; قضايا قديمة متجددة: «المال والبنون» عمل فني مميز | مجلة المجتمع

العنوان قضايا قديمة متجددة: «المال والبنون» عمل فني مميز

الكاتب إيمان سالم البهنساوي

تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002

مشاهدات 61

نشر في العدد 1522

نشر في الصفحة 52

السبت 12-أكتوبر-2002

 يدور المحور الأساسي لمسلسل «المال والبنون» حول الآثار والذهب الذي دفنه القدماء في الأرض، وعثر عليه جماعة من الفلاحين، وكان السبب في ثراء الحاج سلامة فراويلة، والسؤال الذي طرحه المسلسل هو: هل هذا المال حلال أم حرام؟ وبالرجوع إلى كتاب فقه الزكاة للفقيه د. يوسف القرضاوي، وُجد أن الكنز هو ما دفنه القدماء في الأرض من المال على اختلاف أنواعه كالذهب والفضة والنحاس والآنية وغير ذلك، وقد أوجب الفقهاء فيها الخمس على من وجدها لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «في الركاز الخمس» والركاز هو ما رُكز ودُفن في الأرض، إذن فلا حرج على من يعثر عليه أن يأخذه إذا لم يكن له صاحب، ولكن بشرط أن يُخرج خمس هذا الكنز في الحال، أما فيما يتعلق بالآثار من التماثيل النحاسية الصغيرة والعملات القديمة فهي تاريخ الشعوب، لذا وجب تسليمها للدولة، وهي جديرة بأن تكافئ من يجدها بمبلغ من المال نظير أمانته تشجيعًا له.

  ويتطرق المسلسل في الحلقات الأولى منه لقصة الزواج من نصرانية حينما روى الدكتور إمام للشاب يوسف قصته، فقد أحب الدكتور مسيحية أثناء دراسته في الخارج، وأراد الزواج منها فرفض أبوه خطيب المسجد، وقد حاول الدكتور إمام إقناع والده بهذا الزواج فذكره بأن الله قد أجاز الزواج من نصرانية فقال -تعالى-: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (سورة المائدة: 82).

  والجدير بالذكر أن هذه الآية قد نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي ﷺ ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، وقيل إنهم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم، فلما رأوا المسلمين وسمعوا القرآن أسلموا، فهذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه الصفات سواء كانوا من الحبشة أو غيرها، كما لا يجوز أن يُستشهد بالآية السابقة بمعزل عن الآية التي تليها، والتي جاءت لتؤكد المعنى السالف الذكر، قال -تعالى-: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (سورة المائدة: 83).

  أما الآية التي ورد فيها جواز نكاح الحرائر والعفائف من نساء أهل الكتاب فهي قوله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة المائدة: 5).

  كما يتعرض المسلسل في حلقاته الأولى لقضية أخرى طرحت في صيغة سؤال على لسان يوسف: هل يجب على المسلمين أن يعيشوا فقراء حتى يظلوا مسلمين؟ وقد أجاب على نفسه بقوله: لا، فقد قال -تعالى-: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (سورة آل عمران: 110)، والحقيقة أن هذه الآية ليست في هذا الموضوع، وكان في الإمكان الاستشهاد بقول النبي ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر»، وقول الله -تعالى- عن قارون وهو أغنى أغنياء اليهود: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة القصص: 77)، مؤكدًا نصيحة قومه له؛ ذلك أن الله لا يحرم الغنى، بل يحرم الإفساد به، وقال الله -تعالى-: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأعراف: 32).

  ومما لا شك فيه أن المسلسل قد زخر بالآيات القرآنية التي تخدم المعنى والتي جرت على لسان الأشخاص بطبيعة وتلقائية دون إقحام للنص في الحوار، وقد اجتمعت لهذا المسلسل كل العناصر الفنية المؤدية إلى كمال أي عمل فني، والتي ندر أن تجتمع في عمل واحد، فقد جمع المسلسل بين الهدف النبيل والأفكار السليمة، والحوار الشيق البناء، والأداء المميز والإخراج المبدع، إضافة إلى حركة الكاميرا السريعة والديكور والإضاءة...إلخ، فجاء المسلسل كبريق أمل في خضم المسلسلات الهابطة، والتي تسخر من عقلية المشاهد العربي، فلا تقدم له إلا التافه من الأمور، ولا تعالج قضاياه معالجة سليمة، وقد عالج المسلسل مشكلة حب المال والبنين والعديد من القضايا المهمة، وقدم لها الحلول الإسلامية من خلال عمل مميز جمع بين التراجيديا والكوميديا.

الرابط المختصر :