعيمة حزب الطريق القويم، ويعتبر التغيير الأخير هو الأول في صفوف الحزب الاجتماعي وترجع أهمية ذلك لتولي البروفيسور ممتاز سويسال. أستاذ القانون الدولي الدستوري. والمعادي للغرب منصب وزير الخارجية خلفًا لحكمت شتين الذي اعتبره الغرب وزيرًا مثاليًا وهو الأمر الذي دفع وارن كريستوفر. وزير الخارجية الأمريكي إلى التصريح بأنه حزين لابتعاد شتين عن منصبه في ذلك التوقيت الهام، جدير بالذكر أن شتين أول وزير خارجية تركي قام بزيارة إلى الكيان الصهيوني فاتحًا بذلك الطريق إلى علاقات أوثق بين تركيا والكيان الغاصب اتضحت ملامحها من خلال الزيارات الصهيونية المتعددة لتركيا.
ارتياح داخلي وقلق غربي
ورغم الارتياح الشعبي لتعيين سويسال في منصب وزير الخارجية إلا أن القلق انتاب العواصم الغربية جميعًا علاوة على وسائل الإعلام هناك التي علقت على تعيينه بقولها "جيرونوفسكي التركي أصبح وزيرًا للخارجية" على حد قول صحيفة براينر زتيونج الألمانية كما أن الإدارة الأمريكية لم تخف استياءها لتركيا عبر سفيرها في أنقرة إزاء ذلك التغيير الذي اعتبرته مفاجئًا ويأتي في توقيت غير مناسب ويصب في خانة الأعمال العدائية للمصالح الأمريكية.
ويعتبر سويسال من صقور الحزب الاجتماعي ومن أشد المعارضين لمراد قرة يلتشين- زعيم الحزب ومن أكثر المنتقدين لسياسة الحكومة الائتلافية.. وهو ما يمكن رصده من مواقفه في مجلس الشعب التركي أو فيما يكتبه من مقالات في الصحف، وخير دليل على ذلك الدعوى القضائية التي رفعها سوسيال ضد تانسو تشيللر أمام المحكمة الدستورية يطعن فيها خطتها لخصخصة القطاع العام، علاوة على دعوى أخرى ضد قرار مجلس الشعب الخاص بمنحها صلاحياته في غيابه، وهو الأمر الذي دفع صحيفة "لوسوار" البلجيكية إلى وصف ذلك بأن السيدة تشيللر "أدخلت فيلًا في محل زجاج" وأن ذلك التغيير سيزيد من حرارة الأجواء في السياسة التركية.
ورغم أن الذي قام بتغيير الوزراء هو مراد قرة يلتشين زعيم الحزب الاجتماعي فإن ذلك لا يمكن أن يتم بعيدًا عن أعين رئيسة الوزراء خاصة ذلك الذي سيتم تعيينه في منصب وزير الخارجية، كما أن ذلك التعيين لا يمكن أن يأخذ صفته الدستورية دون موافقة رئيس الجمهورية سليمان دميريل عليه وهو ما يعني أنه تمت إحاطته بالأمر قبل تعيين سويسال خاصة وأن الصحف نشرت أخبارًا عن ذلك التغيير قبل حدوثه أيضًا.
وبالتالي لا يمكن القول إن التغيير الذي حدث يعتبر أمرًا حزبيًا داخليًا فقط أراد به مراد قرة يلتشين إرضاء سويسال واحتواء معارضته الشديدة جدًا له وإن كان لا يمكن تجاهل هذا الاحتمال والذي يعتبر أمرًا ثانويًا بجانب أن يكون ذلك التعيين رد فعل تركيًا غاضبًا على المواقف الغربية ضد تركيا، والتي كان آخرها موافقة الكونجرس الأمريكي على خصم 10% من المساعدات العسكرية الأمريكية المقرر منحها لتركيا في موازنة العام المالي المقبل 1995 م، ليصبح المبلغ الذي ستحصل عليه أنقرة 1,328 مليون دولار، وذلك بسبب انتهاك تركيا لحقوق الإنسان وعدم حل المشكلة القبرصية، وكانت اللجان الفرعية قد اقترحت خصما 25% من المبلغ المقرر 364 مليون دولار، واشترطت عدم استخدام الأسلحة التي سيتم الحصول عليها بمقتضى ذلك المبلغ في عمليات الأمن الداخلي- أي ضد الأكراد- وهو الأمر الذي أدى إلى ردود فعل عنيفة ضد واشنطن على ألسنة كافة المسؤولين الأتراك حيث رفضوا تلك المعونة المشروطة وهو ما حدا بالرئيس الأمريكي إلى الضغط لتقليل نسبة الخصم ورفع شروط المعونة.
إلا أن الأتراك أرادوا من جانبهم إيصال واشنطن رسالة فحواها أنه لا يمكن قبول الضغط طوال الوقت وكان عنوان ذلك تعيين سويسال وزيرًا للخارجية وهو المعروف بعدائه للولايات المتحدة ومن المعجبين بالزعيم الليبي معمر القذافي ومن المؤيدين لديكتاتور العراق صدام حسين ومن الرافضين لقوة المطرقة "الانتشار السريع" ويقود تجمع النواب المعارض في مجلس الشعب لذلك التمديد، ويعتبر المراقبون أن ذلك التعيين الخطوة الأولى من جانب أنقرة في مجال عدم التجديد لعمل هذه القوات في جنوب شرق الأناضول والذي سينتهي عملها في نهاية العام الحالي.
أسباب تعيين سويسال
ويمكن إجمال أسباب تعيين البروفيسور ممتاز سويسال- مواليد 1929- ونائب أنقرة عن الحزب الاجتماعي في النقاط التالية:
أولًا: رغبة مراد قرة يلتشين- زعيم الحزب الاجتماعي في احتواء معارضة ممتاز سويسال له من خلال إشراكه في المسئولية الوزارية لسحب بساط المواقف العنترية من تحت قدميه وفي نفس الوقت محاولة تجميل وجه الحزب الذي تشوه بسبب مشاركته في اتخاذ قرارات تتعارض مع برنامجه الاشتراكي خاصة في مجال خصخصة القطاع العام، وبالتالي فإن إشراك سوسيال المعارض للخصخصة وصاحب الآراء الجريئة التي تعجب الشعب وترضي غروره يمكن أن تعيد الرونق لوجه الحزب قبل الانتخابات البرلمانية عام 1996 م خاصة وأن نتائج الانتخابات المحلية في مارس أشارت إلى تراجع شعبية ذلك الحزب.
ثانيًا: رغبة أنقرة في تهديد الغرب بشكل غير مباشر من إمكانية خروج تركيا من المدار الغربي إذا استمرت الدول الغربية في اتخاذ مواقف داعمة للأكراد ضد حكومة أنقرة والهجوم الدائم على تركيا بسبب ملف حقوق الإنسان، فكان لا بد من تعيين سويسال المناوئ للغرب، والذي يرفض دخول تركيا المجموعة الأوروبية ويعارض السياسة الأمريكية في المنطقة ويؤمن بأن دور تركيا الحقيقي يجب أن يكون في إطار العالم الثالث.
كما أنه من المؤيدين للاتحاد السوفيتي السابق وأعلن تأييده لانقلاب العسكر ضد جورباتشوف آخر الرؤساء السوفيت الذي تسببت سياسته في تفتيت الاتحاد السوفيتي كما أعلن تأييده أيضًا للسلطات الشيوعية الصينية عندما ضربت بعنف تحرك الطلاب في ميدان تيانانمن والتي عرفت إعلاميًا باسم أحداث الديمقراطية.
موقف الصحف الغربية
ولذلك قالت صحيفة أثينوس اليونانية بأن العواصم الأوروبية تعيش حاليًا حالة من القلق بسبب تولي سويسال الذي لم يبتعد عن الأيديولوجية الشيوعية القديمة وزارة الخارجية التركية.
وقالت صحيفة "برلينر زيتونج" الألمانية: إن جيرونوفسكي التركي أصبح وزيرًا للخارجية والذي يرى أن الاتحاد الجمركي خطر على تركيا.
أما صحيفة "شتوتجارت زيتونج" الألمانية فقالت: إن الائتلاف الحكومي سيهتز مع تولي وزير معروف بقوميته الزائدة وزارة الخارجية وأن السياسة التركية الخارجية لم تواجه موقفًا كهذا من قبل.
بينما قالت صحيفة "لوسوار" البلجيكية إن تعيين سويسال وزيرًا للخارجية أثار الذعر والقلق لدى الدبلوماسية الغربية، وأنه سيعرقل كل الجهود لدخول تركيا الاتحاد الأوروبي وسيواجه الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد الأوروبي وأنه إذا كان هناك بعض المعارضين يتغيرون عند تولي المناصب فإن سوسيال ليس من هؤلاء.
وقالت صحيفة "لاليبر بلجيك" إن سويسال سيعارض الاتحاد الجمركي واشتراك تركيا في الاتحاد الأوروبي كما أنه معارض للناتو وقوة المطرقة، وسياسي عالم ثالث- أي يتبنى أفكار العالم الثالث.
وهذه العينة من تعليقات بعض الصحف الأوروبية تشير إلى المخاوف الغربية من تولي ممتاز سوسيال منصب وزير الخارجية التركي.
ثالثًا: ممارسة ضغوط غير مباشرة على دول الخليج لدفعها لتعويض تركيا عن خسائرها البالغة -طبقًا للتقديرات التركية- حوالي 20 مليار دولار بسبب الحظر الدولي المفروض على النظام العراقي، خاصة وأن سوسيال كان من مؤيدي صدام حسين أثناء احتلاله للكويت، ولذلك وصفت وكالة أنباء "الأسوشيتدبرس" "AP" تولي سويسال لذلك المنصب بأن وزيرًا من مؤيدي صدام أصبح وزيرًا للخارجية التركية.
رابعًا: توجيه رسالة لليونان فحواها أن تركيا تستعد للمواجهة السياسية مثلما تستعد عسكريًا حيث إن سويسال معروف بعدائه الشديد لليونان، وفي هذا الإطار عقد اجتماع مجلس الأمن القومي التركي يوم 28/7/1994 م، برئاسة سليمان دميريل وحضره سويسال على أساس أن وزير الخارجية من أعضاء هذا المجلس، وصدرت تعليمات وتم اتخاذ قرارات بأن تقوم الطائرات التركية بضرب أي طائرة يونانية تتعدى المجال الجوي لبحر إيجه وهو 6 أميال، واعتبرت تركيا أن محاولة مد الحدود الإقليمية سواء في البحر أو الجو يعتبر عدوانًا مما سيشعل الحرب.
والسؤال المهم هنا هو: هل ستتغير السياسة الخارجية التركية أم تظل ثوابتها كما هي مع إضافة بعض "البهارات" عليها؟
الإفادة الأولى جاءت على لسان ممتاز سويسال- وزير الخارجية التركي الجديد- على ذمة فاتح تشكيرجه- في مقال بصحيفة "حريت" يوم 31/7/1994م حيث رد على سؤاله عن تصرف سويسال كوزير للخارجية فرد قائلًا: لو استخدمت تعبيرات شديدة الآن ستقولون سيفسد كل شيء وإذا تصرفت بنعومة ستقولون لقد تم شراء الخوجة "أي الأستاذ".
والتغيير المؤكد سيكون في القضية القبرصية؛ حيث إن سويسال كان مستشارًا سياسيًا لرؤوف دنكطاش- رئيس جمهورية شمال قبرص التركية- والداعم الأساسي لمواقفه التي يراها الغرب متشددة، ويرفض سويسال بشدة الانسحاب من أي شبر تم استرداد القبارصة الأتراك له، وهذا يعني تأجيل حل القضية القبرصية ورفض مقترحات السكرتير العام للأمم المتحدة بطرس غالي الخاصة بالحل والتي تأتي لمصلحة الجانب اليوناني، وهو الأمر الذي سيغضب واشنطن بالتأكيد لأن كلينتون كان قد وعد اللوبي اليوناني أثناء حملته الانتخابية بحل المشكلة.
كما أن تولي سويسال حقيبة الخارجية يعني اتخاذ أنقرة سياسة خارجية متشددة في البلقان وآسيا الوسطى وضد اليونان، حيث إن سويسال يعتبر من القوميين الغلاة ويدافع عن كافة الشعوب ذوي الأصول التركية أو التي كانت على صلة تاريخية بالأتراك أيضًا، وبالتالي فإن ذلك سينعكس إيجابيًا على قضية البوسنة والهرسك وعلى ألبانيا ومقدونيا في البلقان وأذربيجان في القوقاز، حيث لن تضطر أنقرة بعد ذلك لاستخدام الدبلوماسية الناعمة للتعبير عن مواقفها إرضاء للغرب واحتواء لغضب الشعب وسيقوم سويسال بالتعبير عن المواقف الشعبية بصيغة قانونية ودبلوماسية فقط.
أما فيما يخص الملف العراقي والعلاقات مع الدول العربية فإن سويسال يعتبر رجل المرحلة خاصة وأن أنقرة تخطو حاليًا باتجاه تطبيع العلاقات مع بغداد وخرق الحظر الدولي وتسير في اتجاه عدم التجديد لقوات الانتشار "قوة المطرقة" وبالتالي فإن مجيء سويسال في التوقيت الحالي يعتبر متوافقًا مع الاتجاه السياسي الحالي لتركيا، كما أنه في نفس الوقت مطمئن لسوريا حيث لم تصدر عنه مواقف عدائية أو استفزازية ضدها بسبب موضوع المياه، كما أنه يدعم العلاقات التركية- العربية، وله الكثير من المواقف المعادية للصهيونية والداعمة للعرب في صراعهم ضد ذلك الكيان الغاصب.
كما أن ذلك التعيين سيصب لمصلحة تفعيل الدور التركي في التكتلات الإقليمية مثل منظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة التعاون الاقتصادي مع باكستان وإيران وأفغانستان وكازاخستان وأذربيجان وتركمانستان وطاجيكستان وقيرغيزستان وأوزبكستان، وكذلك منظمة التعاون الاقتصادي لدول البحر الأسود.
ورغم عدائه الشديد للغرب فإنه لن يتمكن بسهولة من تغيير السياسة التركية تجاه الغرب لأنها إحدى الثوابت في السياسة الخارجية التركية ولكنه يستطيع من خلال ما سيحصل عليه من وثائق ومعلومات بحكم منصبه عن حلف الناتو والقواعد الأمريكية أن يتخذ مواقف قد تحرج الحكومة التركية خاصة وأن سويسال من الشخصيات المبرمجة وفقًا لقناعاتها الشخصية ولا يمكن إعادة برمجته من جديد وفق السياسة القائمة كما أنه يمكنه الحد من السير في اتجاه دخول تركيا النادي الأوروبي من خلال دعم كوادر الخارجية بالعناصر المناوئة للتوجه التركي نحو الغرب.
وإن كانت السياسة الغربية الحالية تجاه تركيا يمكن أن تدعم سويسال في اتخاذ مواقف متشددة تجاه الغرب خاصة وأن تركيا في بعض القضايا ذات الصبغة القومية تتخذ قراراتها وفقًا لمصالحها مثلما حدث عند التدخل في قبرص عام 1974م.
وعمومًا فإن أهم سمات مرحلة سويسال ستكون الحد من الاندفاعية التركية تجاه الغرب ومحاولة إبراز دورها الإقليمي وتأكيد ارتباطها مع دول العالم الثالث، وإذا كان سويسال من الحزب الاجتماعي الشعب الديمقراطي ومن غلاة القوميين والاشتراكيين فإنه ليس مثل منتسبي هذا الحزب المعادي للإسلام حيث إنه لا يظهر أي عداء للدين الإسلامي ولم يهاجم مطلقًا الإسلام وإن كان أيضًا لا يتبنى مفاهيمه، إلا أن اقتراحات حزب الرفاه الإسلامي في العام الماضي عندما كان يتم اختيار رئيس للجمهورية التركية كان منها ترشيح ممتاز سويسال لهذا المنصب يعني أن هناك نقاط اتفاق على المستوى الاستراتيجي بين سويسال والرفاه أهمها الموقف المعادي للغرب والإمبريالية الأمريكية، ومن هنا يفهم أسباب الذعر الأمريكي والغربي من تعيين سويسال وزيرًا للخارجية خاصة وأن سويسال من المعادين بشكل علني للصهيونية العالمية ويعتبر الكيان الصهيوني دولة استعمارية في المنطقة يجب مواجهتها، وكتاباته المنشورة وتصريحاته المعلنة تؤكد ذلك.