; قطوف تربوية حول قصة الثلاثة والصخرة (٣من ٦) دعوات... حركت الصخور | مجلة المجتمع

العنوان قطوف تربوية حول قصة الثلاثة والصخرة (٣من ٦) دعوات... حركت الصخور

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1994

مشاهدات 89

نشر في العدد 1087

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 08-فبراير-1994

القوة الدعائية

عندما يسمع المسلم أمره سبحانه بالدعاء ثم تحذيره للذين يستكبرون عن التوجه لله بأن يوجهوا أذلاء صاغرين لجهنم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60) فإنه يستمسك بهذا السلاح، ولا يفرط فيه. وفي طريقه المبارك، يدرك بتجربته الشخصية أن للدعاء أسرارًا مباركة وقوة مادية، لا يدرك سرها إلا من عايش جو هذه الآية: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (النمل: 62) «فالمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء ذلك حين تضيق الحلقة، وتشتد الخنقة، وتتخاذل القوى وتتهاوى الإسناد، وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردًا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص لا قوته، ولا قوة في الأرض تنجده. في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان نسيه من قبل في ساعات الرخاء ويزداد المسلم يقينًا بموعود ربه، حينما يجد أن هذه «القوة الدعائية التي استشعرها ليست إلا إحدى القوى الربانية التي يمن بها سبحانه على عباده إن هم صدقوا في التوجه إليه واللوذ بجانبه، ويشعر أنها من جنس تلك القوة التي اكتسبها في بداية طريقه المبارك ألا وهي القوة الاستغفارية والتي استشعرها عندما استجاب لنداء التوبة، وأحسن الظن بموعوده سبحانه ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 52).

«وننظر في هذا الوعد، وهو يتعلق بإدرار المطر ومضاعفة القوة وهي أمور تجرى فيها سنة الله وفق قوانين ثابتة في نظام هذا الوجود من صنع الله ومشيئته بطبيعة الحال، فما علاقة الاستغفار بها وما علاقة التوبة. فإما زيادة القوة فالأمر فيها قريب ميسور، بل واقع مشهود، فإن نظافة القلب والعمل الصالح في الأرض يزيدان التائبين العاملين قوة يزيدانهم صحة في الجسم بالاعتدال والاقتصار على الطيبات من الرزق وراحة الضمير وهدوء الأعصاب والاطمئنان إلى الله والثقة برحمته في كل آن، ويزيدانهم صحة في المجتمع بسيادة شريعة الله الصالحة التي تطلق الناس أحرارًا كرامًا. كما تطلقان طاقات الناس ليعملوا وينتجوا ويؤدوا تكاليف الخلافة في الأرض»(1).

وكانت وصايا الحبيب صلى الله عليه وسلم بالدعاء تفوق الحصر منها: «الدعاء هو العبادة»(2). وكذلك كانت وصايا مصابيح أمتنا، ومنها هذا النكير الذي أرسله الإمام الشافعي -رحمه الله- على من يستهزئون بالدعاء:

أتهزأ بالدعاء وتزدريه *** وما تدري بما صنع الدعاء

سهام الليل لا تخطي *** ولكن لها أمد وللأمد انقضاء

فيرسلها إذا ما شاء ربي *** ويمسكها إذا حم القضاء

ضوابط وآداب

ولأن المسلم يعلم أن لكل قوة ضوابط حتى تؤتي أكلها، لذا كان عليه أن يلتزم بالآداب العشر لسلاح الدعاء:

الأول: أن يترصد الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة ورمضان من الأشهر، ويوم الجمعة من الأسبوع، ووقت السحر.

الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة كحال الزحف في سبيل الله. وعند نزول الغيث، وحالة السجود.

الثالث: أن يدعو مستقبلًا القبلة، ويرفع يديه.

الرابع: أن يخفض الصوت بين المخافتة والجهر.

الخامس: ألا يتكلف السجع في الدعاء.. والأولى الاهتمام بالدعوات المأثورة.

السادس: أن يتضرع ويخشع رغبةً ورهبةً.

السابع: أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه فيه.

الثامن: أن يلح في الدعاء ويكرره ثلاثًا، ولا يستبطئ الإجابة.

التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله، وأن يصلي عليه صلى الله عليه وسلم ويختتم بها.

العاشر: وهو الأدب الباطن، وهو الأصل في الإجابة أن يسبق الدعاء التوبة ورد المظالم(3).

وفي قصة الثلاثة والصخرة كان فيها من الملامح التربوية، أنها أتت بدليل مادي حي ينطق للمسلم ألا يستهين بسلاح الدعاء في معركته الخالدة مع شياطين الإنس والجن، وفي ميدانيها الأول الداخلي ومجاله الضمير البشري، والآخر الخارجي ومجالاته المتعددة بتعدد أعداء مسيرته الدعوية المباركة،

وكان من أسرار استجابة الله عز وجل لدعوات هؤلاء الممتحنين: أولًا: أنها صعدت كأنات قلوب تعاني لحظات الكربة وكزفرات نفوس تصارع محنة فقد الأسباب الأرضية، وتعيش مقام المضطر. ثانيًا: أنها ارتكنت على أعمال خفية مخلصة، وهي أحد أنواع التوسل المشروعة، فنحن نعلم أن التوسل المشروع الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وجرى عليه عمل السلف الصالح وأجمع عليه المسلمون هو:

1-     التوسل باسم من أسماء الله تبارك وتعالى أو صفة من صفاته.

2-     التوسل بعمل صالح قام به الداعي.

3-     التوسل بدعاء رجل صالح، بأن يدعو ويؤمن على دعائه. وأما ما عدا هذه الأنواع من التوسلات ففيه خلاف والذي نعتقده وندين لله به أنه غير جائز ولا مشروع.

4-     ثالثًا: أنها كانت إحدى الثلاث دعوات المستجابات كما بشرنا الحبيب صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» (5).

5-     رابعًا: أنها أتت بملمح تربوي عظيم ألا وهو (بركة الدعاء الجماعي) فتأمل القصة تجد أن نتيجة الدعوة المخلصة الأولى: فانفرجت الصخرة شيئًا لا يستطيعون الخروج منه، ونتيجة الدعوة الثانية: فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها حتى كان الفرج مع نتيجة الدعوة الثالثة: فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون. ولا ينبئك مثل هذا الملمح الطيب خبيرًا يبرأ بك عن خطر الفردية في السفر والدعاء وسائر الأعمال، وإياك ومصير الشاة القاصية، كما حذرك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة العامة»(6).

مسير ة.. وغيران.. وصخور

والمسيرة الدعوية الحديثة في محاولتها لمجاوزة مفاوز الجاهلية المعاصرة لتحقق أهدافها العظام، تتعرض لمحاولات ماكرة ومتجددة للحصار في غيران متنوعة من التجهيل والتعتيم والتشويه وللإعاقة بصخور متنوعة ومتعاظمة، ولا مخرج بعد العمل الجاد، إلا بدعوات مخلصة بأعمال صالحة خفية خالصة من دعاة يعيشون مقام المضطر وتظللهم بركة جماعية العمل، ويحدوهم وصايا الحبيب صلى الله عليه وسلم ومن سار على دربه المبارك من رائدي التجديد المعاصر، الذين أهابوا بحاملي راية الخير أن يتدرعوا بسلاح الدعاء وجعبة الوصايا دومًا لا تنفد منها: «سنستعين عليهم بسهام القدر ودعاء السحر»، ولم تزل دعوات كل غروب تهيب بأبناء «رابطة الخير» للمحافظة والتمسك بها، عسى الله أن يوثق عراها وأن يديم ودها ويهديها سبلها.

الهوامش:

1- في ظلال القرآن: سيد قطب 12 / 1897.

2- رواه أبو داود وحسنه الترمذي.

3- تهذيب موعظة المؤمنين: القاسمي 70 – 72 بتصرف.

4- التوسل وأنواعه وأحكامه: الألباني 41.

5- رواه أبو داود وحسنه الترمذي.

6- رواه أحمد وصححه الألباني.


مشكلات وحلول في حقل الدعوة

المشكلة: ضعف القيادة

الحل:

1- التفويض والتخلص من المركزية.

2- الاستماع لجميع وجهات النظر وأتقن الإصغاء كما تتقن الحديث.

3- التعرف على خصائص جميع الأفراد العاملين.

4- توزيع الطاقات كل على ما يناسب قدرته.

5- اتخاذ القرارات جماعيًا.

6- بذل كل الأسباب لكسب الأفراد، وكسب ثقتهم.

7- الحزم باتخاذ القرارات في القضايا المعلقة.

8- اللقاء الفردي مع كل فرد، وفتح باب المصارحة مع توفير جو الطمأنينة للتعبير عن مكنونات القلب.

9- الاستفادة من خبرات القياديين في مجالات متشابهة.

10- التماس العذر للأفراد، وعدم إحراجهم عند كسلهم أو عدم قيامهم بما هم فيه.

11- التواضع للجميع، والعيش في مشاكلهم، ومشاركتهم معاناتهم.

12- العمل على قضاء حوائجهم وحل مشكلاتهم.

13- العمل على إيجاد جو أخوي بين الأفراد.

14- المتابعة الجيدة للتكاليف.

15- تقليل التدخل في التكاليف إلا من باب التوجيه أو المساعدة، لأن هذا من شأنه أن يترك أثرًا سلبيًا في نفسية المكلف بضعف الثقة في قدرته على إنجاز العمل المكلف فيه.

16- القدوة في كل شيء، وخاصة في الحضور للأنشطة ودفع الاشتراكات والقيام بالتكاليف، لأن لذلك الأثر الإيجابي الكبير في نفوس الأفراد.

17- وضع خطة لكل محمل، ومهام محددة لكل فرد.

18- اعتماد مبدأ الحوافز، ليكون ذلك دافعًا من دوافع العمل وزيادته النوعية والكمية.

19- إشعار الأفراد بالتقدير لما يقومون به من الأعمال.

20- تقييم كل نشاط يقوم في المؤسسة لتلافي السلبيات في المستقبل والتأكيد على الإيجابيات.

21- تربية قيادات أخرى تنوب عن القائد عند حالات الطوارئ.

22- الارتقاء بمستوى الأفراد لزيادة الإنتاجية.

23- وضع أجندة لكل لقاء حرصًا على الوقت.

24- وضع البدائل في كل تكليف وبرنامج، ومثالاً على ذلك عند تكليف أحد الأفراد بالقيام بعمل ما، لابد من تعيين بديل للقيام بالعمل نفسه عندما يحدث طارئ للمكلف فيه، وإذا ما تم الاتفاق مع محاضر لإلقاء محاضرة، لابد من وضع البديل في حالة الاعتذار.

الرابط المختصر :