; الدعاة والشباب للقضاء على الغثاء | مجلة المجتمع

العنوان الدعاة والشباب للقضاء على الغثاء

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1983

مشاهدات 65

نشر في العدد 640

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 11-أكتوبر-1983

الدعوة ...وأي دعوة قلت أو كثرت، تسامت أم تدانت لا بد لها من دعاة. وكل دعوة مهما بلغ شأوها لا بد وأن تبدأ بفكرة التمعت بريقًا في رحاب الفكر وجنبات الخاطر، فشكلت اتساعًا تلاه إرهاص فحماس ينتهي بخط تنظيمي لينطلق متجانسًا متساوقًا متئدًا بروح رتيبة ثابتة تصل بالنهاية إلى تحقيق أهداف أصيلة. وكل دعوة لا بد لها من الإيمان الثابت اليقيني حتى تحقق نجاحات مطردة دون تعثر ولا سقوط يهيمن عليها الإخلاص المتفاني في سبيل الوصول إلى نهاية الطريق بصدق وإباء. وهذا الإخلاص لا يتواكب مع الركود والجمود إنما يجب أن تحذوه حماسة متوقدة. وأوار نفسي تحتدم فيه ضرورات الوصول مهما كانت التكاليف مع صدق في العمل، وحرقة لتحقيق الهدف، وهمة لا تعرف الاستكانة، وصمود لا يعرف الضعف.

هذه الدعوات التي وصفت هي دعوات دنيوية أهدافها محدودة ومراميها معدودة. فكيف إن كانت الدعوة خالصة لله سبحانه. كيف؟ لو كانت الدعوة سبيلها يجمع ما بين السعادتين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة كيف...؟ لو كانت الدعوة هي دعوة لتحقيق حكم الله في الأرض. عندها فقط يكون للدعوة طعم آخر لا يحس به إلا المؤمنون، طعم تميس به ألوان الهناء في الدنيا رغم الشدائد. وتبرق فيه ملامح الآخرة بنعيمها وجناتها ورباها، وحينما تقف العين عن الرؤية، والأذن عن السمع والقلب من أن يتدفق في الخطرات عندها فقط يدرك الداعية أن عليه واجب الانصياع سعيدًا هانئًا مشمرًا عن ساعد الجد. ومن يكون صاحب الساعد إلا الشباب؟ ومن يكون صاحب الفكرة إلا الشباب؟ ومن يكون السبات إلى العطاء إلا الشباب. ومن يكون صاحب التضحية إلا الشباب؟

الشباب قوة القلب في العطاء، ودفعة الروح في الآباء، وقمة التحدي تحت كل سماء. وما أقصد بالشباب شباب العمر إنما الشباب شباب القلب. فكم من شباب ضعاف كالشيوخ. وكم من شيوخ في همم الشباب.

من هذا المنطلق فإن للشباب دورًا عارمًا في الدعوة إلى الله، دورًا مليئًا بالبطولات من قدم الدعوات الإيمانية حتى الآن. وفي هذا المسار الإيماني العظيم قدم الشباب بطولات خارقة قافلة إثر قافلة. وكل الواجبات ملقاة على الشباب.

شباب الإسلام الذين ابتعدوا عن إغراءات الطريق، وثبتوا حتى النهاية. والقاعدة الربانية العظيمة، والعزاء السامي للشباب قوله سبحانه ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف: ١٣).

فتية من خصائصهم الإيمان بالله ربًا. استجابوا لربهم ففروا إليه. وفي موضع آخر قوله سبحانه ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (الكهف: ١٠).

فتية الإيمان أخلدوا إلى الكهف طالبين الرحمة من لدن الرحمن الرحيم يدعونه ليأخذ بأيديهم ويدلهم على طريق الرشاد فتية الخير، فتية الدعوة إلى الله فتية الحركة الدائبة نحو تحقيق حكم الله، فتية رفعوا لواء الحق فلن ينزلونه إلا على أجسادهم أو يحكم كتاب الله. إنهم الشباب ...شباب الحركات الإسلامية المتوقدة الذين آلوا على أنفسهم إلا أن يدعوا إلى الله على بصيرة فإن قاومهم الظالم قاوموه، وإن اعتدى عليهم الطغاة لم يهادنوهم وإن تعرضوا للنكبات لم يسالموهم. إنهم الشباب قد داسوا مصالحهم وعافوا مشهيات حياتهم. باعوا دنياهم بآخرتهم حتى يحققوا الربح ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ (النور: ٣٧)﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: ٢٣).

معرفة الداء:

بعد أن عرفنا الطريق الذي يجب أن نسير فيه لتحقيق الهدف المراد، ألا وهو تحكيم أمر الله في المجتمعات الإسلامية أولًا وفي غير الإسلامية ثانيًا وطمس معالم جاهلية الحكومات علينا أن نحدد الوصف العام للواقع الإسلامي الذي نعيشه، إذ إن هذا الواقع لن يقف على قدميه ما لم يؤيده شباب مؤمن لا يخافون في الله لومة لائم قادرين على الحركية الدائبة والاتجاه السريع نحو من غرق في متاهات الدنيا ليشدوه نحو الصف المسلم وينقذوه من جاهلية محققة.

إن همة الشباب خليقة بتحقيق أهداف دعوية عظيمة، وذلك بالوقوف على منهجية واضحة تتساوق والواقع التطوري للحركات المتواجدة في المنطقة على وجه الخصوص والعالمية على وجه العموم، وحتى نتعرف على موطن الداء لا بد من الوقوف على حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي أخرجه أبو داود قال: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل. من قلة نحن يومئذ؟ فقال: بل أنتم يومئذ كثيرون. ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن. قيل وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت»، فماذا نجد من مظاهر هذا الداء.

الجانب الأول: إن ما آل إليه المسلمون في الوقت الحاضر كان نتيجة مقدمات عريضة تتناول حب الحياة في كل مظاهرها من زينة وترف ومنصب وأمجاد شخصية وتنافس رخيص على متاع الدنيا. وهذه المقدمات بدت بسيطة ثم تكاتفت وأدلهمت حتى أوشكت في مخاضات بني العباس، حينما لم يعد للخليفة سوى الاسم وهو ملقى في زوايا النسيان. منذ ذلك الوقت حصل التداعي بعد أن أوشك بمقدمات أبرزت حب الدنيا والتعلق بالزخرف والجواري ابتداء من قصور الأمراء وانتهاء ببيوتات الأغنياء وعامة الناس.

الجانب الثاني: إن تداعي الأمم على المسلمين تداع متكالب متحلق كالحلقة من كل جانب، لأن استدارة القصعة يستدعي استدارة الأكلة حولها فالتشبيه واضح مبين، لأن الضعف قد اتخذ الجسم الإسلامي من كل الجوانب. وللضعف ثغرات استطاع العدو المتربص أن ينفذ منها. واستدارة الأكلة تعني تحلق الطامعين من كل الجوانب الاجتماعية والفكرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية.

الجانب الثالث: السؤال عن القلة والكثرة في هذا التداعي «من قلة نحن يومئذ» كما تبادر لذهن الصحابي الجليل. كان له إجابة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- إجابة محكمة محيطة حكيمة. أبرزت ملامح الداء «ولكنكم غثاء كغثاء السيل» أي لا قيمة لكم طغاة على سطح الماء. قش خفيف الوزن يترنح به الموج مدًا وجزرًا ويمينًا وشمالًا. وباستطاعة نسمة واحدة أن تبعد الغثاء مئات الأمتار، شعب خوى من داخله فأمسى غثاء يترامى هنا وهناك لا يعرف كيف المستقر. فقد شخصيته. وروحه ومقوماته وخصائصه ليعيش على فتات الغرب والشرق.

الجانب الرابع: إن الإيمان بالله ربًا وبمحمد نبيًا وبالجهاد سبيلًا هو المنطلق الرابح في المعركة القائمة بين المسلمين وأعدائهم، فلا نصر بلا إیمان، ولا نصر بلا نصرة لله في أنفسنا وبيوتنا ومجتمعنا ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: ٧). النصرة لله من مقوماتها تكامل الشخصية الإسلامية هدفًا وطريقًا، نفسًا وروحًا وجنانًا إنكار للذات. نبذًا للأنانية، إخلاصًا لله، صدقًا في العمل تفانيًا بالتطبيق بعيدًا عن ألسنة المديح والثناء، الشخصية الإسلامية التي تعمل في الخفاء، ولا يجزيها إلا الله ولا تريد الجزاء من أحد، فلا تعيش ليقال لها: عملت كذا وحققت كذا. فالعمل لله وحده والجزاء لله وحده فإذا استكملت هذه المقومات نكون قد تحررنا من الغثائية شيئًا فشيئًا. فإذا تلاحمت مجموعات الشباب ضمن إطار التحرك الدؤوب نحو تحقيق الأهداف المنهجية. عندها يبدأ للغثاء وزن... ويأتي اليوم ليشكل فيه سدودًا وأسوارًا لحماية الأرض الإسلامية.

الجانب الخامس: انتزاع المهابة. ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» هذا الحديث الشريف يجسد ملامح الشخصية الإسلامية المهيبة الفذة التي تبتدئ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتنتهي بأصغر مسلم تربى في بيت مسلم تربية سليمة. هذه المهابة التي وضعت فيمن يستطيع الحفاظ على مقومات المسلم العظيم بإسلامه فحينما خان الأمانة، وضيع العهد سلبه الله هذا السحر «ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم» لن يخافكم عدوكم لأنكم ضعفاء ليس فيكم ملامح الشخصية القوية، ولا عظمة الإيمان الصحيح. فأصبحتم أنتم وأعداؤكم سيان. فلا غلبة إلا للأقوى عدة وعددًا في الميزان المادي.

الجانب السادس: عقوبة الوهن «وليقذفن في قلوبكم الوهن» وتعريف الوهن في نص رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «حب الدنيا وكراهية الموت» فالعقوبة عقوبتان العقوبة الأولى انتزاع المهابة، والعقوبة الثانية عقوبة الوهن. وهاتان العقوبتان من الله سبحانه الحكيم المتعال الذي جعل المتخاذلين من المسلمين في كل المجالات في موضع الغثائية لا قيمة لهم، تتقاذفهم أمواج المجتمعات المتعلقة حولهم. وكل ذلك نتيجة الخواء والاستفراغ والتآكل الهيكلي للجسم المسلم، فبعد أن كان ذو وزن وقيمة يخافه الناس مهابة وإجلالًا وتقديرًا أصبح جسدًا هيكليًا هشًا نحيلًا شاحبًا تتدافعه الصيحات والأيدي، فالذي أوصلنا لمرض الغثائية ما هو إلا الاستجابة للدنيا بكل صيحاتها، الاستجابة للنفس والهوى وللنساء والمال وللمنصب والجاه... وعدد ما شئت من المغريات والملهيات، وهذا واضح في قوله سبحانه:

 ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: ١٤).

هذه الآية الكريمة تجمع كل ما يحتويه تعبير «حب الدنيا».

الجانب السابع: كراهية الآخرة. وتكفينا هذه الحكمة لمعرفة لماذا كرهنا الآخرة. يقول سليمان بن عبد الملك في مجلس جمعه مع أبي حازم «سلمة بن دينار» أحد التابعين: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال لأنكم أخربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب» هذه الكلمات الحكيمة خليقة بأن تكتب في القلوب لأنها التعبير الواقعي عن مواقفنا المنحدرة بسبب إفلاسنا من الالتزام الديني الصادق الذي يخولنا حمل الأمانة والنهوض بها والتوجه بها نحو الآخرين. فلما فقدنا هذه الأهلية فقدنا كل شيء.

وبعد، فماذا للقضاء على الغثاء... بل على مرض الخفة واللا وزن واللا شخصية واللا مهابة، ماذا نفعل حتى نعيد للمسلمين أهلية حمل الراية؟

وأهلية تسلم الحكم ليسلس لهم القياد. وسد بأس في عملية الإنقاذ هذه أن توضح شيئا من العلاج لواقع الغثاء هذا الذي أخبر عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

العلاج الأول: طالما أنا نقر مرض الغثاء هذا وأنه مزمن في أجسامنا ولا مندوحة من الاعتراف به فعلينا أن نعترف بعد ذلك بوجود تيارات قوية من حولنا. فلا بد من اصطناع تيار مماثل هو أقوى وأسمى وأفضل تنظيمًا ولا يقوم هذا إلا على أكتاف الشباب. ولا يحرك هؤلاء إلا حكمة الشيوخ وحسن قيادتهم. ولن تصلح قيادتهم إلا إذا أصلحوا ما بينهم وبين الله، وصدقوا كامل الصدق، وأخلصوا كامل الإخلاص وتفانوا بصمت في سبيل تأليف ما بين القلوب. عندها فقط يهيئ الله لهم من أمرهم رشدًا. ويقوي التيار ليغلب كل التيارات. فإذا لم يعد للغثاء تيارات معادية تتقاذفه وتتدافعه ركن إلى إصلاح نفسه بمأمن من عدوه محروسًا بتياره القوي.

العلاج الثاني: فإذا ما تشكل التيار الإسلامي كعملية لتجميع الشباب المسلم على الخير والعمل. عمل على تكوينه وتأسيسه بصلابة ومتانة تتناول الروح والفكر وفارس هذا الميدان هو الشباب الأقدر على التحرك والحركة بناء على تبن للفكرة وتضحية في سبيلها. فإذا استطاع الشباب تقوية الحصار على الغثاء بجذبه ليكون جزءًا لا يتجزأ من التيار نفسه ومن التحرك الإسلامي نفسه عندها تبدأ عملية الإنقاذ حقًا لتنفخ في الجسد المنهار روح الإسلام وتملؤه حيوية ونشاطًا واستقامة وقوة، فإذا ما استعاد الهيكل المضني عافيته قوي التيار الإسلامي به وتقوى هو به... ففي توجه الشباب الوجهة السليمة نحو حصار الغثاء ومحوه، فلن يبقى هنالك شخصية إسلامية بلا وزن.

ولا بد لتحقيق كل هذا أن يكون التوجه سليمًا نحو الشباب لتأهيلهم لحمل هذه الأمانة علمًا وفكرًا ودراية وحركية. لا بد من زرع المفاهيم الإسلامية والمنطلقات الدينية اليقينية الواعية حتى لا يعود التفكك من جديد. فإذا استقامت التربية بوسائلها ومناهجها وصدقها استقام المتربون. وإذا صلح المربي صلح طلاب التربية. وتربية الضمير من أدق وأشق وأسلم أهداف التربية، وعملية التكوين الخلقي والنفسي والروحي يجب أن تتناول يفاعة الشباب حتى لا تدركه الأفكار المعادية، وقبل أن تصل إليه. وهذا لن يكون إلا بالتحرك السريع والسليم نحو الاحتوائية المنطقية لكل الشباب وبكل الوسائل وفق منهجية التوجه الفعال.

إذا وصلنا إلى هذه النقاط جميعًا عندها نتخلص من الغثاء وترجع المهابة والرعب لأعداء الإسلام، ويخرج الوهن والضعف من صدورنا إلى صدور أعدائنا. وإني أقول بقوة وصراحة: إن هذا لن يكون إلا بالعطاء الإيجابي، عطاء حركي وعطاء مالي وجسدي وروحي، عطاء دون توقف، عطاء دون توقع للجزاء. لو قدم كل مسلم ما لديه من إمكانات العطاء لتشكل لدينا الذخر والذخيرة ولنصرنا الله حق نصره.

الرابط المختصر :