; قطوف تربوية حول قصة التائب كعب رضي الله عنه | مجلة المجتمع

العنوان قطوف تربوية حول قصة التائب كعب رضي الله عنه

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1993

مشاهدات 49

نشر في العدد 1033

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 12-يناير-1993

قطوف تربوية حول قصة التائب كعب رضي الله عنه

أدب الإنصاف.. علاج لمرض الإجحاف

د. حمدي عبد الحفيظ شعيب بريدة – القصيم – السعودية

ونمضي مع الحبيب الصادق كعب «رضوان الله عليه» وهو يحدثنا عن تجربته المريرة، وهو يتربى على مائدة النبوة حاملًا فكرته، وقد فهم أن هذا الدين له طريقته الفريدة في العمل في حياة البشر. فهو منهج للحياة البشرية، يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر، في حدود الطاقة البشرية، ويبدأ في العمل من النقطة التي يكون البشر عندها بالفعل من واقعهم المادي، ويسير بهم إلى نهاية الطريق، في حدود جهدهم البشري وطاقاتهم البشرية، ويبلغ بهم أقصى ما تُمكّنهم طاقتهم وجهدهم من بلوغه، ولا يُغفل لحظة -في أية خطة وفي أي خطوة- عن طبيعة فطرة الإنسان وحدود طاقته، وواقعه المادي أيضًا، وأن هذه الطاقة وهذا الواقع يتفاعلان معه ويتأثران به، فيتم تحقيقه في الأرض ودنيا الناس بأن تحمله مجموعة من البشر، تؤمن به وتستقيم عليه -بقدر طاقتها- وتجهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم العملية كذلك، إلى المستوى الذي تطيقه فطرة البشر، وفي الطريق تجاهد عوامل الضعف والجهل والهوى في أنفسها وأنفس الآخرين. فحقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس -ومجاهدة نفسه أيضًا- في أمر الإيمان. وحقيقة الإيمان لا يتم تمامها في جماعة حتى تتعرض للتجربة والامتحان والابتلاء، وحتى يتعرف كل فرد فيها على حقيقة طاقته، وعلى حقيقة غايته، ثم نتعرف على حقيقة اللبنات التي تتآلف منها. وفي الطريق تتعرض لفترات النصر وفترات الهزيمة مع النفس ومع الناس بقدر ما تبذل من جهد، وبقدر ما تتخذ من وسائل، وعلى قدر تجردها لله سبحانه، وعلى قدر تمثيلها لحقيقة هذا المنهج في ذات نفسها، ومدى ارتباطها بالله صاحب هذا المنهج، وثقتها به، وتوكلها عليه. («في ظلال القرآن» سيد قطب 4/529 - بتصرف).

وفي طريق الدعوة الإسلامية الحركي اللاحب، كان من الطبيعي أن تحدث بعض الهنات، ولكن نظرًا لوجود غايات كبيرة تحملها نفوس جيل الخيرية العوالي، كان من المنطقي أيضًا أن نتجاوزها ولا نقف عندها. فهذا الحبيب كعب «رضي الله عنه» يحدثنا عن هذا الموقف، الذي لو حدث في مجتمع غير مجتمعهم الراقي لكان لهذه الحادثة ما بعدها من تغير للنفوس وبغضاء في القلوب: «ولم يذكرني رسول الله «صلى الله عليه وسلم» حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل «رضي الله عنه»: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله «صلى الله عليه وسلم».» (متفق عليه). فإليك موقف هذا الصحابي الجليل الذي أجحف بحق أخيه كعب، وفي المقابل موقف الحبيب معاذ -«رضوان الله عليهم»- الناصر والمنصف لأخيه، ثم تأمل في صمت الحبيب المحبوب «صلى الله عليه وسلم» ومرور الموقف بلا تعليق من كعب «رضي الله عنه» أيضًا، لنتعلم أن الصف القوي -حتى ولو كان هذا الجيل الفريد- يستوعب الجميع ويضم كل الدرجات الإيمانية.

وعند وجود أجيال تحاول العودة لحمل الراية رغم تناقص الخيرية، كان من الأهمية بمكان أن تعتبر بهذه المواقف الراقية، وتفهم «أن صاحب النشاط والإنتاج والاندماج مع أحداث الدعوة اليومية تشفع هفواته إذا ما زل» («القيادة»: جاسم المهلهل ص 61).

و «من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). ولكن المعايشة مع الجماعة يلزمها أن نتعود أن نزن المسلم بحسناته وأخطائه معًا؛ لأن من قواعد الشرع والحكمة أيضًا أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يُحتمل منه ما لا يحتمل من غيره، ويُعفى عنه ما لا يعفى عن غيره. فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل، فإنه لا يحتمل أدنى خبث. ومن هذا قول النبي «صلى الله عليه وسلم» لعمر «رضي الله عنه»: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». وهذا هو المانع له «صلى الله عليه وسلم» من قتل من جس عليه -حاطب بن أبي بلتعة «رضي الله عنه»- وعلى المسلمين، وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم، فأخبر «صلى الله عليه وسلم» أنه شهد بدرًا، فدل على أن مقتضى عقوبته قائم لكن منع من ترتب أثره عليه ما له من المشهد العظيم، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغفورة في جنب ما له من الحسنات. ولما حض «صلى الله عليه وسلم» على الصدقة فأخرج عثمان «رضي الله عنه» تلك الصدقة العظيمة قال: «ما ضر عثمان ما عمل بعدها».

(«مفتاح دار السعادة» ابن القيم 1/176). وهو «ميزان العدل في الإسلام من غير إفراط ولا تفريط فإذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تُذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تُذكر المحاسن» («سير أعلام النبلاء»: عبد الله بن المبارك 8/352).

و «الكمال البشري أمره صعب، بل من كان فضله أكثر من نقصه وُهب وهب نقصه لفضله» («البداية والنهاية»: سعيد بن المسيب 9/100).

والمعايشة مع الناس يلزمها العدل والإنصاف والتغاضي عن الزلات، و «ألّا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليه صار ممرًّا للشبهات» (نصيحة ابن تيمية لتلميذه ابن القيم).

والإنصاف يعالج أي إجحاف عند الحكم على الأشخاص والأحداث والأشياء، بل عند تقييم الهيئات؛ لأن المنصف يرى «أن للجماعة الحق في أن تخطئ، وإنها لا تنمو إلا إذا تعلمت كيف تتحمل المسؤولية كاملة لما تُصدره من قرارات وما تخوضه من أمور» («كيف نعد قادة أفضل؟» ترجمة د. الطويحي 21).

وإن أخطأنا فحسب المخطئ أن يكون قد أساء التعبير كما نطق شاعر موضحًا ومنصفًا:

تقول هذا مُجاجُ النحلِ تمدحُهُ

وإن تعِبْ قلت ذا قَيْء الزنابير

مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما

سحر البيان يُري الظلماء كالنور

أخي الداعية.. أمامك صحابيان جليلان قد اختلفا في الحكم على أخ لهما بناءً على اختلاف في فقه السلوك الجماعي الواعي، وعلى أساس الفهم الجيد المنصف للأشخاص والأحوال، وأنت وما تختار وما تعي، فإما عافية سلوكية يزينها أدب الإنصاف، وإما اعتلال يفضحه إجحاف.




 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 128

93

الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

كعب بن مالك الأنصاري قصة تاريخية

نشر في العدد 400

99

الثلاثاء 20-يونيو-1978

أدب  كعب بن مالك  شاعر الدعوة

نشر في العدد 1013

57

الثلاثاء 25-أغسطس-1992

المربي ضابط الحماس