العنوان قطوف تربوية حول قصة التائب كعب رضي الله عنه .. فرج مع الفجر
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1993
مشاهدات 69
نشر في العدد 1048
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 04-مايو-1993
كان من فضل الله على هذه الأمة أن جعل الرسالة التي أوتيتها رسالة خاتمة، وشهد لها سبحانه بالخيرية فقال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110)، ووضح الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فقال: «أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها عند الله» (رواه الترمذي وحسنه).
فهي أمة ذات دور خاص، لها مقام خاص، ولها حساب
خاص، وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة؛ لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها
أخرجت لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة، بما أنها هي خير أمة. والله يريد أن تكون
القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض، ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من
أمم الجاهلية، إنما ينبغي دائما أن تعطي هذه الأمم مما لديها، وأن يكون لديها
دائما ما تعطيه؛ من الاعتقاد الصحيح، والتصور الصحيح، والنظام الصحيح، والخلق
الصحيح، والمعرفة الصحيحة، والعلم الصحيح. (انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب).
ولكن هذا التكريم العظيم كان له ثمن عظيم
أيضا؛ فهي خيرية مشروطة، والمقام الرفيع له مقتضياته؛ فهو مشروط بواجب ثقيل وضعه
سبحانه على كاهل هذه الأمة وهو: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110). فهي لم تبعث لنفسها فحسب،
بل أخرجها الله عز وجل للناس لتقدم ثمن التكريم وشرط الخيرية، وهو النهوض بتكاليف
الأمة الخيرة بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب وما في طريقها من أشواك. إنه
التعرض للشر والتحريض على الخير وصيانة المجتمع من عوامل الفساد، ولابد من الإيمان
بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر. إنها لا توجد
وجودا حقيقيا إلا أن تتوافر فيها هذه السمة الأساسية التي تعرف بها في المجتمع
الإنساني؛ فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- مع
الإيمان بالله- فهي موجودة وهي مسلمة، وإما ألا تقوم بشيء من هذا فهي غير موجودة،
وغير متحقق فيها صفة الإسلام.
والله عز وجل عندما أراد لهذه الأمة هذا الدور
القيادي لم يحابها، بل وضح لها أن التخطيط لهذه المهمة يتم وفق سننه سبحانه التي
تنظم الوجود كله، ومن ثم حياة البشر وعلاقتهم ببعضهم البعض وبالكون المحيط بهم.
فعندما أراد سبحانه استعمار الأرض ضبط هذا بنظام الاستخلاف والإمامة؛ حيث إن لله
عز وجل سنة مطردة في باب التوازن بين القوتين المادية والخلقية، فهو سبحانه يعطي
الحق لتملك زمام السيادة والقيادة في العالم للفئة البشرية التي تتسلح بالقوة
بشقيها المادي والأخلاقي، ولأن الشق الأخلاقي ينقسم إلى أخلاق أساسية إنسانية عامة
(مثل قوة الإرادة، والشجاعة، والنشاط، والولوع بالغاية، والبذل، والنظام وغيرها)،
وأخلاق إسلامية خاصة وهي أربع مراتب: (الإيمان، والإسلام، والتقوى، والإحسان) كان
التفاضل في الترجيح يرجع إلى الأخلاق الإسلامية، فإذا لم توجد كان الترجيح للفئة
التي تتفوق بتملك القوة المادية، أما إذا وجدت كان الترجيح للطائفة التي تحمل
القوة الخلقية بشقيها الأساسي والإسلامي معا على قلة الوسائل المادية؛ كما قال
سبحانه: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾
(الأنفال: 65). (انظر: الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية- المودودي).
لذا كانت التربية القرآنية لهذا الجيل العظيم
على قدر المطلوب منه، وكانت من العمق بحيث تهتم بالبناء الداخلي للفرد، ومن الشمول
بحيث لا تهمل الواقع والظروف المحيطة، وهما ميدانان ومعركتان خالدتان بين الإنسان
والشيطان؛ المعركة الأولى داخلية ميدانها الضمير الإنساني، والمعركة الأخرى خارجية
ميادينها متعددة على تعدد أعداء الدعوة.
في ذلك الوقت كان نظام الاستخلاف والإمامة
والقيادة في الأرض يتنازعه قوتان تحملان عوامل التمكين المادية وهما الروم والفرس،
فأراد الله عز وجل بهذا النهج أن يخرج أمة تقدم ما تعوزه البشرية المنهكة، أمة
تتصف بالخيرية التي تجعل من حقها الاستخلاف في الأرض، أمة تقوم على قواعد إيمانية
بنيت بجهد جهيد. يكفي أن نأخذ لمحة عنها من خلال ظروف نزول «سورة المزمل» في مرحلة
التخطف والاستضعاف، وهي مرحلة وضع الأساس والاهتمام بالبناء الداخلي والإعداد
والتهيئة لحمل عبء المعركة الخارجية والقيام بواجبات الأمة الخيرة؛ فكانت مرتكزات
هذا الإعداد هي: قيام الليل، والصلاة، وترتيل القرآن، والذكر.
وأراد الله عز وجل أن يجعل هذه التهيئة على
صورة دورة تربوية قاسية بدأت بأمر رباني: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ
اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (المزمل: 1- 2)؛ قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء
الثقيل المهيأ لك، قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد. إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش
مستريحا، ولكنه يعيش صغيرا ويموت صغيرا، فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير..
فما له والنوم؟ وما له والراحة؟ وما له والفراش الدافئ؟ ولقد عرف الرسول صلى الله
عليه وسلم حقيقة هذا الأمر وقدره، فقال لخديجة رضي الله عنها وهي تدعوه أن يطمئن
وينام: «مضى عهد النوم يا خديجة»! ثم وبعد عام كامل من فرضية قيام الليل حتى تورمت
أقدام الرسول صلى الله عليه وسلم وطائفة من الذين معه، نزلت الآية الأخيرة
للتخفيف، ومعه التطمين بأنه اختيار الله لهم وفق علمه وحكمته بأعبائهم وتكاليفهم
التي قدرها في علمه عليهم.
ومن هذا المنطلق الإيماني، وعن طريق هذه
التربية الفريدة، ابتعث الله هذه الأمة الخيرة حاملة مشعل القوة الأخلاقية- مع
الأخذ بأسباب القوة المادية- لتأخذ مكانها على قمة الأمم، لتقدم ما تفتقده البشرية
التعيسة من جيل سوي يجمع بين الدين والدنيا؛ فتراهم رهبانا بالليل فرسانا بالنهار،
يجمعون بين نقاء السريرة والظاهر، وبين السلام الداخلي مع أنفسهم والسلام الخارجي
مع الغير ثم مع هذا الوجود الكبير. شخصيات منسجمة متوازنة بلا انفصام نكد يقلقها.
ويكفي لإثبات مدى ثقتهم بالتفرد والتميز بين الأمم، وعمق شعورهم بالسعادة والانسجام
مع منهجهم، هذا الحديث الذي رواه أبو موسى رضي الله عنه قال: كنت أنا وأصحابي
الذين قدموا معي في السفينة نزولا في بقيع بطحان- واد بالمدينة- والنبي صلى الله
عليه وسلم بالمدينة، فكان يتناوب النبي صلى الله عليه وسلم عند صلاة العشاء كل
ليلة نفر منهم، فوافقنا النبي عليه السلام أنا وأصحابي وله بعض الشغل في بعض أمره،
فاغتم بالصلاة- أي أخرها عن أول وقتها- حتى انهار الليل- أي انتصف- ثم خرج النبي
صلى الله عليه وسلم فصلى بهم، فلما قضى صلاته قال لمن حضره: «على رسلكم أبشروا، إن
من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم» (رواه البخاري).
فرجعنا ففرحنا بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا كانت الأمم تفخر بعظمائها وترفع من
مكانتهم وتتغاضى عن زلاتهم وحياتهم الشخصية وربما لم يزد عددهم عن أفراد قلائل،
فإن هذا المنهج أنتج- في عصر واحد- جيلا كاملا من الرجال الذين كانوا في حياتهم
الشخصية أعظم من ظاهرهم. ولم يزل واقع أمتنا البئيس ينتظر جيلا يحمل منهج رب
العالمين يحققه في نفسه ويرى فيه هذا العالم ما يلفت نظره وما يفتقده؛ فكما يقول
الأستاذ أبو الحسن الندوي- رحمه الله- في تعليقه على ذلك الحوار الذي دار بين رستم
قائد جيوش الفرس والصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه عندما سأله: ما جاء
بكم؟ فرد عليه: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن
ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام». لقد رأى رستم في إجابة
ربعي رضي الله عنه ما لفت نظره وهزه بقوة؛ تلك الدعوة الجريئة للخروج من ضيق
الدنيا التي يعيشها هذا القائد المترف إلى سعة الدنيا التي يتمتع بها هذا الأعرابي
الرث الثوب، والذي لم تأخذه تلك الزينة والبهرج الزائف، فأدرك أن موازين هذه الأمة
ونظرتها للأشخاص والأحداث جد مختلفة.
ولم يزل العالم ينتظر حاملي هذا المنهج الذي
تتجاوب السماء مع أحداثهم العامة كما حدث في بدر؛ حين جاء جبريل إلى النبي صلى
الله عليه وسلم فقال: «ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين. قال: وكذلك
من شهد بدرا من الملائكة» (رواه البخاري).
وفي قصة كعب رضي الله عنه، نرى الارتباط
والانسجام بين حدث شخصي فردي وحدث كوني عام؛ حين حكى: «ثم صليت صلاة الفجر صباح
خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى
منا، قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوتا صارخا يقول بأعلى
صوته: يا كعب بن مالك أبشر! فخررت ساجدا وعرفت أنه قد جاء فرج» (متفق عليه).
فتأمل- أخي الحبيب- هذا التوافق الفريد بين
هذا الفرج الذي أتى مع بزوغ فجر يوم جديد يشمل الكون كله، وهذه البركة التي جاءت
مع البكور كما بشر الحبيب صلى الله عليه وسلم ودعا: «اللهم بارك لأمتي في بكورها».
ولم تزل البشرية المنكوبة بمناهجها القاصرة
تنتظر الدور الريادي المفتقد للأمة الخيرة الراشدة التي ارتبطت بالوجود الكبير
حولها مكانا؛ كما في قصة الجذع الذي كان يقوم إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما
وضع له المنبر سُمع للجذع مثل أصوات العشار وفاء وعرفانا بالجميل للمبعوث رحمة
للعالمين.
وتفكر في أحاسيس ذلك الجيل وهو يرى هذا الموقف
برهانا على شمول منهجهم للكون كله، وكذلك ما ورد عن جبل أحد في إعلانه صلى الله
عليه وسلم: «هذا جبل نحبه ويحبنا». وارتبطت أيضا بالوجود زمانا؛ فكان من مظاهر ذلك
ارتباط شعائرها بأوقات معينة، فاحتكر أبناؤها أوقاتا خاصة بهم مثل السحر، والأشهر
الحرم، والعشر الأوائل من ذي الحجة، ورمضان، وليلة القدر.
وإذا كانت التربية الإيمانية قد أفرزت أجيال
الخيرية الأوائل الذين ملكوا زمام القيادة، فلم يزل هذا المنهج ينشد من يحمله
ليقدم أجيالا جديدة تحمل لواء الأمة الخيرة. ولقد فقه هذا النهج التربوي الرهط
الكريم من الدعاة والمصلحين؛ ففي سيرة القائد صلاح الدين الأيوبي أنه أثناء تفقده
لجنده ليلا كان يستبشر خيرا إذا سمع القرآن ينبعث من الخيام، وكان يحزن إذا وجد
إحدى الكتائب تغط في نومها ويقول أسفا: «من هنا تأتي الهزيمة».
وفي سيرة الإمام البنا أنه كان لا يهمل قيام
الليل ويقول: «دقائق الليل غالية، فلا ترخصوها بالغفلة»، وينبه أتباعه دوما إلى
أسلحتهم الخاصة: «سنستعين عليهم بسهام القدر ودعاء السحر».
ويركز على القوة النفسية للأمة فيقول: «إن
تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال تحتاج إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في:
إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية
عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل». ويعلن أن «الرجل سر حياة الأمم ومصدر نهضاتها»،
وأن قوة الأمم تقاس بخصوبتها في إنتاج هؤلاء الرجال النابغين أقوياء النفوس.
وبعد- أيها الداعية- فلقد اختارك الله عز وجل
لتشارك في عملية النهوض الحضارية للأمة الراشدة، وبين يديك منهج فريد ينشد رجالا
ليحملوه، والوجود كله يرحب بصحوتك. فأرجِعِ البصر؛ سترى النجم والشجر يسجدان معك،
وأصغ للموجودات وسترى أنها تحبك وتحبها، وتيقن أن المحافظة على صلاة الفجر سيأتي
معها بزوغ فجر أمتك بعد ليلها الطويل، وستلحق بك دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم
بالبركة. فالحقْ بالقافلة وأجب نداء رهط الدعاة العاملين:
فحيهلا
إن كنت ذا همة فقد حدا
بك حادي الشوق فاطو المراحلا
ولا
تنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه
فإن العزم يكفيك حاملا
اقرأ أيضًا:
- قطوف تربوية حول قصة التائب كعب- رضي الله عنه