; العلم الغربي يعود إلى الله | مجلة المجتمع

العنوان العلم الغربي يعود إلى الله

الكاتب شيرين حامد فهمي

تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2007

مشاهدات 69

نشر في العدد 1772

نشر في الصفحة 30

السبت 06-أكتوبر-2007

(*) باحثة دكتوراه في العلوم السياسية

جورج فيجل: العالم يتجه إلى مخاصمة العلمانية منذ أواخر القرن الماضي، والتدين أصبح ظاهرة اجتماعية في جميع أنحاء العالم

تأصلت العلوم الاجتماعية في أوروبا في أجواء الصراع بين الدين والحياة؛ وترعرعت على مبدأ التنصل من الدين على اعتبار أن الدين هو المناقض الأول والأخير للـ «منهج العلمي»، والمخالف الأعظم للـ «دقة» و«الموضوعية»، ومن ثم لم تخل العلوم الاجتماعية الغربية من ذلك المنهج «التنصلي» الذي اعتبره الباحثون الغربيون بمثابة المنهج الأليق بالبحث العلمي.

تلك كانت القاعدة في الفكر الغربي عمومًا؛ ولكن كما نعلم فإن لكل قاعدة شواذ، وقد شذ بالفعل القليل من عقلاء الغرب عن ذلك المنهج الذي لم يكن علميًّا أو موضوعيًّا، بل كان وجدانيًّا وانفعاليًّا من الدرجة الأولى. 

بلغة أخرى لقد بدأ بعض العقلاء في الغرب يدركون مدى التدمير الذي أحدثه الفصام النكد بين الدين والعلم وبين الدين والحياة (۱)، ومن ضمن هؤلاء العقلاء، الأمير «تشارلز» ولي عهد بريطانيا الذي قال مصرحًا: «إننا- نحن أبناء الغرب- نحتاج إلى معلمين مسلمين يعلموننا كيف نتعلم بقلوبنا كما تتعلم بعقولنا» (۲).

وقد بدأ صوت هؤلاء العقلاء يتصاعد تدريجيًّا- ليس فقط من خلال كلمات أولياء العهد- بل أيضًا من خلال دراسات الباحثين، وأقلام الصحافيين، والأفكار التي باتت تروج على السنة الغربيين أنفسهم. 

ومن ضمن تلك الأفكار التي تعبر عن هذا الاتجاه في الواقع الغربي: 

فكرة «الإله الخفي»

إن انتشار فكرة «الإله الخفي» أو Hid- den God في الغرب، يدلل على فشل الإنسان الغربي في تجاهل أو تجاوز العنصر الرباني الذي يكمن داخله، وهو ما يمنع النموذج العلماني الحداثي من التحقق بالكامل كما يشير الدكتور «عبد الوهاب المسيري» في مقاله «الحداثة المنفصلة عن القيمة والإله الخفي»: «فالإنسان مهما بلغ من إلحاد ومادية، فإنه لا يقبل بالمادة المتغيرة كإطار مرجعي وإنما يبحث دائمًا عن أرض ثابتة يقف عليها وعن كليات متجاوزة للأجزاء». 

في ۱۹ مارس ۲۰۰۷ نشرت مجلة «نيوزويك» الأمريكية مقالاً تحت عنوان «العلم الجديد للتطور الإنساني»، انطلق من فرضية محورية تقول: إن علم التطور الإنساني يشهد حاليًّا ثورته الخاصة، فعلى الرغم من اعتيادنا على النظر إلى نشوء الإنسان عبر سلسلة واحدة، فإن العلم الجديد يرى أن المسألة أعقد من ذلك بكثير، وأكثر عمقًا مما يفترضه العلم العلماني الغربي.

نظرية النظم ومراجعة العلم

وفي منتصف القرن العشرين، وبالتحديد في عام ١٩٥٧م، قام المنظر الأمريكي «لودفيج برتالانفي»، بتقديم نظريته الجديدة- نظرية النظم- التي نقض بها الفكر العلماني الغربي المادي البحث.

لقد ضربت النظرية الجديدة أهم مبادئ الفكر العلماني الغربي وهي المبادئ التي تتلخص في التالي: الحتمية العلمية أو السببية المنضبطة التي تبسط العلاقات السببية بين المتغيرين، دون النظر إلى أسباب أخرى غير مرئية التصور الآلي الاستاتيكي للعالم الذي ينظر إليه باعتباره مادة بحتة يصدر عنها كل شيء، بل مادة خالية من الغرض والهدف والغاية.

إن التوجه الذي رصدناه أعلاه- والذي لا يمثله إلا قلة من النخبة الغربية- يضرب كما نلحظ في ثقافة «التبسيط»، التي تقول إن الإنسان يستطيع العيش دون إله ورب؛ وهو يضرب في ثقافة التبسيط التي تقول إن الإنسان نشأ من سلالة القرود، وإن مرجعه إلى المادة التي لا هدف منها ولا غاية؛ وهو يضرب في ثقافة «التبسيط» التي تؤمن بالأسباب المرئية المحسوسة فقط، ولا تؤمن بالأسباب غير المرئية والمحسوسة. 

مراجعة علم العلاقات الدولية

على الرغم من أن الحضارة الغربية لا تخفي موقفها السلبي من الدين، إذ تقول صراحة- كما يوضح «محمد قطب» في كتابه «حول التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية»: «إن الحياة البشرية قد مرت في ثلاثة أطوار؛ طور السحر والخرافة، وطور التدين، وطور العلم، إلا أن ما نشهده اليوم هو انحسار- ليس كبيرًا ولكنه واضح- لموجة الإلحاد تحت مطارق العلم ذاته، الذي تشبثت به الحضارة الغربية ليخلصها من سلطان الدين ذاته. 

«فالعلم اليوم هو الذي يرد الناس إلى الحقيقة التي أرادوا أن يهربوا منها»: وهي أن الدين من الثوابت التي تشتمل عليها الفطرة.

من أبرز هذه الدراسات تلك التي قدمها «جورج فيجل» و«باري روبين» و«جوناثان فوكس».

ونستطيع أن ترصد بإيجاز رؤية «جورج فيجل»، رئيس مركز «السياسة والأخلاق العامة»، الذي يؤكد في بحثه «Religion and Peace: An Argument Com- Plexified» على أن العالم يتجه إلى اللاعلمانية unsecularization of the world، حيث ساد الدين- في أواخر القرن العشرين- كظاهرة اجتماعية في جميع أنحاء العالم.

ففي الولايات المتحدة نفسها، ظهر المجتمع الأمريكي المتدين بالرغم من توقعات المفكرين العلمانيين بعكس ذلك.

وفي الاتحاد السوفييتي السابق، لم يكن للشيوعية أن تسقط إلا من خلال جهود الكنائس الكاثوليكية في بولندا، ورومانيا وبلغاريا.

وفي العالم العربي اندلعت ظاهرة «الإسلام المسلح» وأكد نفسه بشدة، ومن ثم- والكلام ل«فيجل»- نستطيع أن تدحض المقولة التالية: كلما ازداد التمدن والتحديث ازدادت العلمانية، فالدين له الآن دور فعال على الساحة الدولية ولذلك، فعلينا استثماره في حل الأزمات السياسية بالوسائل السلمية.

أما «باري روبين»، فتتمثل وجهة نظره- من خلال بحثه «Religion and International Affairs»- في أنه كلما زادت المدنية والثقافة والتعليم، صار الناس أكثر حرصًا وبحثًا عن هوية أو أيديولوجية تمثلهم، وكلما زادت الأزمات المصاحبة للمدنية، زاد الطلب على الدين كحل لتلك الأزمات.

وأما «جوناثان فوكس»، فقد انتقد- في بحثه «Religion as an Overlooked Element of International Rela- tions»- الدراسات النظرية التي أهملت عنصر الدين في بنائها، ورأى في ذلك خطرًا على مصالح الدول الغربية. وهو يري أن الدين يؤثر على العلاقات الدولية عبر ثلاثة طرق:

1- تأثر السياسات الخارجية بالتوجهات الدينية لدى صناع القرار. 

2- اعتبار الدين مصدرًا للشرعية في تأييد الحكومة أو سحب الثقة منها.

3- تخطي الأمور الدينية المحلية للحدود الدولية، ومن ثم تحولها إلى أمور دولية، وهو ما يسميه بالـspillover effect.

أبعاد ثقافية وحضارية

وتعلق الدكتورة «نادية مصطفى»- أستاذة علم العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة- قائلة: «إذا كانت عوامل القوة المادية الشغل الشاغل للغرب خلال القرون السابقة من صراعه مع الإسلام والمسلمين، فإن طبيعة المرحلة الراهنة من العلاقات الدولية تدفع على السطح بأولوية الاهتمام بالأبعاد الاجتماعية والحضارية». 

ولذا فليس من الغريب أن يتم استدعاء «صراع الحضارات» ليحل كمنظور بديل عن صراع سياسات القوى، وقد تأتي أحداث 11 سبتمبر ثم حرب أفغانستان لتمثل قمة ما وصل إليه منحنى الرؤى المتبادلة بين عالم المسلمين وعالم الغرب، ومنحنى السياسات الغربية تجاه الأمة خلال العقد الأخير من القرن العشرين، وبذا تصبح أولى حروب القرن الجديد بمثابة مفترق طرق خطر بالنسبة لوضع الأمة الإسلامية في النظام الدولي (٤).

الهوامش

1- محمد قطب، «حول التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية» دار الشروق ٢٠٠٦م.

2- صحيفة «الشرق الأوسط»، عدد ،٦٥٩٢ ١٥/ ١٢/ ١٩٩٦م.

3- الجزيرة نت ۸/ ٣/ ٢٠٠٧م.

4- أ.د نادية مصطفى «التحديات السياسية الحضارية الخارجية للعالم الإسلامي: بروز الأبعاد الحضارية الثقافية»، تقرير «الأمة في قرن»- عدد خاص من حولية أمتي في العالم الكتاب السادس، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية ٢٠٠٠- ٢٠٠١م.

الرابط المختصر :