العنوان قضية وتحقيق رمضان.. وانقلاب المفاهيم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1978
مشاهدات 61
نشر في العدد 407
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 08-أغسطس-1978
القضية
*وقد دخل شهر رمضان المبارك، فليس لنا من قضية سواه. قضية ندرس فيها كيف انقلبت المفاهيم تجاه هذا الشهر الكريم، كما انقلبت كثير من المفاهيم تجاه معطيات ديننا الإسلامي الحنيف.
ففريضة الحج، صارت عند كثير من المسلمين، رحلة سياحية، يتبضع فيها عشرات الهدايا للصحب، ويعود إلى بلده ليطلق عليه الناس «الحاج فلان».. وإذا نسوا هذا اللقت في ندائهم له، «يأخذ على خاطره» ويتأثر، ويضيع تعب الحج.
والصلاة، عند بعض المسلمين، منفصلة تمامًا عن سلوكهم، وتعاملهم مع الناس، واجتنابهم محارم الله، والتزامهم أوامره. فهم يصلون بحركات سريعة لا خشوع فيها، ثم يمضون في متابعة أعمالهم دون استشعار برقابة الله عليهم، ويحسبون أنهم يخدعون، وما يخدعون إلا أنفسهم، وكإنما غاب عنهم تحذير رسول الله «لا صلاة، لمن لم تنهه صلاته عن فحشاء أو منكر».
بل إن بعضهم يرى تطبيق الإسلام كله، في بدء نشرات الأخبار باسم الله سبحانه، وبناء المساجد، والنص في دستور الدولة على أن دين الدولة هو الإسلام.. وانتهى الأمر!
لا.. لا.. أيها السادة، ليس الإسلام مناسبات وأعيادًا وشعائر ونصوص فحسب.. الإسلام شامل شامل.. ينظم شؤون الحياة جميعها، جماعات وأفراد، صغار وكبار، رجال ونساء، حكام ومحكومين.
ولهذا نقول لكم: اتركوا الإسلام إذا لم ترغبوا في أخذه كله، شريعة كاملة. وليس هذا الكلام جديدًا، وليس كلامنا، لقد قاله رسولنا الكريم قبل أربعة عشر قرنًا: «خذوه جملة أو دعوه».
ونحن نقول لكم اليوم: خذوه جملة أو دعوه.
التحقيق
*كانت هذه القضية، قضية انقلاب المفاهيم من جهة، وتجزئة الدين من جهة ثانية.
وتحقيقنا اليوم عن رمضان، هذا الشهر الفضيل، لنرى كيف انقلبت مفاهيم الناس نحوه، وكيف أخذواببعضه وتركوا بعضه الآخر.
الناس يرون في رمضان شهرًا للموائد العامرة، التي امتدت عليها صنوف الطعام، وأنواع الشراب، ليملأوا البطون بها.
يرون في رمضان ليالي بهيجة للمسرات، وتبادل الزيارات التي تقدم فيها الحلويات والفواكه التي –ربما- لم يتذوقوها منذ رمضان الماضي.
يصومون فيه -إذا صاموا- وهم نائمون في النهار، ليتمكنوا من سهر لياليه، ليس في الإحياء والذكر وتلاوة القرآن.. بل في الجلوس إلىالتلفزيون، والسمر، والنجوى.
هكذا صار الناس يفهمون رمضان اليوم. فكيف كان يفهمه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
روى أبو هريرة وعائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسل كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده». وفي ذلك يقول الزهري: «عجبًا من الناس، كيف تركوا الاعتكاف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل الشيء ويتركه، وما ترك الاعتكاف حتى قبض..».
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر -أي العشر الأخيرة من رمضان- شد منزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله»
(متفق عليه).
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان. كان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان، يعرض «النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل، كان أجود بالخير من الريح المرسلة»
(متفق عليه).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض، وكان يعتكف كل عام عشرًا، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض» (رواه البخاري).
هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان.. فهل يريد الناس أن يكونوا على غير ما كان عليه النبي الكريم؟
أجهزة الإعلام.. ورمضان
ونصل إلى أجهزة الإعلام: الأجهزة التي توجه الناس، وتسير أفكارهم، وتشكل تصوراتهم.. كيف تستقبل هذه الأجهزة رمضان، وماذا ترى فيه لقد صدرت الصحف المحلية قبل أيام وفي عناوين المحليات هذه العبارات التي كتبت بخط كبير، وتصور كيف يستقبل التلفزيون شهر رمضان المبارك، من هذه العناوين:
استعداد التلفزيون لدورة شهررمضان المبارك
7 أفلام عربية جديدة ومسلسلات عربية وأجنبية.
فإذا كان الرسول قد علمنا كيف نستقبل رمضان بالتوبة والاستغفار ونمضيه بالعبادة، والقيام، والذكر والصيام.. ليس عن الطعام والشراب فحسب، بل عن كل ما نهى سبحانه عنه، إذا كان الرسول قد علمنا هذا.. فإن التلفزيون يريد أن يعلمنا شيئًا جديدًا، يريد أن يستقبل رمضان بالمسلسلات والأفلام...!
ومن المسلسلات التي سيعرضها التلفزيون -قبيل الإفطار- لتسلية الصائم؟! مسلسل كوميدي.. لعل عنوانه يكفي للدلالة على عدم صلاحه «أصل الحكاية كدبة» تدور قصته حول أحد الأطباء، وملاحقة ممرضته له!...
هذا ما سيعرض على المسلم الصائم قبيل الإفطار؟.. ولا داعي لاستعراض عناوين باقي الأفلام العربية التي تدل عناوينها على محتواها الذي لا يتلاءم مع أي شهر.. فما بالك برمضان. ولا نريد أن نبتعد عن الإنصاف، فنغفل ذكر بعض البرامج الدينية حيث أفرد لها التلفزيون مكانًا في إرساله الطويل.. ولكن..
ما نفع هذا الخلط بين الصالح والطالح.. ما الغاية من رفع روح المشاهد حتى السمو.. ثم الانحطاط بها حتى الحضيض؟!