الثلاثاء 03-أكتوبر-1972
هل الانطلاقات الجنسية البهيمية سبيل خروج إسرائيل وتحقيق تقدمنا العلمي؟
ليس من حق العرب مسح أخطائهم في أثواب الخلافة العثمانية النظيفة.
المبغضون للأتراك يكرهونهم لحمايتهم إسلامية وعروبة هذه البلدان من الغزو الصليبي خمسة قرون.
«الأخلاق عندنا تساوي المرأة»
هل يمكن البدء عند مناقشتنا لقضية الأخلاق والحضارة بمقدمة بسيطة كهذه؟ وبتعبير آخر: هل يمكن بهذه العمومية وضع قضايا الحضارة بالذات على مائدة البحث العلمي المتكامل الأدوات؟
ومن السهل بالتأكيد الاعتماد على مقولات موجزة أو على زوايا تاريخية جزئية أو على فكرة غير متكاملة لكي نصل إلى تحقيق القضايا الموجودة في نفوسنا ابتداء، إن التبرير لما نؤمن به أمر بسيط وعادي، لكننا في هذه الحالة نكون قد ارتكبنا مخالفة علمية كبيرة، نكون قد قدمنا المذهب على المنهج، والرأي على الحقيقة، وهذه أكبر آفة نصيب العلم وتصيب البحث العلمي الجاد.
ومرة أخرى: «هل الأخلاق عندنا تساوي المرأة»؟ وإذا نجحنا في تمرير التيار القوي الجارف المسمى بالجنس دون حدود أو ضوابط إذا نجحنا في هذا هل نكون قد وصلنا إلى قمة التقدم الحضاري الأخلاقي؟
وبمعنى آخر:
عندما تنجح في علاج قضية المرأة عن طريق الانطلاق الطبيعي وتمرير علاقات الجنس بأية صورة مهذبة أو غير مهذبة نكون قد عالجنا الأزمات الأخلاقية التي انهارت تحت مطارقها مجتمعاتنا المتخلفة أخلاقيًّا بفعل ابتعادها عن القيم الإسلامية الحضارية.
هل الطبيب والمهندس والمدرس والصحافي والتاجر سيتخلون جميعًا عن الجرائم الأخلاقية التي يرتكبونها في مهنهم عندما تعالج قضية الجنس؟ هل يتحول الطبيب إلى مثالي لا يبحث عن الدينار فقط، ويتحول المهندس إلي مخلص في عمله، والمدرس إلى انسان لا يبحث عن الخصوصيات والصحافي إلى إنسان لا يضلل أمته ولا يزور الحقائق، والتاجر إلى إنسان صادق مع الناس غير نَهِمٍ في البحث ذاته على حساب المجتمع؟
هل ستصلح أمورنا السياسية وستتقدم حضاريًّا بعد أن أمررنا الجنس ووزعناه على «الطبيعة» دون عقد في كؤوس حمراء وتبادلناه على «الطبيعة» كذلك في أمسياتنا الحالمة، وفي الشوارع والنوادي وربما في أماكن التعليم وفي بيوتنا.
إذا تخلينا عن كل الضوابط الخلقية وانطلقنا نحو بوهيمية أو بهيمية أو حسب تعبير الكاتب «طبيعية» جنسية إذا فعلنا كل ذلك هل ستزول إسرائيل فورًا وسنصبح في قمة التحضر وستصلح كل أمورنا المتدهورة اقتصاديًّا وخلقيًّا ونفسيًّا وسياسيًّا وحضاريًّا.
أليس هذا هو التبسيط الشديد للقضايا انطلاقًا من أغراض خاصة وآراء عائمة شائعة غير علمية؟
في الحقيقة ثمة اختلاط شديد في قضية الأخلاق وتطورها التاريخي والباعث عليها.
إن الإنسان الأمريكي أخلاقي في أمريكا لكنه عندما يكون في الجيش الإسرائيلي أو في بلاد أخرى خارج بلده يتحول إلى حيوان متغطرس لا يعرف الأخلاق الحضارية، والإنسان الإنجليزي مثال أوضح من الإنسان الأمريكي على الازدواج الغريب في الأخلاقية، فهو إنسان منطلق بهيميًّا وجنسيًّا، منضبط كالآلة في بلاده، وهو أكثر من حيوان قذر في أفريقيا وآسيا.
والفرنسي الذي أذاق إخواننا المسلمين في الجزائر كؤوس الوطنية الهمجية هو كذلك إنسان غير منضبط جنسيًّا في بلاده منضبط في علاقاته الأخرى الاجتماعية مع مجتمعه الفرنسي وحده.
هل يمكن أن نسمي هذه أخلاقية حضارية؟ هل يمكن أن يكون الإنسان أخلاقيًّا في مكان وغير أخلاقي في مكان آخر؟
وفي تصوري أنه كما أن بعض الناس قد تعودوا الصلاة دون أن يفقهوا لمشروعيتها شيئًا، هناك ناس يتحركون في مجتمعهم وفق نمط معين دون أن يكون لهذا السلوك أدنى باعث أخلاقي حضاري فهل يمكن الحكم على الذي يصلي ويرتكب الموبقات بالتدين؟ وبالتالي هل يمكن تسمية الحيوان الإنجليزي والفرنسي في أفريقيا كائنًا متحضرًا؟
ومن هنا فإن الأخلاق الحقيقية هي التي تنبعث عن مشاعر داخلية، وتأخذ صفة الثبات وليس التلون المكاني أو الزماني فحتى في الحروب المدمرة شرع الإسلام آدابًا أخلاقية، ومع المخالفين في العقيدة كان للإسلام آدابه التي لم تبلغها أية قوانين في العالم حتى أن كثيرًا من المؤرخين الحضاريین كتوینبي وغوستاف لوبون يعتبرون ظاهرة التسامح الإسلامي نعمة تشارا في تاريخ الأديان والموكب البشري كله.
وليست الأخلاق المنبثقة عن مشاعر داخلية إلا تلك الأخلاق الدينية التي لا تراقب البشر والقانون الأعمى الذي قد تفوته الرؤية في كثير من الأحايين بل تراقب إلها محيطًا بما تضمر الأنفس وما تخفي الصدور ولا يتوقف علمه عن سلوك الإنسان بل وبواعثه الداخلية لحظة من الزمان.
إن الوعاظ الدينيين يأتون المنكرات في الوقت الذي ينهون الناس فيه عنها بكل شدة، هؤلاء الوعاظ ليسوا ضحايا الأخلاق الدينية التي تعطي الثواب وتُخيف من عقاب الآخرة وإنما هؤلاء دخلاء مرتزقة مشعوذون، تمامًا كالدخلاء في الصحافة والدخلاء في العلم والدخلاء المرتزقة في السياسة، وليس من عاقل يقول بأن المبشرين الصليبيين في أثر بغية الذين كانوا طليعة الاستعمار الأوروبي كانوا وعاظ دين ومبشرين بملكوت الله، لكنهم كالساسة الذين يرفعون شعارات، وينفذون أشياء أخرى وكالمتاجرين بالشعارات التقدمية والثورية تحت ضغط السفارة الأمريكية أو الإنجليزية.
وبالتأكيد لو أتيح لهؤلاء الوعاظ أن يلتحقوا بأعمال الدعارة والإفساد بأجر أكبر لما ترددوا في إعلان هويتهم الحقيقية، وقد كشف متحمسون في الدين في كثير من العالم الإسلامي عن هويتهم الحقيقية عندما أتيحت لهم الفرصة، فهل يمكن أن نعيب أسلوب الأخلاق الدينية من أجل هؤلاء؟ أليس هذا مغالطة كبرى؟
وعندما يفقد الناس حاسة الأخلاق الدينية لن ينفعهم في شيء أن يساقوا إلى الأخلاقية بسلاح «إدراك علاقة الأخلاق بقوة وصلاح البناء الاجتماعي» لأن عملية هذا الإدراك تمامًا كعملية إدراك وجود قانون لكن في حالة تصادم هذا الإدراك وهذا القانون مع المصلحة الخاصة، فليس هناك ما يمنع من طردهما من الضمير، والبحث عن مبرر للجريمة أما الخلق الديني فليس هناك أي مجال للخداع معه، وليس مجال تغير بتغير المكان والزمان.
إن كثيرين من الأطباء المزيفين يبحثون عن علاج للأمراض بوصفة واحدة، وغالبًا ما يعتمد هؤلاء على وصفات بدائية شائعة قد تضر أكثر مما تنفع، وهم يصفون العلاج دائمًا من عوامل خارجية أما البحث في الجسم نفسه فهم ليسوا على هذا المستوى وهكذا يفعل المزيفون في طب الحضارة، إنهم بدل أن يتحسسوا أجسامهم من باطنها، وبدل أن يَطِبُّوا لأنفسهم يتظاهرون بالصحة ويُحيلون أمراضهم إلى أسباب وافدة من أناس آخرين وهكذا يفعل العرب، أو هكذا يفعل الأطباء المزيفون من العرب، إنهم يُحيلون كل عيوبهم إلى عامل خارجي، ليكن هذا العامل الاستعمار الأوربي، وليكن الامبريالية العالمية وليكن الأتراك المظلومين، كل شيء جائز إلا البحث في أعماق الذات، والاعتراف بالمرض الداخلي، وذهب الأتراك وذهب الاستعمار الأوروبي، لكن وبعد ألف سنة سيظل المزيفون من العرب يحيلون أمراضهم لا إلى أنفسهم وابتعادهم عن ذاتهم وعقيدتهم وحقيقتهم وقيمهم وامتدادهم التاريخي بل إلى الإنجليز، والأتراك، والامبريالية العالمية.
ومن الواضح أن ثمة آثارًا سيئة يتركها الاستعمار المخالف في «الأيديولوجية» وبالتالي فلا ضير في تتبع آثاره بالإزالة والمحو في حدود عديد من السنوات.
لقد قلب الرسول عليه الصلاة والسلام ميزان البشرية من جاهلية إلى إسلامية في حدود عقدين من الزمان، وارتفعت قيم وتصورات أعلى وصلت إلى حدود «باريس» وسيطرت على الجنوب الأوربي في حدود نصف قرن، لكن الذين ينحسرون دائمًا وينتكسون دائمًا ويتفككون أكثر، ويُستعبدون ألف مرة كل يوم، ويسيرون على العموم في خط معاكس لسير الحضارة هؤلاء الذاهبون إلى أغوار ما قبل الفترة التاريخية ليس من حقهم مسح أخطائهم وأمراضهم وانهيارهم وامتداد عَدْوِهم في فراغ في أثواب الأتراك النظيفة يوم أن كانوا قادة العالم الإسلامي، ولئن كان ذهابهم خداعًا إلى مسح أخطائهم في الإنجليز أو الفرنسيين الذين يحملون- بالطبع- حضارة أخلاقية وروحية معاكسة أمرًا جائزًا في حدود زمنية محدودة، فليس من حقهم تعاطي هذا المخدر المورفوني مع الأتراك الشرفاء قادة حضارتنا وحماتها لأكثر من خمسة قرون.
لقد احتلت إسبانيا الساحل المغربي كله «وهران وتنس والجزائر وتونس» وكادت تزحف على المشرق بعد انتهائها من طرد المسلمين في الأندلس، ولولا ظهور الأتراك واستنجاد المغرب بهم، وتسليمه أموره لهم دون أية معركة لولا هذا لكان المغرب العربي قد ضاع من الإسلام والعروبة منذ خمسة قرون.
وفي المشرق العربي كان المماليك قد فقدوا قدرتهم الحضارية وانتهوا بعد أمجادهم في عين جالوت إلى أقلية مسيطرة فاشلة في الوقوف أمام الصحوة الأوروبية البحرية، وسرعان ما وقع «قانصوه الغوري» تحت سنابك خيل السلطان سليم في مرقعة دابق وتم الاستيلاء على مصر والشام، وقد أرسل سلطان مكة مفاتيح الكعبة للسلطان سليم دون أن يرغمه أحد على ذلك إلا شعوره بأن هؤلاء وحدهم هم الحماة الحقيقيون الباقون للعالم الإسلامي.
وبالطبع فإن هذه الحماية لإسلام وعروبة الأرض الإسلامية العربية لا تُرضي المهاجمين للأتراك فهم يهاجمونهم لهذا لكن من حقنا باعتبارنا الحريصين على عروبة وإسلام هذه البلدان أن نوقف دعاة الغزو الاستعماري الصليبي المبكر عند حدودهم وأن نكشفهم للجماهير العربية والاسلامية.
وبقي أن نقول كلمة:
إن المجتمع الإسلامي كان يطير بجناحين من الرجال والنساء طيرانًا دينيًّا ذا أخلاقيات دينية تستوعب كل أنشطة الحياة وعلاقاتها المختلفة ومن بينها الجنس، ولم يكن هذا المجتمع يطير طيرانًا طبيعيًّا فوضويًّا يترك لتيار الجنس أن يمر بسلام في أي منزل أو في أي منتدى أو في أي ملتقى، فالتيار الجنسي كغيره من التيارات الصانعة للحياة لا بد له من أن يصب في مجراه الطبيعي، وليس مجراه الطبيعي إلا ذلك المجرى الذي شرعه الله، الزواج بواحدة، فإن كان التيار قويًّا جارفًا فالجمع بين اثنتين مع العدل، فإن كان جارفًا مدمرًا فالجمع بين ثلاث أو أربع، هذا هو المجرى الطبيعي الذي سنه الله ووسعه لكنه حدده في البداية والنهاية بتحمل المسؤولية وبكونه لبناء الحياة لا لهدمها، وبكونه لصنع الأخلاق والمستقبل لا لتدمير الأخلاق وانهيار المستقبل.
الرابط المختصر :