العنوان قضية الجاسوس عزام.. صفقة صدمت الشارع العربي
الكاتب أحمد كرماوي
تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2004
مشاهدات 81
نشر في العدد 1631
نشر في الصفحة 22
السبت 18-ديسمبر-2004
جاء إفراج السلطات المصرية عن الجاسوس الصهيوني من أصل درزي عزام عزام مؤشرا على عودة الدفء إلى العلاقات بين الكيان الصهيوني والنظام المصري بعد سنوات طويلة من الفتور السياسي أملته ظروف المرحلة خصوصا انتخاب شارون رئيسًا للحكومة الصهيونية في فبراير ٢٠٠١م.
وقد واجه قرار الرئيس المصري حسني مبارك بالإفراج عن عزام انتقادات قاسية من أكثر من جهة عربية، إضافة إلى الاستهجان الذي عم الشارع المصري خصوصًا أن الثمن الذي حصلت عليه مصر مقابل ذلك لم يكن بمستوى طموحات المصريين أو العرب بشكل عام. فالطلاب المصريون الستة الذين أفرج الكيان الصهيوني عنهم كانوا قد اعتقلوا بعد عبورهم لقطاع غزة في أغسطس الماضي ولم يحكم عليهم بعد رغم أن سلطات الاحتلال اتهمتهم بالتخطيط لتنفيذ «عمليات معادية».
استهجان الشارع المصري والعربي من الصفقة أذكى ناره المقارنة بين الصفقة الناجحة التي توصلت إليها منظمة حزب الله اللبنانية العام الماضي والحكومة الصهيونية، التي أفرج الكيان الصهيوني بموجبها عن مئات السجناء الفلسطينيين واللبنانيين وبعض العرب مقابل إطلاق سراح ضابط احتياط في الجيش الصهيوني، وإعادة بقايا جثث ثلاثة جنود صهاينة أسروا جنوب لبنان ثم قتلوا بعد ذلك. فالمقارنة بين الصفقتين مسألة مشروعة خصوصًا أن الكيان بذل على جميع المستويات كل المحاولات الممكنة والمستميتة للإفراج عن جاسوسه المحكوم عليه بالسجن ١٥ عامًا والتي قضى منها ثمانية أعوام في السجن حتى ان الكيان الصهيوني استخدم الإدارة الأمريكية في أكثر من مناسبة للضغط على الحكومة المصرية للإفراج عنه، وهو ما يمكن أن يكون مؤشرًا على استعداد الكيان تقديم تنازلات لمصر أكبر من تلك التي قدمها لحزب الله.
وقد تحدث بعض المراقبين – دون دليل – عن وجود صفقة خفية بين القاهرة وتل أبيب لإطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين بينهم رموز فلسطينية كمروان البرغوثي، وقيل إن تلك الصفقة تشمل أيضًا عددًا من قيادات حماس في سجون الاحتلال. لكن الرئيس المصري نفى وجود مثل هذه الصفقة وذلك في معرض رده على عدم مطالبة مصر بالإفراج عن أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية مروان البرغوثي، مقابل عزام، إذ قال إن لديه« سلم أولويات ومن البديهي أن تعطى الأفضلية المواطن مصري قبل غيره». غير أن هذا التبرير يظل مجروحًا إذا علمنا أن بعض الجنود المصريين مازالوا في السجون الإسرائيلية منذ حرب أكتوبر. فهناك- كما تقول بعض الجهات المصرية. أسرى مصريون بينهم ثمانية جنود يحتجزهم الكيان الصهيوني في سجن المجدل منذ حرب السادس من أكتوبر/ تشرين الأول عام ١٩٧٣م.
فمعاهدات السلام بين مصر والكيان لم تنجح في إطلاق سراحهم حتى الآن، كما أن الحكومة المصرية لم تستفد من ورقة الجاسوس عزام رغم أنها أبدت تشددًا في مسألة الإفراج عنه وهو ما لاقى تقديرًا واسعًا من الشارعين العربي والمصري على مدى السنوات الماضية قبل أن ينهار هذا التشدد فجأة.
أحد المؤشرات الأخرى على الفشل في إدارة قضية الجاسوس عزام أن الإفراج عنه جاء بعد مرور أقل من شهر على مقتل ثلاثة جنود مصريين برصاص جنود الاحتلال في رفح الحدودية، وقد اعتذر شارون عن تلك الجريمة التي ادعى أنها وقعت بالخطأ.
مصادر مصرية ذكرت أنه خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، ومدير المخابرات المصرية. عمر سليمان إلى إسرائيل، الشهر الماضي اجتمع سليمان مع شارون على انفراد. وقد ادعت هذه المصادر أنه تم في ذلك اللقاء الاتفاق نهائيا على تفاصيل الصفقة. كما أعطى الطرفان الضوء الأخضر لبدء تنفيذ الصفقة.
وكان مكتب شارون قد أعلن قبل ذلك «أن إطلاق سراح عزام تم إثر استجابة الرئيس المصري حسني مبارك، طلب أيريل شارون وكبادرة حسن نية شخصية أمر مبارك السلطات المصرية بتقصير مدة سجن عزام».
توتر وفتور مبكر
على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية ظلت العلاقات بين تل أبيب والقاهرة تتسم بالتوتر صعودًا وهبوطًا . وحتى قبل مقتل الرئيس المصري السابق أنور السادات في أكتوبر عام ١٩٨١ كان التوتر يسود العلاقات بين البلدين. وقد حاولت الحكومة الصهيونية من خلال سفارتها في القاهرة في ذلك الوقت منع المقالات الصحفية المعادية لليهود والكيان الصهيوني والتي تنشر في الصحف المصرية، وحتى هذا اليوم فإن عدد المصريين الذين يدخلون «إسرائيل» الغرض السياحة محدود جدًا، وإن حدث فإنه يتم تحت الرقابة الصارمة من جانب سلطات الأمن المصرية.
كما أن التبادل الأكاديمي والثقافي بين تل أبيب والقاهرة شبه معدوم تقريبًا إضافة إلى تمسك النقابات والاتحادات المهنية المصرية بمقاطعة العدو الصهيوني وبضائعه حتى اليوم وهي مقاطعة حققت نجاحًا قياسيًا.
تاريخ العلاقات المصرية الصهيونية يشير أيضا إلى انعطافات حادة تمثلت في هجمات تعرض لها سياح ودبلوماسيون إسرائيليون في مصر. ففي عام ۱۹۸۵ قتل دبلوماسي إسرائيلي في القاهرة، كما هوجم دبلوماسيون إسرائيليون عندما كانوا يغادرون أرض المعارض الدولية في القاهرة عام ۱۹۸٦. وفي فبراير ۱۹۹۰ قتل تسعة سياح صهاينة وأصيب ۲۱ آخرون في سيناء، عندما هاجم مسلحون ملثمون حافلة سياحية صهيونية على أن أخطر تلك الهجمات ما وقع في الثامن من أكتوبر الماضي عندما فجر مجهولون فندق هيلتون في منتجع طابا المصري والذي كان مليئًا بالسياح الصهاينة حيث قتل حوالي ثلاثين منهم وأصيب العشرات.
بعض المراقبين السياسيين أرجع الفتور والتوتر في العلاقة بين الجانبين في الفترة الماضية إلى جملة من الأحداث السياسية التي شهدتها المنطقة والتي يتهم المصريون الجانب الصهيوني بالمسؤولية عنها على مدى الأعوام الخمسة والعشرين الماضية. ومنذ مجيء شارون للحكم في مارس ۲۰۰۱ ازداد تدهور العلاقات بين القاهرة وتل أبيب وخلال هذه الفترة تراجعت عدد زيارات المسؤولين الصهاينة لمصر، كما أن المسؤولين المصريين لم يزوروا الكيان إلا في حالات محدودة وبهدف التوسط بين الطرفين الصهيوني والفلسطيني
كما أن الصادرات الصهيونية. في عهد شارون – لمصر تراجعت من ٤٧ مليون دولار عام ٢٠٠١ إلى ۲۲ مليون دولار عام ٢٠٠٢م. أما الصادرات المصرية فقد ظلت تتراوح بحدود ۲۰ مليون دولار سنويًا غالبيتها من الصادرات النفطية.
عشرات الآلاف من السياح الصهاينة يتدفقون على مصر كل عام غالبيتهم بغرض السياحة الدينية وفي المقابل فإن حركة السياح المصريين إلى الجانب الآخر محدودة جدًا ولا تذكر مقارنة مع السياحة «الإسرائيلية» لمصر. وعلى الرغم من هذا الفتور المستمر فإن الحكومات الصهيونية المتعاقبة ظلت مطمئنة إلى رغبة الحكومة المصرية الحقيقية في المحافظة على اتفاق السلام بين الجانبين لسبب رئيس وهو حرص القيادة المصرية على إقامة علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة وضمان تدفق بلايين الدولارات الأميركية على مصر. ومازالت القاهرة تصر في مواقفها المعلنة على أن تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني تطبيعًا کاملًا مرهون بتحقيق سلام شامل في المنطقة بما في ذلك الانسحاب من الأراضي المحتلة وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس.
بعض المراقبين يرون أن الإدارة الأمريكية غير راغبة في الضغط على مصر ضغطًا قويًا ومباشرًا لحملها على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل بشكل كامل بسبب قناعة واشنطن أن الضغط المباشر على القاهرة قد يعطي نتائج عكسية ويظهر الحكومة المصرية تابعة لواشنطن في أعين المصريين والعرب إضافة إلى استفادة واشنطن من الدور المصري الذي هيا للولايات المتحدة علاقات جديدة وواسعة مع عدد كبير من الدول العربية والسلطة الفلسطينية. أضف إلى ذلك أن مصر لديها حساسية متأصلة من مسألة منازعتها على دور اللاعب الرئيس في كل لعبة في المنطقة، ولذلك حتى في مسألة تطبيع العلاقات العربية مع الكيان الصهيوني تريد القاهرة أن يتم ذلك من خلال البوابة المصرية وليس من أي بوابة أخرى.
وفي هذا الإطار يبرز الحرص المصري على الإمساك بكل الخيوط الفلسطينية في الصراع الفلسطيني الصهيوني، وهو ما يبدو واضحًا في الضغط المصري المستمر على الفصائل الفلسطينية الرئيسة لوقف عملياتها العسكرية ضد الاحتلال، فالقاهرة في هذا الإطار تضع أيديها على الخيوط الفلسطينية بينما تظل عينها متسمرة بعيدا .. باتجاه واشنطن.
انفراج أزمة الجاسوس عزام وتحسن العلاقات بين القاهرة وتل أبيب فتح شهية وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم للحديث عن انفراج في علاقات تل أبيب مع عدد من الدول العربية حيث إن المغرب وتونس وعمان والأردن ستعيد سفراءها إلى تل أبيب بعد أن سحبتهم إبان الانتفاضة الفلسطينية.
وتوقع شالوم قيام عشر دول عربية جديدة يفتح ممثليات لها في إسرائيل، في المستقبل القريب خصوصًا بعد انتخابات الرئاسة الفلسطينية في التاسع من يناير القادم، عرف من هذه الدول حتى الآن الإمارات العربية المتحدة وليبيا. وكانت الأنباء قد ذكرت أن ليبيا وجهت دعوة رسمية إلى نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي موشيه كحلون« من حزب الليكود وهو من أصل ليبي»، لزيارة طرابلس الغرب وبررت ليبيا دعوة كحلون بأنها لمناقشة الأملاك اليهودية التي ظلت في ليبيا بعد هجرة اليهود منها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل