; من قضايا المصير..قضية التعليم في العالم العربي | مجلة المجتمع

العنوان من قضايا المصير..قضية التعليم في العالم العربي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-سبتمبر-1987

مشاهدات 86

نشر في العدد 834

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 15-سبتمبر-1987

• أول جامعة قامت في مصر هي جامعة فؤاد الأول «القاهرة حاليًا» كان الهدف منها ضرب الشريعة الإسلامية.

• مشكلة التربية والتعليم في التصور الإسلامي تأخذ أبعادًا أخرى وقيما أبعد من مجرد كتاب ومدرس وطالب ومدرسة.

أين تقف قضية التعليم في أولويات القضايا العربية بعد أن نال العديد منها استقلالها قبل فترة زمنية يزيد بعضها على العقدين والثلاث، وهل حقق التعليم وسياسته أولويات التنمية، وهل ساهمت فلسفة التعليم ومناهجه في عالمنا العربي في محو الأمية أم في تثبيت أركانها؟! 

كلها أسئلة مطروحة للمناقشة عبر عرض ملخص الحقائق مذهلة حول هذا الموضوع. وكل هذه الحقائق جعلت للموضوع أولويه وأهمية كبرى لأنه يسهم في أعداد أجيال المستقبل، وتخريج الصفوة المتعلمة والمثقفة في أمة تفوق فيها نسبة الأمية 80%.

من هذه الحقائق:

  • ارتفاع نسبة الأمية في عالمنا العربي؛ حيث تبلغ أشدها في قرى المغرب العربي لتصل إلى 92.5% في فئات ٢٥ إلى ٣٥ سنةً أي قمة الشباب والعطاء.
  • انخفاض مستوى الخريجين الثانويين والجامعيين، وضعف التحصيل وقلة العطاء العلمي لديهم.
  • اختلال التوازن بين التعليم الأكاديمي والمهني في غالبية الدول العربية.
  • ارتفاع نسبة الغش في الامتحانات وتحولها من ظاهرة فردية إلى ظاهرة جماعية وبالقوة والتهديد.
  • ضعف مستوى اللغة العربية لدى الخريجين في المعاهد والجامعات وانعزالها العلمي والأدبي عن واقع الحياة في العالم العربي.
  • ضعف المناهج التعليمية العربية في المدارس والمعاهد والجامعات وانعزالها عن التقدم العلمي والتغييرات العلمية الحاصلة في ميادين العلم التطبيقي وطرق البحث العلمي ومناهجه.
  • متابعة الغرب في مساواة المرأة بالرجل في مناهج التعليم رغم الاختلاف التكويني والنفسي البارز بينهما، واختلاف دور كل منهما في الحياة، ونص القرآن والحديث على ذلك. 
  • الفصل الظاهر بين التعليم الديني والدنيوي، وانعزال المناهج التعليمية عن واقع الإسلام، وعرض الحقائق العلمية مجردة، دون إظهار قدرة الله في العلوم، تشبها بالغرب العلماني والشرق الملحد.
  • الإنذارات المتكررة لجامعاتنا العربية بسحب الاعتراف من شهادات خرجيها لضعف مستوياتهم.

كل هذه الحقائق تدعونا لبحث هذا الموضوع بجدية والخروج بحلول معقولة وممكنة لعلاج قضية تهدد التعليم والاقتصاد، بعدما صارت الأمية صفة لازمة للأمة التي كان أول ما نزل في كتاب الله عليها قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1).

بداية التعليم الحديث في العالم العربي:

 كان كل ما ذكرناه ظواهر وأعراض للمشكلة الحقيقية لكنها ليست هي المشكلة بحد ذاتها، إذ أن جذور المشكلة وأصولها أعمق من الظواهر البادية للعيان. ترجع في معظمها إلى بدايات التعليم في العالم العربي والذين قاموا على تأسيسه، وهم في الغالب من رجالات الاستعمار الغربي وأعوانه.

وإذا اخترنا مصر على سبيل المثال، كبلد من البلاد العربية التي سبقت غيرها في التعليم الحديث، وظهرت فيها أول جامعة عربية للعلوم في العصر الحديث، فإننا نجد أن جذور التعليم الحديث قد بدأت مع الاستعمار الإنجليزي في مصر، وكان أول من رعاه قسيس إنجليزي اسمه «دنلوب». كان الهدف الأساسي من النظام التعليمي والمناهج الموضوعة هو تخريج أجيال تستطيع أن تحقق أهداف الاستعمار، وتخدم من بين أبناء الشعوب الرازحة رجالاته تحت الاستعمار، كما أنها استهدفت أبناء وبنات الصفوة المرفهة في مصر دون بقية أبناء الشعب المحروم؛ نظرًا لأن هذه الطبقات كانت الأقرب إلى المستعمر فكرًا وسلوكًا والأكثر تعاونًا معه؛ لارتباط مصالحها في الغالب به. وقد كان أهم هدف إرادة «دانلوب» القسيس هو ضرب نظام الكتاب القروي، والذي كان يعلم القرآن الكريم، ومن خلاله تخرج رجالات عظام في الأدب وغيره كالرافعي وسيد قطب ومحب الدين الخطيب وغيرهم، وأراد من خلال النظام الحديث أن يمحو العربية ويعلم المصريين الإنجليزية؛ ليكونوا أقرب فكرًا وثقافةً إلى إنجلترا منهم إلى الأمة العربية وجذور الإسلام والحضارة الإسلامية.

 بل أن أول جامعة قامت في مصر وهي جامعة فؤاد الأول «القاهرة حاليًا» كان الهدف منها هو ضرب الشريعة الإسلامية، فهي أول ما قامت لم تقم لتعلم المصريين الطب أو الهندسة؛ بل علمتهم «الحقوق» أي القوانين الإنجليزية والفرنسية، وكان الذي يتخرج منها يعين في ظل الاستعمار الإنجليزي وزيرًا، ويتسلم أعلى المناصب. وقد كان الهدف واضحًا، وهو استبدال التشريعات الإسلامية بالتشريعات الأجنبية والقضاء على التعليم الإسلامي؛ لضرب العقيدة الإسلامية في عقر دارها، وتجميد الأزهر على يد الإنجليز بعد أن اقتحمت الخيل الأزهر في ظل الفرنسيين وحكم نابليون، كان الهدف هو مسح الهوية العقائدية والثقافية الإسلامية في مصر، وتحويلها إلى الهوية الغربية، لكن بصورة أرق من البربرية والوحشية العنيفة التي مارستها فرنسا في الجزائر وتونس. لكن الهدف بقي واحدًا.

وقد حرص «دنلوب» على إهمال التعليم الديني واللغة العربية، والتفريق في الراتب ما بين معلمي الدين والعربية وزملائهم من مدرسي المواد الأخرى، أما الذي كان صاحب الراتب الأعلى فهو مدرس اللغة الأجنبية الإنجليزية! وكان من نتيجة ذلك أن اتجه معظم الناس إلى دراستها حتى أصبحت كليات اللغة العربية في حاضرنا تعرض المنح المجانية لنيل الشهادات العليا في اللغة العربية، ولا يقبل عليها أحد ويدفعون الأموال الطائلة لتعلم اللغة الأجنبية.

 كما جعل «دنلوب» حصص العربية والدين في أخر اليوم الدراسي، حين يكون الطالب مرهقًا ومتعبًا، وتقل لديه القدرة على الاستيعاب والتحصيل، حتى صار يكره العربية والدين.

 إن خريجي المدارس الحديثة والجامعات الأول لم يعدوا كونهم خدمًا مدنيين في حكومات الاستعمار، فلم تكن تريد بريطانيا أن يقوم أبناؤها بإدارة البلاد المستعمرة في وظائف وضيعة، فهم صفوة مختارة، فقد كان يكفي أن تضع مستشارًا إنجليزيًّا واحدًا يعمل في خدمته مسلمون كثيرون. 

أخطأ الغرب وتابعناه على الخطأ:

وأخطأ الغرب بحقنا عامدًا، ولكن الغرابة في أننا تابعناه على نفس الخطأ وبنفس الخطى التي سارها وعلى نفس النهج دون أن نفكر في تغيير فلسفة التعليم وسياسته في بلادنا، بما يناسب ديننا وعقيدتنا الإسلامية، وبما يتماشى مع ضرورات النهضة والتنمية في بلادنا، ولكن يبدو أن العقلية التي كانت تتحكم في وزارات التربية والتعليم في ذلك الوقت كانت عاجزة عن التفكير؛ لأنها نشأت في حضن الاستعمار، وصنعت على عينه كما أراد: عاجزة عن التفكير!

وكان من هذه الأخطاء:

  • جمود المناهج التعليمية وقصورها، واحتوائها على كم كبير من المعلومات دون طرح مناهج التفكير التي أدت للحصول على هذا العلم وهذه المعلومات.
  • تركيز المدارس في المدن دون القرى وتدمير الكتاب القروي.
  •  المساواة في مناهج التعليم بين الرجل والمرأة في كل مراحل العمر وفي كل التخصصات.
  • لقد بقي المنهج المدرسي يعلم المصريين أن بلادهم ليست جديرة بالتطور الصناعي؛ لأن ليس فيها فحم حجري، بالرغم من رحيل «دنلوب» بعد ذلك بعشرات السنوات. وكان التطور مرتبط بالفحم لا بالبترول ومصادر الطاقة الأخرى، ولأن الفحم موجود في بريطانيا وليس موجودًا في مصر؛ بل يجب على مصر أن تبقى دولة زراعية تصدر القطن والمحاصيل الزراعية وحسب. 

وكان من هذه الأخطاء القاتلة كذلك:

  • تبني النظريات التربوية الغربية على علاتها وما فيها من أخطاء وتناقض مع الواقع الفعلي للإنسان والفطرة الإنسانية، وترك سبيل التربية الإسلامية ومبادئها.
  •  الاهتمام بتطوير العلوم دون تطوير التربية وأساليبها، وإفراد حصص مدرسية خاصة بها.
  • حصر التعليم في المدارس التقليدية. 

فشل في الغرب وفشل عندنا كذلك: 

وقد كانت نتيجة اتباع السبل التربوية الغربية فشل عندنا كما هو عند الغرب، فإن مشكلة التربية والتعليم في التصور الإسلامي تأخذ أبعادًا أخرى وقيمًا ومعادلات مختلفةً أشمل وأعمق من مجرد كتاب ومدرس وطالب ومدرسة، إنها تتخذ طابع الجسم بين منهج ومنهج، وعقيدة وعقيدة، ونظام ونظام، وتصور وتصور، أما الإسلام وأما غيره. وهذا الوضوح لا يقبل مجالًا للشك، ولا يدع مجالًا للريبة ولا للخلط والتمويه. فالمشكلة ليست مشكلة منهج وأفراد بقدر ما هي مشكلة عقائد وقيم وتصورات وأخلاق. وإن لهذه المشكلة جذورًا عميقةً تتصل مع بقية المشاكل الموجودة في المجتمعات البشرية جمعاء على اختلاف صورها وتعقدها ودرجاتها، لتصل إلى جذر عميق واحد هو: العقيدة والنظام السياسي.

وما أكثر النظريات التربوية التي نهرع إلى تطبيقها في مجتمعاتنا وبيئتنا المسلمة التي لا تقبل هذه النظريات؛ لأن بنيتنا الاجتماعية التابعة من التصور الإسلامي والعقيدة الإسلامية ترفض نمطًا غربيًّا تابعًا من التصور العقائدي الغربي، نصرانيًّا كان أو علمانيًّا أو ملحدًا منكرًا لوجود الله وما أكثر تنوع هذه النظريات نفسها وتقلبها بين النقيضين، وكم هو عظيم فشلها في تحقيق التربية المثلى للإنسان، وتخريج أجيال سليمة فكريًّا ونفسيًّا لبناء المجتمع الإنساني السليم وهذه الحقائق تتكلم:

  • ٧٠٪ من الفتيات الأمريكيات تحت سن ١٧عامًا غير عذراوات.
  •  ٤٥% من أصحاب الجرائم في أمريكا من فئة سن تحت ٢١ عامًا.
  • ٥٠% من المعتدين في الجرائم الجنسية من فئة سن تحت ٢١ عامًا.
  • ۱۸ ألف جريمة يرتكبها الصبيان تحت سن ١٥ عامًا في أمريكا تشمل القتل والخطف والاغتصاب، كما يمارس هؤلاء الصبية قتل وخنق الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم بضعة شهور، واغتصاب فتيات تحت سن ١٠ سنوات.
  • 75% طفلًا تتراوح أعمارهم ما بين ٦ و١١عامًا يقدمون على الانتحار في بريطانيا.
  • أكثر من ٥٠% من ضحايا الانتحار يتمتعون بنسبة ذكاء عالية ومستوى معيشي جيد. 

هذه هي التربية الغربية ونظريات الدكتور «سبوك» في تربية الأطفال، وهذه التربية التي أنتجت الجيل المتمرد في أمريكا وفي أوروبا وأعطتهم جيل الهيبز والبنكس.

وهذه هي التربية التي تريد الولايات المتحدة الأمريكية تصدير أنماطها إلى العالم الإسلامي عبر بعثاتها الدراسية، ودوراتها التربوية ووقودها العلمية إلى المعاهد والمدارس ووزارات التربية في العالم العربي.

  • وفي بريطانيا شكوى من انخفاض مستوى التعليم وفشل المناهج الدراسية.
  • وفي الولايات المتحدة شكوى من أن المدارس والمناهج التعليمية ما عادت قادرة على تخريج أجيال ذات مستوى علمي مرموق.
  • وفي العالم الغربي كله شكوى من أن النظام التعليمي غير قادر على إبراز العباقرة والمتفوقين، وفي العالم الغربي شكوى من انخفاض معدلات الذكاء لدى الأطفال مع تقدمهم في العمر والمراحل الدراسية.

وبما أننا نتبع نفس الخطى فإننا نشكو، ولكن بدرجة أقل في مجال التربية لوجود الإسلام، ولكن بصورة أكثر حدة في مجال التعليم، وهذه دلائل ومؤشرات:

ارتفاع نسبة الغش في الامتحانات وتحولها إلى ظاهرة جماعية في كل الدول العربية، وكان أكثرها حدة في مصر؛ حيث قام أولياء الأمور في المدرسة الحسينية للعام الدراسي 86/87 بالاعتداء بالقوة على المدرسين الذين منعوا أبناءهم من الغش، في حين شهدت مدارس أخرى ظاهرة التغشيش بالميكروفونات!

  • إلغاء امتحان البكالوريا «يعادل الثانوية العامة» في المغرب بأمر من الملك الحسن الثاني بعد أن انخفضت نسبة النجاح فيه من ١٥% عام ١٩٨٣ إلى 11.45% عام ١٩٨٧، وهي نسب متدنية جدًّا.
  • اكتظاظ الجامعات بالطلبة، وانخفاض مستوى التدريس الجامعي ومستوى الخريجين، مع اكتظاظ مكاتب الدولة بالخريجين الجامعيين؛ مما خلق بطالة مقنعة.
  • يقابل ذلك في الجانب الآخر عدم وجود معاهد فنية ذات مستوى جيد؛ مما جعل معظم الدول العربية تعاني من نقص حاد في الكفاءات الفنية، وتضطر إلى استيرادها من دول شرق آسيا. 

هل حقق التعليم عندنا أهدافه؟

ومع هذا الفشل يحق لنا أن تتساءل في وطن عربي تبلغ نسبة الأمية فيه في المتوسط٧٠٪ هل حقق التعليم بفلسفته ومناهجه وسياسته وتقنياته التربوية ما هو مطلوب منه؟

إن الأمية تصل في بعض البلدان الإسلامية إلى ۲ كالنيجر أو 90% مثل عمان وموريتانيا والسنغال واليمنين الشمالي والجنوبي، أما أسعد البلدان حظًّا فهي تلك التي تبلغ فيها الأمية نسبة ٤٠% أو ٣٥ %مثل تركيا والأردن.

والسؤال هنا: كيف تفهم أمة عقيدتها ودستورها «القرآن الكريم» وهي لا تقرأ ولا تكتب؟

كيف نكون أمة صالحة مؤمنة؟ وكيف وصل بنا الحال إلى هذا؟

أن الإمام ابن تيمية يقول في حق تعلم اللغة العربية أنه من واجب المسلم أن يتعلم القرآن والحديث، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب! لذا فتعلم اللغة العربية واجب على كل مسلم ومؤمن.

 وإن الأمية هي رأس المثلث الرهيب الذي يؤدي إلى الفقر والمرض. أن التساؤل وحده لا يجدي، إذا لم نطرح إجابات ووسائل العلاج. فالتعليم عندنا لم يقض على الأمية، ولم يرتفع بالعنصر البشري المسلم إلى ما هو مطلوب منه التأدية دوره في بناء العالم الإسلامي، ولم يعط العالم العربي والإسلامي جيًلا من المهندسين، يقابله جيل من الفنيين المؤهلين صناعيًّا للنهوض بالاقتصاد، ولم يعطنا جيلًا من المهندسين الزراعيين الذين نهضوا بالزراعة، بدليل أن الصناعة والزراعة في بلادنا العربية قبل الاستقلال أفضل منها بعد الاستقلال، وذلك بفضل الحكومات الشورية وسياسة التأميم والدعم الصناعي والزراعي الناقصة، والنظم الاقتصادية الاشتراكية وهي جزء من المشكلة. كما أن نظام التعليم عندنا لم يستطع أن يوفر طبيبًا لكل مائة من السكان ولا حتى ألف من السكان. كما أنه لا توجد سياسات حكومية واضحة ومدروسة تحدد حاجاتها من الطاقات البشرية كل عام.

 أن الإنسان الجاهل لا يمكن أن يبني صرح حضارة ولا يعمر دولة تحمل على عاتقها تنوير الإنسانية، وبناء عالم جديد يقوم على مبادئ التوحيد، ورغم وجود ظلال من الشك في صحة إطلاق لفظ الأمية على كل من لا يقرأ ولا يكتب في عصرنا هذا، إلا أننا بحاجة إلى هذا التعريف؛ لأنه يشكل حجر الأساس في عملية التقدم المدني للعالم العربي والإسلامي.

والإحصائيات المرتبطة بذلك أليمة رهيبة، وتدلل على حقيقة مرعبة تعشش في كنف العالم الإسلامي، هي أن ظلام الجهل يكتنف الأمة التي يتوجب عليها أن تحمل النور للعالم كله. وأن محو الجهل مرتبط بالقراءة والكتابة على الأقل لفهم القرآن والحديث الشريف ومبادئ الإسلام كمرحلة أساسية وأولية قبل التبحر في الرياضيات والعلوم الطبيعية والأدبية الأخرى، والمهن المرتبطة بذلك.

 ماذا فعلت حكومات ما بعد الاستقلال؟

لقد حطم الاستعمار كما أسلفنا عند دخوله بلاد المسلمين نظام التعليم الأساسي في القرى المسلمة، للقضاء على عقيدة المسلمين، وأقام بدلا منها مدارسه في المدن الكبيرة لتعليم أبناء الصفوة فكر الغرب وثقافة الغرب قبل تعليمه العلوم النافعة، وخرج المستعمر وبقيت المدارس في المدن، وبقيت القرى بدون كتاتيب. وجاءت الحكومات الوطنية وورثت هذا الوضع وأبقت عليه آمله أن تفتح المدارس الضخمة الحديثة في كل القرى، واضعة ذلك في خطط طموحة غير واقعية، وتمر الأعوام تلو الأعوام والريف بغير تعليم. وتأتي الأجيال تلو الأجيال بلا تعليم؛ لتعيش في الجهل والفقر والمرض. 

كما أن هذه الحكومات قد أبقت على التعليم الديني مهملًا ومتخلفًا، سواء بإهمال المعاهد والجامعات الإسلامية أو بتجميد مناهجها وفرض الوصاية عليها.

 وللتاريخ فإن تقسيم التعليم إلى ديني ومدني أمر لم يعرفه الإسلام في تاريخه ولا يقره ولا يعترف به، فإن من أوجب الواجبات تعلم المسلم لأمور دينه من قرآن وحديث وفقه وفهم اللغة العربية، ثم يلي ذلك تعلمه لما يصلحه في دنياه. وقد رأينا كيف أن مناهج التعليم وطرائقه في عالمنا المسلم اليوم قد أثمرت أجيالًا ضعيفة العقيدة معوجة اللسان العربي، تقدس الغرب والحديث. بلغته وتزدري الحديث بالفصحى لغة القرآن ولغة أهل الجنة.

كيف نمحو الأمية؟

أعيدوا الكتاب إلى القرية المسلمة بأسلوب مطور، وعلموا الناس هناك الجزء الثلاثين من القرآن «جزء عم»، فهذه أسهل وسيلة وأنجع طريقة لمحو الأمية في القرى والواحات. ولكن لا بد للكتاتيب من أن تعود لتمارس دورها في بناء العالم الإسلامي ومحو الأمية. فتلك المناطق النائية في كل بلد من بلاد عالمنا الإسلامي ليست بحاجة للكماليات بقدر حاجتها للأساسيات. ليست بحاجة إلى المباني الفخمة وعشرات المقاعد والطاولات والهيئات التدريسية الضخمة بقدر حاجتها للمعرفة نفسها وتعطشها لمنهج تعليمي واضح وقويم، يخاطبها بلغتها لغة الفطرة والدين وهي الأقرب إليها والأحب إلى شغاف القلوب. والكتاب لا زال قادرًا على أداء هذا الدور إذا ما تركنا له هذه المهمة. ثم يأتي بعد ذلك دور الرياضيات والعلوم والتاريخ والجغرافيا والزراعة، والتي يمكن لطلبة الجامعات أن يقوموا بتعليمها مقابل تكليف رسمي من الحكومات المعنية، بحيث يكون لكل قرية مدرس يمكث فيها عامًا بعد التخرج.

أعيدوا الكتاب ببساطته وانتظروا عشر سنوات، ثم المسوا الفرق، فلن يكون هناك ٩٠٪ أمية. ولن يبقى بعدها أمية. إن شعار «اقرأ» هو خير شعار نرفعه لهذه التجربة.

 

 

صفات النظام التعليمي الناجح:

ولا بد أن يكون النظام التعليمي مدعومًا بفلسفة وسياسة واضحة الأهداف محددة المعالم قوية الوسائل واقعية المنطلق حتى تبلغ ما تريد وتحقق النجاح الذي تصبو إليه، ومن صفات النظام الناجح في مجال التعليم أن يضع في اعتباره هذه الأهداف:

  1. نقل المعرفة البشرية أولًا بأول من جيل إلى جيل؛ للارتقاء بالعنصر البشري فكريًّا وعقليًّا نفسيًّا وجسديًّا.
  2.  نقل منهج استخلاص المعرفة؛ لتمكين العقل البشري من استخدامها باستمرار لاستحداث معارف جديدة.
  3. إبراز المواهب والطاقات البشرية التي تتلقى هذه المعارف.
  4.  تنمية المواهب والطاقات التي تبرز وتلك التي تتلقى المعرفة وتوجهها الوجهة الصحيحة الملائمة لاستعداداتها الفطرية، والتي تحقق بها أهداف الأمة وعقيدتها.
  5. استغلال وتشغيل هذه الطاقات والمواهب بما ينفع الأمة.
  6.  مراعاة الفروق الأساسية بين الذكر والأنثى في المناهج ووسائل التعليم ومؤسساته، وتأهيل كل منهما لأداء دوره الطبيعي في الحياة، حسب ضوابط الشريعة الإسلامية.
  7. تحقيق مقتضيات الخلافة الإسلامية في الأرض، كما أراد الله لها أن تكون.

 كما يتوجب أن يكون من خصائصه ما يلي:

  1.  الأصالة باتباعه العقيدة الإسلامية منهجًا وفكرًا وسلوكًا.
  2. التميز بافتراقه - من خلال عقيدته - عن نظم وفلسفات ونظريات التربية والتعليم في الشرق أو الغرب.
  3. الشمول وبذلك بشموله للدين ومعارف الدنيا من كافة وجوهها وتخصصاتها النافعة.
  4. المرونة: وذلك بالتطوير المستمر للمعارف والنظام التعليمي والمناهج ووسائل إيصال المعرفة، باتجاه ما هو أفضل وأكفأ على الدوام.
  5. وإن نظامًا تعليميًّا يتصف بهذه الصفات، ويجعل نصب عينيه هذه الأهداف لا بد أن ينتج جيلًا أصيلًا ومتميًزا وفريدًا في صفاته وأعماله، الله غايته، والإسلام عقيدته ومنهجه ورسالته في الحياة، ومثل هذا الجبل فقط هو الذي يرقى بالأمة المهيضة الجناح من الذلة والانكسار إلى العزة والفخار.

التربية قبل التعليم:

وإذا أردنا التعامل مع تربية النشء وأجيال الأمة تنشئةً صحيحةً فلا بد من تحديد التربية كأولوية قبل التعليم. وإذا أردنا جيلًا يقيم الأمم وينشئ الحضارات ذات الآثار الإنسانية السامية في تاريخ البشرية فلا بد لنا من طرح النظريات «الأمريكية» والغربية جانبًا، مع من وضعها من البشر للتعامل مع الحقائق «القرآنية» التي حددها لنا الله وهو العليم الخبير.

وتبقى سيرة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة الطاهرين من الجيل القرآني الفريد مثلًا أعلى لكل طامح للسير في طريق الإسلام.

إن الجيل القرآني هو الذي كان يصنع العزة والانتصار لهذه الأمة دائمًا، وأما الأجيال الأخرى والتي تربت في حضن الغرب وحسب مناهجه فلم تصنع سوى الهزائم والنكسات، وها هو التاريخ سجل للجيلين جميعًا وهي الدليل وفيها الإثبات. وعلى الإسلام لا بد أن نربي أجيالنا ليكونوا رجالًا من لحم ودم لا من ورق.

تعليم المرأة وقضية الأنثى:

ولم نكتف بما فعلنا برجالنا لتدمر نساءنا كذلك. فبالرغم من الفروق التشريحية العضوية والنفسية ما بين الذكر والأنثى في البشر والحيوان ووظيفة كل منهما ودوره في الحياة، إلا أننا سرنا وراء الغرب في التعليم المتساوي للجنسين، وجرينا خلف وهم المساواة، وجعلنا مناهج التعليم الأساسي والثانوي والجامعي واحدًا للجنسين، وارتكبنا جريمة بحق المجتمع كله رجالًا ونساءً. وحتى كان من نتيجة ذلك أن رأينا «مهندسات مدنيات» و«أطباء نساء وولادة» فيما يفترض أن تؤدى سياسة التعليم الصحيحة إلى العكس.

 فمن ذا الذي يقول: إن وظيفة المرأة الأساسية تكون في شق الطرق وبناء الجسور وإقامة المباني الشاهقة أو في صناعة الآلات الضخمة وتشغيلها ورعايتها دون بناء النشء الإنساني ورعايته والعناية به؟ وأيهما أكثر أهمية بناء الحجارة أو بناء الإنسان؟!

إن المرأة إذا نزلت ميدان العمل خدمت المجتمع بنفسها وحسب، أما إذا كانت أمًّا فإنها تخدمه بأبنائها وبناتها جميعًا.

ولقد أحصوا نسبة البطالة بين الرجال في مصر ذات عام، فوجدوها ٤٠%، وأحصوا نسبة النساء العاملات، فوجدوها تقرب من ٤٠%!! ألا يرى المسلمون معنا أن سياسة التعليم والتوظيف قد جعلت من المرأة منافسةً للرجل، وليست عونًا له ولا للأمة؟ لقد خسرت الأمة جزءًا من رجالها بالبطالة، وخسرت جزءًا من أمهاتها، وخسرت جزءًا كبيرًا من إنتاجها بالعمل غير المنتج للنساء، ما بين إجازات الحمل والولادة والإرضاع، وخسرت جزءًا من جيلها تربى في أحضان الخادمات لا أحضان الأمهات المتعلمات.

التوازن بين التعليم الأكاديمي والفني:

ولم تكن قضية تعليم المرأة هي القضية الوحيدة التي اختل الميزان فيها، بل كانت هناك قضية التعليم الأكاديمي والفني، وضرورة الموازنة المنطقية بينهما حتى نرى ۱۰عمال مقابل كل مهندس، لا عشرة مهندسين لا يقابلهم إلا عامل واحد أو أقل من عامل. إن التوازن ضروري؛ حتى تقوم صناعة، ويقوم اقتصاد قوي ومتزن، وحتى تمنع البطالة المقنعة، وتكدس دوائر الدولة بالوظائف الكتابية التي لا فائدة منها، ولا تعود على الدولة بأي مردود؛ بل تستهلك منها ومن طاقاتها الكثير.

إن بلادنا اليوم تزخر بآلاف من المهندسين في مختلف التخصصات دون أن يقابلهم عمال مهرة، ورأينا كيف تكتظ دوائر الدولة بأصحاب الشهادات الجامعية متقاضين مرتبات هزيلة، في حين يحصد عامل سباكة غير مؤهل فنيًّا المال الوفير. وهو وضع غير سليم على الإطلاق أوجدته سياسات التعليم الخاطئة، فما حاجة الدولة إلى خريجي الفلسفة مثلًا؟ ولم لا يتم تحويل هؤلاء إلى مهن وتخصصات أخرى نافعة؟ لا بد أن نختصر من التخصصات غير المفيدة في جامعاتنا، ونحول مخصصاتها المالية والمادية الأخرى؛ لتخصصات نافعة ذات أثر في تعزيز الاقتصاد وتقدم النهضة في بلادنا العربية المسلمة.

اللغة العربية والعلم:

وقضية أخرى هامة هي قضية اللغة العربية والعلم، وهي بحق قضية مؤسفة شارك فيها أبناؤها بدون انتباه وعمل في صياغة فصولها، بتلقيهم العلم باللغات الأجنبية دون تعريبها، والتشجيع على ذلك واعتباره سياسة عامة لا تجوز مناقشتها؛ حتى انزوت اللغة العربية في أركان قصية، ولم يعد لها مكان في حياتنا العامة أو العلمية، وحتى باتت القصص والأشعار تكتب بلغة ركيكة، وحتى غدت لغة الصحف هي صاحبة السيادة الأدبية، بالرغم من ركاكتها وضعف بلاغتها وتعابيرها. وأصبح المتحدث بالفصحى محل هزء وسخرية، وأما الناطق بالأجنبية فبلبل فصيح اللسان!

 والأمة التي تحترم نفسها تحترم لغتها، فيحترمها الآخرون. إن اليهود أحيوا لغتهم العبرية من موات؛ ليعلموها للأجيال الناشئة في فلسطين، ونحن نقتل لغتنا العربية الجميلة طوعًا واختيارًا، وهي لغة حية ليس كمثلها في اللغات فصاحةً وبيانًا وبلاغةً ودقةً وتنوعًا وجمالًا في اللفظ والوصف والتعبير، ولا حتى في الكتابة والزخرفة.

 وقد كان من نتيجة ضعف اللغة العربية لدى الأجيال الناشئة أن أصبحوا مهددين بالعزلة الكاملة والانقطاع عن التراث اللغوي والفكري القديم، فضلًا عن عجزهم عن فهم أسس دينهم المتمثلة في القرآن الكريم وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

إن روسيا حين نهضت صناعيًّا كان الغرب يسبقها بعشرات الأعوام، فترجمت تراثه العلمي إلى لغتها وبنت عليه وطورت فيه؛ حتى صارت دولة ذات تكنولوجيا متميزة، وكذلك فعلت اليابان التي لم تكن تملك في لغتها كتابة الأرقام بطريقة سهلة. علمًا بأن الأرقام لغة الصناعة - فترجمت علوم الغرب إلى لغتها، وبنت عليها حتى سبقت العالم الغربي كله في أكثر من مضمار، وحتى بقيت في بعض الميادين تسابق نفسها! وباليقين لا بالظن والتخمين أن اللغة الروسية أو اليابانية لا ترقى إلى مستوى اللغة العربية في البيان والإبداع. لكن المشكلة ليست مشكلة لغة بقدر ما هي مشكلة عقول تطوع اللغة لحاجاتها واستعمالاتها الحياتية.

إن جامعاتنا ومراكز البحث العلمي بحاجة إلى مراكز ترجمة وتعريب؛ حتى تصير العربية لغة علم معترفًا بها، وحتى يصبح العلم في متناول أبناء العربية دون عناء الترجمة والتعريب كلما اردوا فتح كتاب، وحتى لا تصير اللغة الأجنبية فرضًا على كل من طلب المعرفة والعلم من أبناء العربية.

وقفة طويلة ومراجعة شاملة:

إن قضية التعليم بحاجة إلى وقفة طويلة ومراجعة شاملة أكثر من أي وقت مضى، وخاصة بعد أن أثبت الواقع فشل الفلسفات والسياسات التعليمية الحالية في محو الأمية وتحقيق التنمية المرجوة في عالمنا العربي والإسلامي. إن هذا الملف الخطير بحاجة إلى أن يفتح على مصراعيه؛ لتعاد صياغته بأيدٍ إسلامية أمينة حريصة على مصلحة الأمة وعقيدتها ومستقبلها ولغتها ومستقبل أجيالها؛ لثلا نجد أنفسنا في مستقبل الأيام في مواجهة جيل تتقاذفه أمواج التغريب من ضياع إلى ضياع ومن ظلام إلى ظلام، ولئلا نجد أنفسنا في حالة أمية فكرية وثقافية وعزلة عن تراثنا القديم، هي في واقعها أشد خطرًا وأكثر إيلامًا من أمية الكتابة والقراءة.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).

الرابط المختصر :