العنوان قضية وتحقيق الإسلام.. وحركات التحرر الوطني
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1978
مشاهدات 57
نشر في العدد 415
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 10-أكتوبر-1978
• جهات مختلفة عرضت علينا المعونات شريطة التخلي عن ولائنا الإسلامي..
• فتحت الحبشة مدارس تبشيرية لإبعاد أطفالنا عن الإسلام.. فأخفقت..
• الثوار يهتفون «الله أكبر» في هجماتهم على معسكرات العدو.
القضية
من ينعم النظر في حركات التحرر في تاريخنا، قديمه وحديثه، يجد أن العامل الأول الذي كان يدفع الناس إلى القتال، وبذل الأرواح والأموال والدماء إنما هو العقيدة، عقيدة الإسلام التي نشأوا عليها، وتربوا بها. ويجد أيضًا، أن غياب العقيدة في حروبنا الحديثة، مع اليهود المحتلين لفلسطين، جعلنا نخسرها جميعًا، ونهزم فيها، على الرغم من كثرتنا، وقلة عدد عدونا.
فشعب الجزائر، لم ينل استقلاله بعد أكثر من مئة وثلاثين عامًا من الاحتلال الفرنسي، إلا لأنه كان يقاتل منطلقًا من عقيدته، ومتوجهًا بوجهه نحو ربه، لا يقاتل تحت أية راية من رايات الجاهلية المرفوعة اليوم، حتى أن كثيرًا من الذين زاروا الجزائر حتى بعد الاستقلال، يحدثونك بأن الشعب هناك لا يحفل بالمفاهيم القومية، بل ليس لها أساس في تفكيره، ويقسم الناس.. مسلمين وكفارًا، ولا يعرف أية تقسيمات أخرى.
ولهذا، بات أعداء هذه الأمة، يحاولون أول ما يحاولون، في حربهم لها، أن ينتزعوا منها عقيدتها، ويفصلوا بينها وبين إسلامها، بشتى الوسائل والسبل، فمرة يسعون إلى التبشير الصليبي، وأخرى إلى عقائد الزيغ والإلحاد، وثالثة إلى النزعات القومية والعرقية، ورابعة إلى العلمانية، وخامسة.. وسادسة.. وهكذا..
هذه هي القضية إذن: إن استعادة الأوطان، وتحرير البلاد، يحتاج إلى رجال مؤمنين بعقيدة واحدة تدفعهم إلى القتال في سبيل الله، ولن تنفعنا هذه الرايات الجاهلية المرفوعة اليوم والآتية من شرق أو غرب فهل ندرك هذه الحقيقة.. جميعًا..؟ وأقول جميعًا، لأننا نحن الإسلاميين ندركها مع إيماننا بعقيدتنا، وحذرنا كثيرًا من نبذها، والتمسك بسواها من المبادئ والأفكار والعقائد.
التحقيق
أما تحقيقنا لهذا الأسبوع، فهو لقاء أجرته المجلة مع وفد جبهة تحرير صومال- أبو-، الذي يرجي أول اتصال له مع المسلمين خارج أراضيه والتحقيق مع أعضاء الوفد، يؤكد القضية التي تحدثنا عنها آنفًا، فالمجاهدون الذين يقاتلون لتحرير أرضهم في الصومال، إنما ينطلقون من عقيدتهم، ولهذا فقد حققوا نصرًا عظيمًا حتى الآن بسيطرتهم على 75 بالمئة من أراضيهم.
والوفد يتألف من:
* الشيخ محمود علي روبي الأمين العام للجبهة وقائدها العام.
* محمد حاج إبراهيم عضو اللجنة المركزية، ومسؤول الشؤون المالية.
* علي أحمد عثمان عضو اللجنة المركزية ومسؤول الشؤون العسكرية.
وحول الغاية من جولتهم هذه يقولون:
هناك دعايات رخيصة تروّج لها أجهزة الإعلام التابعة لحكام الكرملين ولحكومة الحبشة بزعامة السفاح منغستو، بأنه ليس هناك جبهات تحرير تقاتل في- صومال أبو- و- الصومال الغربي-، وأن جمهورية الصومال هي التي تعزو أراضي الحبشة، ويزعم حكام موسكو أنهم في قتالهم إلى جانب الحبشة إنما يحولون دون تحقيق رغبة الصومال في التوسع.
ونحن بدورنا نريد أن نرد على هذه الدعايات الرخيصة، التي لا نصيب لها من الحق، وذلك بما يلي:
- لعل حكومة منغستو، وموسكو من ورائهم، لا ينسون انتفاضة شعبنا في النصف الثاني من العام الماضي، حين انصبت عليه كالصاعقة وألحقت به هزائم نكراء، وجعلت من جنوده جثثًا هامدة، وجذوع نخل خاوية، وما عاد يردد أنه قوة لا تقهر..
- إن شعب- صومال أبو- الذي لا يزال يرزح تحت نير الاستعمار الحبشي البغيض بأقاليمه الثلاثة- بالي، سيدامو، عروس- كان جزءًا من الصومال الكبرى قبل تمزيقه من الاستعمار في أواخر القرن التاسع عشر، وبالتحديد ما بين 1885-1895...
س: هل لكم أن توجزوا لنا التطور التاريخي لجهادكم ضد الحبشة؟
ج- في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي أسس الأمير عمر الأصمعي دولة اشتهرت باسم- إيفات-، أما دولة- عدال-، فقد أنشئت في القرن الثالث عشر، وكان مؤسسها يدعى الأمير سعد الدين بن أحمد ومقرها مدينة- زيلع- الحالية، وقد دارت بينه وبين ملوك الأحباش مناوشات حادة عندما اعتدت الحبشة على حدود دولته، وقام بعدة حملات ضدها بغية ردع سياستها التوسعية ومن بين المعارك الشهيرة التي خاضها تلك التي وقعت على حدود بالي وخرج منها ظافرًا عليهم في عام 1315م.
ولولا انغماس زعماء الصومال في نهاية القرن الخامس عشر في خضم الملذات واللهو، لكان نصيبها الازدهار والوقوف أمام الاستعمار وتوسعه، إلا أنها ضعفت، وبدأ الشلل والوهن يدبان في كيانها، مما زاد الأطماع لدى ملوك الحبشة في التوسع، فقد قاموا بحملات عدوانية على المناطق العليا القريبة من حدودها، حيث نهبوا المواشي، وسلبوا الممتلكات.
وكان قيام ثورة القائد الإمام أحمد جري بن إبراهيم في عام 1528 بمثابة إنقاذ للصومال، وإعادة الوحدة بين أبنائها، وتعبئتهم لخوض معركة طويلة ضد أعدائهم.
ولولا استعانة الحبشة بأسيادها البرتغاليين آنذاك، كما تستعين الآن بالروس والكوبيين، لأراح الإمام أحمد شعوب قرن إفريقيا من مغبة أطماع الاستعمار الحبشي العفن.
وبعد استشهاد أحمد جري، واصل الجهاد الأمير نور، وتوالت الثورات الهادفة، حتى كان عام 1884 الذي قسمت فيه أمتنا إلى خمسة أجزاء بموجب اتفاق أبرم بين القوى الاستعمارية في برلين، ونجحت الحبشة بأخذ أكبر جزء وهو صومال أبو، والصومال الغربي، وتمت سيطرتها على أراضينا بمساعدة أسيادها.
س: على هذا، يمكننا أن نقول إنه لولا استعانة الحبشة بالقوى الخارجية لما استطاعت الوقوف أمامكم؟
ج- هذا صحيح.. فلم يسجل التاريخ أن الأحباش تغلبوا على شعبنا إلا بمساعدة استعمارية خارجية، كما حدث في القرن السادس عشر حيث استنجدت الحبشة بالحامية العسكرية البرتغالية بقيادة-كريستوفر دغاما- شقيق صاحب الكشوفات المعروفة. وكذلك لم يتم احتلالها لأراضينا عام 1887 إلا بعد أن استمد- منليك- مساعدات مادية من رجال وعتاد من القوة الاستعمارية الأوروبية التي كانت متعطشة لسبي الإفريقيين وسلب خيراتهم ولولا دبابات بريطانيا وطائراتها التي ضربت بؤرات ثوارنا لما استطاع هيلاسلاسي أن يعيد سيطرته على أراضينا، كما أن أميركا رعت الاستعمار الحبشي ثلاثين سنة حتى سقط عرش هيلاسلاسي، وما وجود الروس اليوم، وأحلافهم من قوات حلف وارسو، وأذنابهم الكوبيين في معسكرات على أراضينا إلا تكملة لتلك السنّة السيئة التي ظلت عادة لدى القوى الاستعمارية في حماية الاستعمار الحبشي الذي لا يستطيع أن يبيت ليلة واحدة على أرضنا دون مساندة القوى الاستعمارية.
س: وجبهتكم.. متى بدأت جهادها؟
ج- يمكن أن نقول منذ عشرين سنة لكن إعلانها رسميًا كان في عام 1963 أي قبل خمسة عشر عامًا. وبدأت الجبهة جهادها بقوة وشجاعة، واستمر الأمر كذلك حتى عام 1965، ثم ضعف من عام 1967 إلى عام 1973 بسبب عوامل كثيرة، منها ضعف الإمدادات. لكن جنودنا أمضوا هذه الفترة في التدريب داخل الصومال وخارجها. واستأنفنا نشاطنا في عام 1974 واستطعنا أن نحرر أكثر من 90 بالمائة من أراضينا، وتمت لنا السيطرة عليها حتى العام الماضي، ولكن، بعد تدخل الروس والكوبيين، احتلت الحبشة بعض المدن، وبقي 75 بالمائة من الأراضي تحت سيطرتنا.
س: يعد الإسلام العامل الأول في كثير من حركات التحرير الوطني على مدى تاريخنا، فما دوره في جهادكم؟
ج- ليس الإسلام العامل الأول في جهادنا فحسب، بل لعله العامل الوحيد، حتى أن كثيرًا من مقاتلينا يقاتلون الأعداء جهادًا في سبيل الله دون أن تكون لديهم فكرة تحرير أرض أو طرد مستعمر. ولهذا فهم يهتفون في كل هجمة من هجماتهم بهتاف- الله أكبر- وهم يقولون دائمًا إن جهادهم لنيل إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة. وقد قرأ الناس، أو سمعوا من يقرأ لهم، قصص الصحابة رضوان الله تعالى عنهم، وعرفوا جهادهم وصبرهم، ثم انتصارهم بعد ذلك، فأيقنوا أنهم إذا أرادوا النصر فلا بد لهم من السير على سنة الرسول، والصبر والجهاد كما صبر وجاهد هو والصحابة الكرام.
ولقد أدرك الاستعمار الحبشي، ومَنْ وراءه من المستعمرين.. بدءًا من إيطاليا، ومرورًا بأميركا، وانتهاء بالاتحاد السوفيتي، أدركوا أن مصدر قوة الثوار هو الإسلام، فسعوا لإبعادهم عنه، وانتزاع عقيدته من نفوسهم، ففتحوا المدارس التبشيرية لكنهم أخفقوا إخفاقًا ذريعًا، ومنوا بالخيبة، فقد زاد تمسك الصوماليين بالإسلام، وثبتوا أمام محاولات المستعمرين.
وقد منعت الحبشة المسلمين من أداء فريضة الحج، ولم تعد تسمح لأحد من أبناء منطقتنا بمغادرة البلاد لأداء فريضة الحج.
ومن مظاهر ضيق الناس بإسلامنا أن بعض الجهات عرضت علينا مساعدات كبيرة شريطة أن نغير ولاءنا الإسلامي إلى ولاء آخر ترضاه لنا هذه الجهات، لكننا أبينا، ورفض أمين الجبهة ذلك رفضًا قاطعًا وقال: لا يمكن أن نغير ولاءنا لله ولو حرمنا جميع المساعدات والمعونات، وسنظل نقاتل تحت هذه الراية، راية الإسلام.
والنصر التام آت إن شاء الله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7) صدق الله العظيم.