العنوان تعدد الزوجات
الكاتب د. خليفه حسين العسال
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1993
مشاهدات 100
نشر في العدد 1048
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 04-مايو-1993
·
نظام تعدد الزوجات علاج ووقاية للمجتمع من الأمراض الاجتماعية.
·
الإسلام لم يمنع التعدد، وإنما قومه وضبطه.
·
مس أترود: ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف
والطهارة.
كثر طعن المخالفين في الإسلام لإباحته التزوج
بأكثر من واحدة، ولو وقف هؤلاء على أسرار الشريعة الغراء وما حوته من الحكم
الغالية المعقولة، ما ألصقوا بالإسلام ما هو بريء منه من ادعاءاتهم. وقد جاء
الإسلام والتعدد أمر قائم في المجتمعات والأديان السابقة، وكذلك الرهبانية، فقد
عدد كثير من الأنبياء والمرسلين، كما أباحته اليهودية والنصرانية، وبقي التعدد
مباحا في العالم المسيحي حتى القرن السادس عشر، كما جاء في تواريخ الزواج بين
الأوروبيين.
وقد شرع الإسلام التعدد علاجا لتفاوت الناس في
قدراتهم وأرزاقهم، وسبيلا للإحصان والعفاف بفتح باب الحلال وإغلاق باب السفاح
والمخادنة، وقيده بشرطين:
1- العدل،
2- عدم تجاوز الأربعة بحال.
فقد أباحت الآية لأولياء اليتامى عند خوف
الجور عليهن لرغبتهم في التزوج بمن تحت رعايتهم منهن أن يبتغوا الزواج في غيرهن،
وأن القيد الوحيد على التعدد هو تحقيق العدل، وقد أكدته الآية في آخرها. والعدل
المقصود هو العدل الذي تستطيعه النفس البشرية، وهو العدل في المبيت والنفقة
والمسكن، وليس العدل في الميل القلبي، فذلك ما لا سبيل إليه، وهو ما أشارت إليه
الآية الكريمة: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن
تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ
فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ
كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: 129).
قال القرطبي في تفسيره لهذه الآية: «أخبر
تعالى بنفي الاستطاعة بالعدل بين النساء، فوصف حالة البشر وأنهم بحكم خلقتهم لا
يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول: “اللهم
هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك”، ولذا قال القرآن: ﴿فَلَا
تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾. قال مجاهد: لا تتعمدوا الإساءة، بل الزموا التسوية في
القسم والنفقة، لأن هذا مما يستطاع»(2).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة
وأحد شقيه ساقط»(3).
هذا ولم يغفل الإسلام عن مشاكل تعدد الزوجات،
وبالذات ما يوقظه من غيرة في المرأة، ومن ثم احتاط فحرم الجمع بين الأختين، وبين
المرأة وابنتها، وبين المرأة وعمتها أو خالتها، وذلك حتى يحفظ للأسرة مودتها.
وفي ضوء هذا المبدأ عدد النبي صلى الله عليه
وسلم زوجاته لمقتضيات متعددة، وعدد الأصحاب والتابعون زوجاتهم، ودرج المسلمون في
جميع عصورهم وبجميع طبقاتهم يعددون الزوجات متى شاءوا، ويرونه مع العدل الذي طلبه
الله من الأزواج حسنة من حسنات الشريعة الإسلامية إلى الرجال والنساء، بل إلى
الأمة جمعاء(4)، ذلك لأن الإسلام يشرع لجميع المجتمعات، ولابد أن يراعي حاجات
الناس وظروفهم وأحوالهم تلبية لجانب الفطرة البشرية في كل من الرجل والمرأة على
السواء.
هذا من ناحية النصوص الشرعية، أما من ناحية
الواقع فإن تعدد الزوجات ضرورة اجتماعية، لأنه يعالج الكثير من المشاكل التي تحدث
في الجماعة الإنسانية للأمور الآتية:
1- إن عدد النساء قد يزيد على عدد الرجال،
ولا سيما في أعقاب الحروب التي تقضي على كثير من الرجال، كما أن علم إحصاء السكان
يؤكد أن ذكور الآدميين بحسب طبيعتهم أكثر تعرضا للوفاة من الإناث، ويترتب على ذلك
أن عدد من يبقى على قيد الحياة من الإناث في نهاية الطفولة الأولى يزيد على عدد من
يتبقى من الذكور في نهاية هذه المرحلة، وهذه ظاهرة متحققة حتى في الشعوب التي يزيد
فيها عدد المواليد الذكور على الإناث.
وإذا صح هذا بالنسبة للأمم المتحضرة فهو أصح
في غيرها، إذ تقل وسائل الوقاية والعلاج، وتكثر فرص الحروب، وتشتد حدة الكدح،
ويزيد عدد الضحايا من الرجال، هذا فضلا عن أن إقدام الرجال على الزواج يرتبط بعدة
قيود لا ترتبط المرأة بمثلها، كالقدرة البدنية والاقتصادية... إلخ، فيظل كثير من
الرجال عاجزا عن الزواج وقتا طويلا، في حين أن كل بنت تكون صالحة للزواج قادرة
عليه بمجرد وصولها سن البلوغ(5).
ولذا أوصى مؤتمر الشباب العالمي في ميونيخ
بألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية عام 1948 بإباحة تعدد الزوجات حلا لهذه
المشكلة(6).
ذلك لأنه إذا لم يتح للرجل أن يتزوج بأكثر من
واحدة أدى ذلك إلى تعطيل عدد كثير من النساء ومنعهن من النسل، وهذا الوضع يستلزم
أحد الحلول الآتية:
أ- الرهبنة بمعنى الاستغناء عن مباشرة الحياة
الزوجية، وهو أمر لا تستطيع كل امرأة الالتزام به.
ب- إشباع رغبتهن بطريق غير مشروع بعيدا عن
أعين الناس، فيعشن ذليلات كسيرات.
ج- الاقتران بأزواج اقترانا قانونيا أمام
الناس، ويكون لهن ما للزوجات الأول من حقوق والتزامات، وهذا هو الأكرم للمرأة، حيث
يأخذ بيدها إلى حياة كريمة في بيت الزوجية، فتحس تحت ظلالها بالعزة والطهارة
والشرف.
2- قد تكون الزوجة مريضة مرضا يتعذر معه
القيام بواجباتها كزوجة، فتتعطل الحياة الزوجية بمقاصدها الحقيقية، وليس من
المفروض في هذه الحالة إهمال المرأة أو الإقدام على طلاقها، فربما لم يكن هناك من
يعولها غيره، ولا يرغب غيره في زواجها، فلا يكون من الوفاء طلاقها، ولا يكون من
المصلحة منع الزوج من التزوج بغيرها مع بقائها، وفي فتح المجال أمام الزوج للتزوج
بأخرى تستقيم حياة الجميع. وكذا إذا كانت الزوجة عقيما، فيمكنه أن يتزوج بأخرى
تقوم بما عجزت الأولى عن القيام به مع الإبقاء عليها.
قد يكون الرجل ذا طبيعة غير عادية، وعنده نهم
جنسي [يؤدي] ذلك إلى إرهاق زوجته أو الإضرار بها، أو قد تكون الزوجة يستمر معها
الحيض خمسة عشر يوما، أو يمكث معها دم الاستحاضة كثيرا من أيامها، أو قد تكره
المرأة المباشرة وتتألم منها في أشهر الحمل مثلا، وأمثال هؤلاء الرجال إما أن
يصبروا مع العنت والمشقة، وإما أن يأتوا الفاحشة، وكل عاقل يرى أن تعدد الزوجات
أسلم عاقبة من إتيان الفاحشة التي تؤدي إلى خراب العالم وانتشار الأمراض الخبيثة. (7)
ومع كل ما تقدم يتضح أن تعدد الزوجات هو لصالح
المرأة قبل أن يكون وسيلة لإشباع رغبة الرجل، كما أنه في صالح المجتمع ككل، لأن
تحريم التعدد يضع العدد الزائد من النساء في موضع يجعلهن مصدرا لإشاعة الفحشاء
والمنكر، فالتعدد علاج ووقاية؛ علاج للأمراض التي قد تصيب العانسات منهن، ووقاية
للمجتمع من أن تنتشر فيه ظاهرة الخليلات والعاشقات، وهي ظاهرة تهدد الأسر بالتفكك
والانحلال.
وقد عرف فضل إباحة التعدد كثير ممن كانوا
يعيبونه من الغربيين، وقام من رجالهم ونسائهم من يدعون إليه في صحفهم وغيرها. جاء
في جريدة «لاغوص ويكلي ريكورد» الصادرة في 20 أبريل، نيسان 1901، بقلم كاتبة فاضلة
ملخصا: «لقد كثرت الشاردات من بناتنا، وعم البلاء، وقل الباحثون عن أسباب ذلك،
وإذا كنت امرأة تراني أنظر إلى هاتيك البنات وقلبي يتقطع شفقة عليهن وحزنا، وماذا
عسى أن يفيدهن بثي وحزني وتوجعي وتفجعي وإن شاركني فيه الناس جميعا، لا فائدة إلا
في العمل بما يمنع هذه الحالة الرجسة، ولله در العالم الفاضل «تومس»، فإنه رأى
الداء ووصف له الدواء الكامل للشفاء، وهو إباحة التزوج بأكثر من واحدة، وبهذه
الواسطة يزول البلاء لا محالة، وتصبح بناتنا ربات بيوت، فالبلاء كل البلاء في
إجبار الرجل الأوروبي على الاكتفاء بامرأة واحدة، فهذا التحديد هو الذي جعل بناتنا
شوارد، ودفعهن إلى التماس أعمال الرجال، ولابد من تفاقم الشر إذا لم يبح للرجل
التزوج بأكثر من واحدة، وبإباحة تعدد الزوجات تصبح كل امرأة ربة بيت وأم أولاد
شرعيين»(8).
ونشرت الكاتبة الشهيرة «مس أترود» مقالة مفيدة
في جريدة «لاسترن ميل» في عددها الصادر في 10 مايو، أيار 1891م، نقتطف منها ما
يلي: «لأن يعيش بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم خير وأخف بلاء من اشتغالهن في
المعامل، حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد. ألا ليت
بلادنا كبلاد المسلمين، فيها الحشمة والعفاف والطهارة، فالخادمات والرقيق ينعمن
بأرغد عيش، ويعاملن كما يعامل أولاد البيت، ولا تمس الأعراض بسوء.. نعم، إنه لعار
على بلاد الإنجليز أن تجعل بناتها مثلا للرذائل بكثرة مخالطة الرجال، فما بالنا لا
نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل على ما يوافق فطرتها الطبيعية من القيام في البيت
وترك أعمال الرجال لهم، سلامة لشرفها»(9).
ويرى أكثر العلماء الأوروبيين اتزانًا أن مبدأ
تعدد الزوجات في الشرق الإسلامي نظام طيب يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي
تقول به، ويزيد الأسرة ارتباطا، ويمنح المرأة احتراما وسعادة لا تراهما في أوروبا،
كما أن حب الأسرة وحسن الأدب وجميل الطبائع أكثر نموا في الأمم القائلة به مما هو
في غيرها على العموم. (10)
وفي هذا أكبر دليل على أن تعدد الزوجات فيه
رحمة بالنساء، وعناية بهن، وشفقة عليهن، كما أن فيه إعفافا للمجتمع، وتأكيدا على
منهج الإسلام في تحقيق السعادة الكاملة لبني البشر.
الهوامش
1. النساء/ 129.
2. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن جـ 5 ص 407.
3. جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي جـ ٢ صـ ١٩٥،
والدرامي في سننه جـ ٢ ص ١٤٣ باب العدل بين النساء.
4. الإسلام عقيدة وشريعة: ص ١٨٣.
5. د. علي عبد الواحد وافي- المرأة في الإسلام ص ١٤٩.
6. الصابوني: تفسير آيات الأحكام: جـ 1 ص ٤٣٠.
7. انظر الشيخ علي محفوظ: هداية المرشدين ص ۳۱۷، ۳۱۸، سميح عاطف الزين: الإسلام نظام-
ص ٥٨٧- ٥٩٣.
8. انظر الشيخ رشيد رضا: حقوق النساء في الإسلام ص ٧٤.
9. المرجع السابق ص ٧٦.
10. راجع: د. جوستان لويون حضارة العرب ص ٤٨٢، ٤٨٣.
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل