العنوان قطار عولمة المرأة وصل الجزائر- قانون جديد للأسرة بثوب غربي
الكاتب فاروق أبو سراج الذهب
تاريخ النشر الجمعة 17-سبتمبر-2004
مشاهدات 53
نشر في العدد 1618
نشر في الصفحة 34
الجمعة 17-سبتمبر-2004
جبهة «ميثاق العائلة الجزائرية» تواجه القانون الجديد
علماء: القانون دعوة للزنا والفساد
أبوجرة سلطاني: لا يمكن تلخيص قضية المرأة الجزائرية في الولي وضبط تعدد الزوجات مقابل معدلات الفقر الواسعة والعنوسة التي تقدر بالملايين
يبدو أن الحكومة الجزائرية أو بعض المتنفذين في النظام الجزائري من بقايا دعاة العلمنة والتغريب جد مهتمين بموضوع التكيف الاختياري مع فقرات ومضامين مشروع الشرق الأوسط الكبير في بنده المتعلق بتمكين المرأة، طبقًا لمقررات وتوصيات مؤتمر بكين ومؤتمر التنمية والسكان، وقد ظل ملف تعديل بل إلغاء قانون الأسرة بلغة هؤلاء التغريبيين مفتوحًا منذ عقود لأن مرجعيته الأساسية هي الشريعة الإسلامية، وقد عملت الدوائر العلمانية من خلال الجمعيات النسوية باستمرار لإحداث القلاقل حول هذا القانون كلما سنحت الفرصة، ولكن يقظة القوى الوطنية والإسلامية وقفت لكل هذه العمليات بالمرصاد، حيث خرجت نساء الجزائر في مسيرة مليونية سنة 1989م رافضة تلك التعديلات المخالفة للشريعة الإسلامية.
وفي الآونة الأخيرة انتعش العلمانيون على وقع مضامين مشروع الشرق الأوسط الكبير المتعلقة بالمرأة وراحوا يطرحون الإلغاء ثم التعديل، وفي سياق تعديل المنظمات المتعلقة بالتربية والأسرة درس مجلس الوزراء في اجتماعه يوم الأربعاء 18 أغسطس 2004م المشروع التمهيدي لقانون يعدل ويتمم القانون رقم 11 لسنة 1984م الخاص بالأسرة.
بنود القانون
وقد كشفت بعض الصحف الجزائرية النسخة الأصلية لمشروع القانون قبل أن تصدر الحكومة بيانًا جاء فيه: «إن المشروع التمهيدي لقانون الأسرة أعد وفقًا لتوجيهات رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة، وفي ظل احترام أحكام الدستور ومبادئ الشريعة الإسلامية، مع اللجوء إلى الاجتهاد متوخيًا في ذلك صون حقوق الزوجين، وضمان استقرار الخلية الأسرية ومصالح الأطفال ويدخل أحكامًا جديدة مهمة منها:
1. توضيح الوضع القانوني لعقد الزواج على أنه عقد رضائي يتم تجسيده بالضرورة بتحرير عقد.
2. إلغاء الزواج بالوكالة.
3. توحيد سن الزواج بالنسبة والمرأة وتحديده بـ 19 سنة، ويمكن للقاضي أن يرخص بتزويج القصر لضرورة أو لمصلحة مؤكدة.
4. إلغاء شرط الولي بالنسبة لزواج البنت البالغ عمرها 19 سنة، ويمكن للمرأة الراشدة أن تفوض طوعًا هذا الحق لوليها.
5. وجوب تقديم وثيقة طبية لكلا الزوجين لتحرير عقد الزواج.
6. إخضاع تعدد الزوجات للشروط التالية:
- ترخيص القاضي بالزواج.
- تأكد القاضي من موافقة الزوجة السابقة، والمرأة التي ترغب به.
- إثبات المبرر الشرعي وتأكد القاضي من قدرة الزوج على توفير العدل والشروط الضرورية للحياة الزوجية.
7. إقرار المساواة في الحقوق والواجبات بين الزوجين من خلال:
- حق الزوجين أن يشترطا في عقد الزواج أو في عقد لاحق كل الشروط التي يريانها ضرورية لا سيما فيما يتعلق بتعدد الزوجات.. وعمل المرأة على ألا تتنافى الشروط مع أحكام القانون.
- إقرار حق الزوجة في رفع دعوى التطليق لجملة من الأسباب العشرة الوارد ذكرها في نص مشروع القانون.
- إلزام الزوج في حالة الطلاق بأن يوفر للأم الحاضنة مع أولادها سكنًا ملائمًا وإن تعذر عليه ذلك دفع أجرته، ويحق للأم الحاضنة للأولاد البقاء في المسكن العائلي ما لم تتم الاستجابة لهذا الشرط.
- تغيير ترتيب الحق في ممارسة حضانة الأطفال بتقديم الأب مباشرة بعد الأم.
- منح الولاية للأم الحاضنة للأطفال من الزوجين المطلقين، وزيادة على ذلك وفي غياب الأب أو في حالة عجزه تسند للأم الولاية على الأطفال.
- وأخيرًا اعتبار النيابة العامة طرفًا أصليًا في الدعاوى التي ترمي إلى تطبيق قانون الأسرة من قبل الجهات القضائية، وكذا تعزيز صلاحيات رئيس المحكمة في مجال حق الحضانة وحق الزيارة والحق في المسكن، ودفع النفقة الغذائية.
رفض إسلامي
هذا وقد رفض ثمانية وزراء ينتمون إلى حركة مجتمع السلم وجبهة التحرير الوطني تبني المصادقة على المشروع التمهيدي القانون الأسرة الذي أعدته لجنة «52 عضوًا».. وإن كان البيان الرسمي لم يشر إلى التحفظات والاقتراحات التي أبداها وزراء حركة مجتمع السلم الأربعة وبعض الوزراء من جبهة التحرير الوطني وعلى رأسهم وزير الخارجية عبد العزيز بلخادم، ونفت مصادر حكومية أن يكون أعضاء الحكومة قد صادقوا بالإجماع على هذا المشروع العلماني التغريببي، وأكدت المصادر لـ «المجتمع» أن النقاش كان جد واسع إلى درجة أن بلغ عدد المتدخلين 28 وزيرًا في الاجتماع رغم أنه في العادة لا يتجاوز عدد المتدخلين سبعة أو ثمانية وزراء، كما تحفظ ثلث الجهاز لتنفيذي أي حوالي ثمانية وزراء على المصادقة على المشروع الذي غاب عن جلسته ثلاثة وزراء.
الخلاف داخل الحكومة عكس الرفض الشعبي الواسع لإلغاء شرط الولي في عقد الزواج، وأظهر هذا الخلاف داخل الحكومة تيارين، تيار يرفض هذه التعديلات وتتزعمه حركة مجتمع السلم وبعض وزراء جبهة التحرير الوطني، وتيار يؤكد على التعديلات ويدعو إلى تبني مقررات اللجنة، ويمثل هذا التيار جزءًا من وزراء التجمع الوطني الديمقراطي وبعض الوزراء الذين لا يمثلون إلا أنفسهم والجهات التي اقترحتهم في الطاقم الحكومي.
النقاش في مجلس الحكومة اقتصر على المادتين اللتين تنصان على «إلغاء شرط الولي بالنسبة لزواج البنت البالغ عمرها 19 سنة»، وكذلك الشروط التي يخضع لها تعدد الزوجات، ولا سيما ضرورة ترخيص القاضي.
أما عن ردود الفعل الحزبية الشعبية، فقد اعتبرت حركة مجتمع السلم - عن طريق تصريحات رئيسها الشيخ أبو جرة سلطاني والقيادات المركزية - أن مشروع التعديلات استجاب لمطالب فئة لا صلة لها بالمجتمع الجزائري، وأنه لا يستجيب للغالبية الساحقة من المجتمع، كما أن قضية المرأة في الجزائر لا يمكن أن تلخص في الولي وضبط تعدد الزوجات في مقابل معدلات الفقر الواسعة والعنوسة التي تقدر بالملايين، كما رفضت حركة مجتمع السلم الحجج المقدمة لإلغاء شرط الولي لا سيما تلك المتعلقة بفتوى أبي حنيفة - رحمه الله - ودعت إلى الاستفتاء إذا كان إلغاء شرط الولي مطلبًا شعبيًا.
وقالت الحركة في بيان رسمي لها: «إن الحركة تعتبر أن أي مساس بانسجام وتماسك الأسرة ووحدتها هو بداية انزلاق حقيقي لمستقبل المجتمع وقيمه المبنية على الإسلام وتسجل:
1. أن حركة مجتمع السلم ليست ضد التعديل.
2. ضبط التعديل بالمرجعية الإسلامية التي لا يتنكر لها أحد.
3. التعديل لا تمليه جهات خارجية ولا نساء الصالونات إنما تمليه الجزائر العميقة ونساء القرى.
4. رفض استغلال القانون للوصول إلى علمنة المجتمع عبر علمنة الأسرة.
5. الحفاظ على كرامة المرأة، وكرامة الرجل وتماسك الأسرة.
6. عدم استناد التعديل لأي دراسات اجتماعية أو إحصائية تعبر عن توجه المجتمع أو مفاسد حقيقية تقتضي التعديل.
7. إن من أسباب اللبس الواقع في بعض المصطلحات من خلال فهمها باللغة الأجنبية مثل LE TUTUEL التي تعني: «مطلق الوصاية».
وأضاف البيان أن الحركة درست التعديلات المقترحة خاصة ما يتعلق بالولاية في الزواج وحق المرأة في طلب الخلع وقضايا تعدد الزوجات والطلاق والنفقة، مشيرة إلى أن الشريعة الإسلامية وضعت الضوابط الواضحة لهذه الأمور بما يضمن حقوق الطرفين وسلامة المجتمع، ودعت الحركة العلماء والفقهاء والأئمة لتوضيح مدى شرعية التعديلات المقترحة وانسجامها مع الشريعة الإسلامية نصًا ومقصدًا. كما دعت النواب أن يولوا اهتمامًا كبيرًا لدراسة هذه التعديلات وأن يلتزموا بالقيم الأصيلة للمجتمع الجزائري الذي يمثلونه.
كما تشكلت جبهة واسعة للدفاع عن الأسرة الجزائرية تحمل مشروع «ميثاق العائلة الجزائرية»، فيما انتظم في المقر المركزي لحركة مجتمع السلم ندوة وطنية لمناقشة قانون الأسرة حضرها العلماء الفقهاء والنواب ورجال القانون والأئمة والإعلاميون وعبر الكل عن رفضه لهذه التعديلات، واقترحوا بنودًا بديلة وكشفوا المؤامرة على الأسرة الجزائرية والثوابت الوطنية، فيما دعا عالم الجزائر الشيخ عبد الرحمن شيبان، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، إلى ضرورة التعبئة الإسلامية والوطنية للوقوف ضد هذه التعديلات، فيما دعا آخرون إلى ضرورة تحريك فتوى المجلس الإسلامي الأعلى الذي يعمل تحت إشراف رئيس الجمهورية، إلى قول رأيه في عدم شرعية هذه التعديلات، ووصفوا بيان الحكومة بأنه دعوة إلى الزنا والفساد.
في الوقت نفسه، أصدر أئمة العاصمة والزوايا الدينية بيانًا اعتبروا فيه التعديلات الجديدة مناقضة لأحكام الشريعة الإسلامية.
وأضاف البيان أن الذين أسسوا لجنة تعديل قانون الأسرة وقعوا في خطأ كبير عندما أقصوا الأئمة من عضوية اللجنة باقتراح تعديلات تؤدي إلى منعهم من حضور عقد الزواج.
وطعن البيان في اختصاص أعضاء لجنة تعديل القانون، مشيرًا إلى أن الأمر أسند إلى جهات غير مختصة، موضحًا أن رئيس اللجنة صرح بأن الولي مجرد عرف وعادة وليس ركنًا من أركان الزواج.
كما أن التعديلات - بحسب البيان - «تستند إلى مرجعية غربية، ولهذا اصطدمت مع مبادئ الشريعة الإسلامية، والعرف الاجتماعي الجزائري الصحيح، خاصة عندما تجاوزت تلك التعديلات الإجماع في قضايا التعدد، وسن الزواج، وتجاوز النص الشرعي في قضية الولي».
واعتبر البيان أن تعديل قانون الأسرة جاء وفقًا لرؤية أحادية ذات توجهات تغريبية تمثل حلقة من المسلسل العلماني في مسخ هوية المرأة المسلمة الفكرية والأخلاقية.
وأكد أهمية شرط الولي في الزواج، قائلًا: «إن الزواج ليس ارتباطًا بين رجل وامرأة فقط، بل هو ارتباط بين الأسر والعائلات في الشرف، والرفعة».
وجاء موقف الزوايا الدينية متوافقًا مع الأئمة: حيث رفضوا بدورهم تعديلات قانون الأسرة باعتبارها مناقضة لمبادئ الشريعة الإسلامية.
ورفضت هيئات أخرى تعديلات قانون الأسرة وعلى رأسها نقابتا القضاة والمحامين، وجمعيات مدنية ذات توجه إسلامي، فضلًا عن بعض الأحزاب الإسلامية، مثل حركة الإصلاح الوطني التي دعا رئيسها الشيخ عبد الله جاب الله إلى تشكيل جبهة رفض التعديل.
تفاعلات قانون الأسرة لا تزال في بداياتها، خاصة أن المشروع سيناقش في البرلمان وسيخضع لتوقيع رئيس الجمهورية في النهاية، وستعرف مع الوقت تفاعلات أكبر، وقد أسرت إلى «المجتمع» بعض المصادر من اللجنة الوطنية التي أشرفت على التعديلات أنها لم تنه أشغالها ولم تصادق على تقريرها النهائي لكن تم استعجال الأمر من قبل السلطات وتم عرض الموضوع على مجلس الحكومة.
فإلى أي اتجاه ستتطور الأحداث في الجزائر.. هل ستأخذ المسار الذي أخذه القانون في كل من الأردن وتونس والمغرب؟ أم أن الجزائر ستشذ عن هذا السياق؟ يبدو أن السياق الجزائري سيختلف جذريًا عن السياقات المجاورة ومجرد المقارنة بداية الطريق الخطأ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل