; قضية تنظيم الجهاد ومغزى الأحداث الأخيرة في مصر | مجلة المجتمع

العنوان قضية تنظيم الجهاد ومغزى الأحداث الأخيرة في مصر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أكتوبر-1984

مشاهدات 52

نشر في العدد 686

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 09-أكتوبر-1984

  • الأستاذ عمر التلمساني: براءة (190) متهمًا تنفي عن هذا الشباب كل ما أحاطوه به من ريب وشكوك واتهام بالعنف والاغتيال.
  • الدكتور عصام الدين العريان: الحكم لم ينظر إلى تجنيات النيابة حول وجود تنظيم مسلح يهدف إلى قلب نظام الحكم.
  • الحكم في أضخم وأخطر قضايا الحركة الإسلامية في مصر.
  • براءة (190) متهمًا على رأسهم الدكتور عمر عبد الرحمن والحكم على (110) بتهم تتراوح بين المؤبد والحكم سنتين.

لم تكن الأحداث التي تجري في إحدى الساحات العربية ذات يوم بأحداث «صدفية» أبدًا.. فكل حدث ولا سيما «الأحداث الحكومية» يسبقه ترتيب وتدبير وتخطيط سابق... وإلا..

  • هل يمكن اعتبار مد قانون الطوارئ لسنة خامسة في مصر خارجًا عن ترتيب معين؟
  • وهل يمكن أن تعلن فجأة إعلانات عربية فاقعة تحمل التزكية «لحسني مبارك» دونما ترتيب مسبق؟
  • هل لترابط الأحداث مغزى؟

وهل تناسقت الأحداث المصرية الأخيرة مع بعضها بلا ميعاد.. كمسألة مد قانون الطوارئ.. ورفع أسعار السلع الاستهلاكية التي استجلبت أحداث بلدة كفر الدوار.. ثم سجن (110) من متهمي قضية الجهاد بمدد مختلفة؟

نقول إن العلاقة قد لا تظهر مباشرة بين إيقاع التهمة بـ(110) من معتقلي الحركة الإسلامية في مصر والحكم عليهم بين المؤبد والأشغال الشاقة والسنوات الطويلة.. وبين تزكية معظم الأنظمة العربية لحكم حسني مبارك في الوقت الذي يعلن استمرار التلويح للشعب المصري بالقبضة الحديدية من خلال مد قانون الطوارئ لسنة أخرى!!

إن لترابط هذه الأحداث المصرية ولتوقيتها مغزی هامًا يشير على الأقل إلى أن الجهاز المصري الحاكم مقبل على مهام جديدة فيما يخص مستقبل المنطقة العربية حيث يتضمن ذلك عودة السياسة العربية إلى الخط المصري في التعامل مع قضايا الأمة وعلى رأسها قضية فلسطين والأراضي العربية المحتلة.

  • قضية أحكام تنظيم الجهاد

وصحيح أن الإسلاميين في مصر وغيرها فرحوا لتحلل القضاء المصري بعض الشيء من ضغوط المباحث والمخابرات المصرية.. وصحيح أن أهالي الذين برأتهم المحكمة هللوا وشكروا القضاء.. لكن تبقى معالم الظلم ماثلة في الأحكام التي صدرت بحق (110) من المعتقلين الإسلاميين وقد كانت الأحكام كما يلي:

أصدرت محكمة أمن الدولة العليا، حكمها في قضية تنظيم الجهاد، بعد (22) شهرًا من المحاكمة و(147) جلسة عقدتها هيئة المحكمة.. لم تصدر أية أحكام بالإعدام وقضت المحكمة ببراءة (190) متهمًا على رأسهم... د. عمر عبد الرحمن الأستاذ بكلية أصول الدين بأسيوط والمتهم الأول في القضية.. وحكمت المحكمة على نحو (110) من المتهمين وأصدرت أحكامًا ضدهم تتراوح بين (25) عامًا وسنتين مع الشغل، وقد شملت الأحكام الغيابية (17) متهمًا هاربًا، وسقطت لاثنين توفيا أثناء المحاكمة.

أصدر الحكم المستشار عبد الغفار محمد أحمد وعضوية المستشارين جمال فؤاد وإبراهيم عبد السلام.. ولا يعتبر الحكم نهائيًا إلا بعد تصديق رئيس الجمهورية عليه خلال ستين يومًا من تاريخ النطق بالأحكام وستصدر حيثيات الحكم خلال هذا الشهر..

جاءت الأحكام على الوجه التالي:

  • (17) متهمًا حكم عليهم بالمؤبد (25 سنة) ومن بينهم عبود الزمر الذي حكمت عليه المحكمة بعقوبة أخرى عن تهمة أخرى لمدة (15) سنة ليبلغ مجموع الأحكام الصادرة ضده (40) عامًا.
  • (13) متهمًا حكم عليهم بالأشغال الشاقة (15) سنة.
  • (6) من المتهمين حكم عليهم بالأشغال الشاقة (10) سنوات.
  • (23) متهمًا حكم عليهم بالأشغال الشاقة (7) سنوات.
  • (18) متهمًا حكم عليهم بالأشغال الشاقة (5) سنوات.
  • (31) متهمًا حكم عليهم بالأشغال الشاقة (3) سنوات.
  • (2) من المتهمين حكم عليهم بالحبس مع الشغل سنتين.
  • (190) متهمًا بالبراءة وعلى رأسهم... د. عمر عبد الرحمن.

وأضافت المحكمة (7) سنوات للمتهم طارق الزمر عن تهمة أخرى ليصبح الحكم بسجنه لمدة (22) سنة.

كذلك المتهم محمد محمود صالح الذي وصلت الأحكام عنده إلى (32) سنة.

وكذلك المتهم خميس محمد مسلم (32) سنة أيضًا.

كما قضت المحكمة بحل تنظيمي محمد عبد السلام فرج ومحمد سالم الرحال، ومصادرة كل ما تخلف عن هذه التنظيمات من أموال وأوراق وسيارات وأسلحة.

  • جلسة الحكم

..وسط جو من التوتر الشديد في أوساط المتهمين وأهليهم الحاضرين في انتظار سماع الأحكام، بدأت جلسة النطق بالحكم وسط إجراءات أمن مشددة واستغرقت الجلسة ثلث الساعة، وهو الزمن الذي استغرقه تلاوة الحكم.. استقبل المتهمون المحكمة في بداية الجلسة بالهتافات الحادة، وما إن بدأ رئيس المحكمة في تلاوة الحكم حتى بدت عليهم علامات الارتياح وخصوصًا بعدما أدركوا أن المحكمة لم تستخدم عقوبة الإعدام، وعندما انتهى رئيس المحكمة المستشار عبد الغفار محمد أحمد من تلاوة الحكم.. راح المتهمون يتبادلون التهنئة فيما بينهم، وانفجرت قاعة المحكمة بالتكبير والتهليل بعد ذلك، وخصوصًا بعدما علم المتهمون في قضية اغتيال السادات أن الأحكام الجديدة قد ألغت الأحكام القديمة.. وتضمن الحكم معاقبة مجموعة من المعتقلين بالأشغال الشاقة المؤبدة ومنهم عبود عبد اللطيف الزمر وكرم محمد زهدي وعلي محمد الشريف ونبيل عبد المجيد المغربي وغيرهم.

  • القضاء والنيابة المتجنية

والملاحظة المبدئية بالنسبة للأحكام الصادرة من محكمة أمن الدولة العليا في هذه القضية أن القاضي رئيس المحكمة لم يأخذ بوجهة نظر النيابة في وجود تنظيم يهدف إلى قلب نظام الحكم، ولكنه أخذ بمبدأ العقاب عند من ثبت في حقه اتهام معين بدليل محدد وإلا لكانت الأحكام قد اختلفت عنها الآن بقدر كبير... والذي طالبت النيابة على ضوء اتهامها بوجود تنظيم بمعاقبة المتهمين جميعًا بالإعدام.. عدا ثلاثة فبالأشغال الشاقة المؤبدة.

فقد تكون هذه بداية صفحة جديدة في تاريخ القضاء المصري، وبخاصة في القضايا السياسية حيث لم يأخذ بوجهة نظر الدولة أو النيابة التي تمثل عادة رأي الحاكم أو رأي أجهزة مباحثه ومخابراته.. وإذا كانت هذه الأحكام في بعض جوانبها صفعة للمباحث وللنيابة.. فإن الجور والظلم لم يرتفع عمن نزلت بهم الأحكام المؤبدة.. وأحكام الأشغال الشاقة.. وأحكام السنوات الطويلة لكثير من المتهمين على أن الأمل أن يستقل القضاء المصري في هذه المرحلة عن كل الضغوط وليتقي القضاة الله فيما يحكمون به.. ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 47).

  • رد الفعل الإسلامي

ساد في أوساط الإسلاميين في مصر عامة وأهالي المتهمين في قضية الجهاد بوجه خاص شعور عام بالارتياح وإحساس متدفق بالسرور من تحلل القضاء من ضغوط أجهزة الأمن المختلفة، عقب صدور أحكام قضية الجهاد.. فقد علق الأستاذ عمر التلمساني على هذا الحكم قائلًا: ليس بعد كلمة القضاء العادل من كلام.. ويقول الأستاذ عمر: مشاعري كمسلم، فما من شك في أن الحكم ببراءة (190) متهمًا، أدخل البهجة على نفسي وطمأنني على هذا الشباب الذي اتهم بالعنف والاغتيال، فجاء هذا الحكم فنفى عنه كل ما أحاطوه به من ريب وشكوك، وليس هذا السرور قاصرًا عليَّ ولكنني لمسته في كل من قابلته متحدثًا عن هذا الحكم، فأيقنت أن بذرة الإيمان ما تزال تنبض في قلوب المؤمنين الذين يحبون لإخوانهم ما يحبونه لأنفسهم كما يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

أما الدكتور عصام العريان فقال: إن هذا الحكم هو إنصاف لبعض المعتقلين الإسلاميين في مصر ودليل على أن مؤامرات أمن الدولة ضد هؤلاء الشباب لم تخدع القضاء في مصر، وهذا الحكم في الوقت نفسه يرسي مبدأ هامًا في قضايا الإسلاميين في مصر وفي العالم الإسلامي وهو تجريم المتهم على أفعاله وحده التي اشترك فيها دون النظر إلى تجنيات النيابة حول وجود تنظيم مسلح يهدف إلى قلب نظام الحكم..

وقد تحفظ الأستاذ التلمساني في تعليقه، فقال: إن هذا الحكم لم يصبح بعد نهائيًا، حيث يشترط تصديق السيد رئيس الجمهورية عليه، وهذا لم يحدث بعد، أضف إلى ذلك أنني لم أطلع بعد على حيثيات الحكم التي لها علاقة أولية فيما انتهت إليه المحكمة من رأي كونته على أساس هذه الحيثيات..

هذا، وقد أصدرت نيابة أمن الدولة قرارًا بالإفراج عن الـ(190) فردًا وهم الذين حكمت المحكمة ببراءتهم وقد تم الإفراج عنهم فعلًا وتبحث حاليًا أوضاع أولئك الذين حكم عليهم بثلاث سنوات تمهيدًا للإفراج عنهم بعد أن قضوا المدة.

الرابط المختصر :