العنوان قضيتان: الاستراتيجية الأمنية للكويت: تساؤل مشروع
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1996
مشاهدات 76
نشر في العدد 1228
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 03-ديسمبر-1996
« هل لدينا استراتيجية أمنية حقيقية لهذا البلد؟» سؤال مشروع وجهه النائب مبارك الدويلة لرئاسة الحكومة في جلسة الثلاثاء السادس والعشرين من نوفمبر الماضي.
لقد كان النائب الدويلة محقًّا عندما طرق على الوتر الحساس لدولة صغيرة خارجة لتوها من أتون معركة حربية، ومعركة بناء، وإعادة إعمار استهلكت طاقاتها ومدخولاتها ومدخراتها المالية، فإذا كانت ثمة محددات إستراتيجية تحدد إمكانيات كل بلد وتحدد قدرته على مواجهة الأخطار وحماية الكيان العضوي والبشري والمعنوي له؛ فإن دولة صغيرة كالكويت في تعدادها وحجمها وإمكاناتها البشرية والتعبوية الجديرة بأن تنتبه لصرخات التحذير التي أطلقها النائب الدويلة وبكل إخلاص، ولعل استجابة سمو ولي العهد في توجيهاته في نفس الجلسة معقبًا على كلام النائب الدويلة تؤكد أهمية الارتقاء والعمل على نسج إستراتيجية أمنية لمواجهة أخطار النظام العراقي الذي لا يمانع في إشعال حرب ثالثة في الخليج.
ويؤكد النائب الدويلة أن استبانة خطوط وعلامات ومحددات هذه الإستراتيجية غير واضح للشعب الكويتي، عدا عدم انسجام بعض المواقف الحكومية تجاه محددات معينة في الإستراتيجية، وقد ذكر الدويلة منها: الاتفاقيات الأمنية مع بعض الدول والتي تنتهي بعد عشر سنوات من توقيعها، مضى نصفها، وأشار إلى الرخاوة في المواقف لتفعيل دور مجلس التعاون الخليجي، مما ينذر بتفكيكه، وتساءل عما إذا كانت هناك تصورات للتعامل مع إيران كدولة مسلمة أم كدولة مصدرة للثورة، والشعور الذي يقلق الدويلة وجموعًا شعبية في الكويت ودول الخليج أنه توجد علاقات خليجية لكن لا توجد سياسات أمنية تحكم تلك العلاقات ما بين دول الخليج والدول المجاورة، أما العلاقات مع دول الضد فإن اختلاف الاتجاهات في داخل الحكومة انعكس بدوره على رؤية الناس ومواقفهم، والسؤال الكبير الذي وجهه النائب الفاضل هو: ماذا أعدت الحكومة لعراق ما بعد صدام، وماذا لو حدث تقسيم للعراق وهو أمر محتمل؟
هذه الأسئلة المشروعة للنائب الدويلة هي تعبير عن قناعات عامة، وهناك قضايا تمس هذا الأمن الإستراتيجي، لنا فيها هذه الملاحظات:
أولًا: أن الإستراتيجية الأمنية لم تعد شأنًا حكوميًّا وإنما شأن الكويتيين كلهم، ومن الخطأ ألَّا تمتزج الآراء جميعًا لاستنهاض إستراتيجية واقعية يتحملها الشعب والحكومة معًا، وكما قال النائب الدويلة: نحن شعب واحد وإن اختلفنا.
ثانيًا: إن هناك مصيرًا مشتركًا للشعوب ودول المنطقة في إطار أمن إقليمي واحد، ومن الخطأ تجزئ المحددات الإستراتيجية لهذه القضية، ومن ثم فإن نشوء حوار واضح وصريح بين دول مجلس التعاون الخليجي إيران بات ضروريًّا، خصوصًا في ظل توتر مستمر من جار الشمال وخلافات سيادية للإمارات مع إيران.
ثالثًا: إن أي سياسة تتعلق بعودة العلاقات مع دول الضد يجب أن تبنى على أساس إستراتيجي أمني بالدرجة الأولى، وربط كل ذلك بالتزامات المشروع نحو التضامن العربي والأمن، والذي يكرس مشروعية الكيانات الاجتماعية وحقوقها في السيادة والعيش الآمن وحماية النفس البشرية من أي انتهاك أو اعتداء ويرد للمعتدى عليه حقوقه.
رابعًا: الإستراتيجية الأمنية يجب الا تنسج بعيدًا عن تشكيلة الهوية الإقليمية للمنطقة التي تبنت الإسلام دينًا وتشريعًا، والعروبة وعاءً، وإخوة الإسلام رداءً.
خامسًا: إن الاتفاقيات الأمنية هي آليات إستراتيجية أمنية يجب أن تخضع لقوانين السيادة »سيادة القرار والهوية،« ولهذا فإن الموقف المشترك لدول الخليج سيعزز من إمكانيات الاعتماد الذاتي التدريجي لاستنهاض آليات دفاع إستراتيجية، والعودة إلى الجيش الخليجي الموحد. والذي كان فكرة أسسها السلطان قابوس سلطان عمان سيقلل من درجة الاتكاء المستقبلي على الاتفاقيات الأمنية لبعض الدول الكبرى.
سادسًا: إن وجود حكومات إيجابية في تركيا وباكستان وماليزيا وإندونيسيا، ليعزز من فرص التعاون الإسلامي في مجال الإستراتيجيات الأمنية، وينوع وسائل الحماية والدفاع؛ مما يستلزم تطوير آليات حيوية للتعاون والتنسيق الإستراتيجي ومبادرات كويتية وخليجية لاقتناص هذه الفرصة الجديرة بالتفكير.
ويبقى هاجس الأمن هاجسًا بشريًّا وهاجسًا مشروعًا لكل شعوب المنطقة بما فيها الشعب الكويتي، والدويلة النائب مواطن يعبر بصدق عن مشاعر مواطنيه.
المرسوم (101/96)
في الخامس من نوفمبر الماضي أصدر السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان مرسومًا مرقمًا (١٠١/٩٦) هذا المرسوم يضع بين يدي الشعب العماني دستورًا للسلطنة تحت عنوان »النظام الأساسي للدولة«، ويحوي هذا النظام الأساسي سبعة أبواب، و (۸۱) مادةً تحدد الدولة ونظام الحكم فيها والمبادئ الموجهة لسياسات الدولة »السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية«، كما يحدد الدستور الحقوق والواجبات العامة وواجبات رئيس الدولة ومجلس الوزراء ورئيسه، ونوابه والوزراء والمجالس المتخصصة ومجلس شورى عمان والقضاء وأحكامًا عامةً.
وباعتقادي أن هناك نقلات إيجابية لتأسيس دولة ذات كيان دستوري وقانوني في عمان، ومن أهم هذه النقلات:
النقلة المؤسسية التنظيمية للعلاقات
حيث تعودت الشعوب الخليجية منذ نشأتها على نمط من العلاقات ما بين الحاكم والمحكوم، وكانت تلك العلاقات تحكمها أعراف حققت في زمن ما ارتباطًا طبيعيًّا ما بين السلطة والشعب، في حين أن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي مرت بها دول الخليج مؤخرًا أنهت مرحلة من الأعراف التي استنفدت أغراضها، وإن نمط الدولة الحديثة هو واقع، وعليه فإن التحولات في التفكير السياسي للسلطات الحاكمة في المنطقة تتكيف مع هذه التحولات؛ مما أوجد نقلة مؤسسية وتنظيمية لترتيب تلك العلاقات في إطار دستوري، وعمان منذ عام ۱۹۷۰م وبمرور عشرين عامًا قد استوعبت تلك التحولات؛ لتصبح دولة دستورية، وهي بلا شك نقلة إيجابية.
المادة الأولى والتأكيد على الهوية والذات
في المادة الأولى من الباب الأول للنظام الأساسي لدستور عمان نص هو: »سلطنة عمان دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة تامة، عاصمتها مسقط، وإن دين الدولة هو الإسلام، والشريعة أساس التشريع، والعربية لغتها الرسمية«.
ومن الجدير بالذكر أن المادة الثانية من الدستور الكويتي أصبحت متضائلة أمام هذه المادة من دستور الشقيقة عمان، والتي أكدت على أن الشريعة أساس التشريع. لقد تفهم واضع الدستور في عمان للخصوصية التشريعية في هذا الإقليم؛ حيث تأبى جموع الناس أن تتخذ في التشريع أحكامًا وضعيةً، وتلافي بذلك نقاط التدوير والخلافات التي قد تنشأ في تحديد هوية التشريع، والتي أثارت في أماكن عديدة في بلدان عربية وإسلامية، وهنا في الكويت لازال الشعب الكويتي عبر نوابه يطالب بتعديل المادة الثانية من الدستور؛ لتصبح كما هي في المادة الأولى من دستور عمان الشقيقة؛ خصوصًا وأن أمير البلاد قد شكل لجنة لتهيئة الأجواء لاستكمال تطبيق الشريعة الإسلامية.
لقد نزع الدستور العماني في مادته الأولى فتيل التوتر في العلاقة التشريعية ما بين الحاكم والمحكوم في عمان، واختصر التشريعية مسافات كبيرة من التجارب التشريعية العربية والإسلامية.
رئيس مجلس الوزراء
وضعت المادة (٤٩) من النظام الأساسي للدستور العماني شروط رئيس مجلس الوزراء حيث نصت: «يشترط فيمن يعين رئيسًا لمجلس الوزراء أو نائبًا له أو وزيرًا:
- أن يكون عمانيًّا بصفة أصلية وفقًا للقانون.
- ألا تقل سنه عن ثلاثين سنة ميلادية«.
وبهذا يؤكد الدستور العماني على أن يكون رئيس مجلس الوزراء من الشعب العماني، وهي خطوة تعتبر خطوة مسبوقة لغيرها من الدول، مما يجسد بصورة أكبر تحمل المسؤولية السياسية للشعب العماني مع السلطان، خصوصًا وأن تحديد الأهداف والسياسات العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، ومناقشة خطط التنمية هي من اختصاصات مجلس الوزراء العماني، هذا إذا عرفنا ان الدستور العماني لا توجد فيه مادة خاصة بولاية العهد، ومن ثم فإن رئيس مجلس الوزراء والذي يعين من قبل السلطان يكون ذا مسؤولية مباشرة أمام السلطان والشعب.
مجلس عمان بادرة مؤهلة للتطوير الشعبي
لم يحدد الدستور العماني في مادته الثامنة والخمسين تفاصيل وطريقة اختيار مجلس عمان، فقد أحالها للقانون؛ حيث يتكون مجلس عمان من مجلس الشورى ومجلس الدولة، ومن الجدير بالذكر أن القانون الذي ينظم اختصاصات كل منهما ومدته وأدوار انعقاده ونظام عمله لم يحدد بعد.
كما أن عدد أعضائه والشروط الواجب توفرها فيهم وطريقة اختيارهم أو تعيينهم وموجبات إعفائهم، ومن المؤمل أن يدرس القانون الانتخابي العماني التجارب الديمقراطية والشورية ويستفيد منها، خصوصًا وأن الشعب العماني الشقيق قد وصل خلال ربع قرن من الوعي السياسي والنقابي والثقافي إلى ما يؤهله لاختيار من يمثله، ويحافظ على دستور السلطنة وحقوق المواطنين فيه.
حرية تكوين الجمعيات والاجتماعات
إن التجمع على الخير والحراك الاجتماعي سمة المجتمعات المتحضرة، وحتى تصبح هذه التجمعات ذات فعالية ومشروعية يجب أن تكون مباحةً بنصوص الدستور والقانون، وفي هذا خير للمجتمع والدولة، حتى لا تندثر طاقة الحراك الاجتماعي، ولا تتحول إلى طاقة مدمرة أو مقهورة بعيدًا عن أعين المجتمع، ولهذا فإن العناية بحق المواطنين في الاجتماع وحرية تكوين الجمعيات على أسس وطنية لأهداف مشروعة وبوسائل سلمية كانت غرض في المادتين (۳۲)، و(۳۳) من الدستور العماني، ولا يمنع تنظيم ذلك بقوانين تعطي للمجتمع حقه في تلك الحرية، والدولة لها الحق في تنظيم ورقابة ذلك النشاط الحراكي، وباعتقادي أن مثل هذا التقنين المشروع للحراك الاجتماعي سيكون مردوده خيرًا للمجتمع والشعب العماني الشقيق.
الأجنبي والمجتمع العماني
لقد كفل الدستور العماني حرية تمتع الأجنبي المتواجد بصورة قانونية بحماية شخصيته وأملاكه، ولكن الدستور اشترط أن يراعي الأجنبي قيم المجتمع واحترام تقاليده ومشاعره »مادة ٣٥«، مما يعطي فرصة للاستفادة من الأجانب دونما إخلال بعقائد ونظام المجتمع الذي حدد هوية الشعب العماني المسلم.
وفي نفس الوقت فإن تسليم اللاجئ السياسي محظور »مادة ٣٦« مما يعطي ميزة حضارية للمجتمع العماني الشقيق.
هذه نقاط مضيئة في الدستور العماني تجسد دور الشعب العماني الشقيق للتطلع لمستقبل أفضل، وإن الأمل يحدو المخلصين في أن تتجسد التنمية الاجتماعية والبشرية في عمان الشقيق وغيره من الدول الخليجية والعربية، بما يستنهض همم المسلمين في هذا الموقع من الكيان الإسلامي للارتقاء بالإنسان إلى آفاق أوسع من الحريات والمشاركة المتبادلة والعمل للإسلام البناء الذي أصَّل حقوق الإنسان، ومكنه من حريته وتسامى ببشريته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل