; قضايا فقهية: هل يجوز قتل الأسير؟ | مجلة المجتمع

العنوان قضايا فقهية: هل يجوز قتل الأسير؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأربعاء 01-أبريل-2015

مشاهدات 81

نشر في العدد 2082

نشر في الصفحة 70

الأربعاء 01-أبريل-2015

التعامل مع الأسرى في الإسلام

تعد ظاهرة الأسرى من أهم الظواهر الناتجة عن الحروب، ومعاملة الأسير والأحكام الخاصة به من الأمور التي فصَّلها القرآن الكريم، وكانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم خير مثال على تطبيق ما ورد في القرآن من توجيهات بشأن الأسير.

ومن ينظر لأحكام الحرب في التشريع الإسلامي، يرى أن الإسلام فرض الرحمة والإنسانية في معاملة أسرى الحرب.

يقول د. يوسف القرضاوي: إن الإسلام يوجب معاملة الأسرى معاملة إنسانية، تحفظ كرامتهم، وترعى حقوقهم، وتصون إنسانيتهم، ويعتبر القرآن الأسير من الفئات الضعيفة التي تستحق الشفقة والإحسان والرعاية، مثل المسكين واليتيم في المجتمع، يقول تعالى في وصف الأبرار المرضيين من عباده، المستحقين لدخول جنته، والفوز بمرضاته ومثوبته: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) (الإنسان:8-10).

ويخاطب الله نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام في شأن أسرى بدر فيقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنفال:70)، فهو يأمره أن يخاطبهم بما يلين قلوبهم، ويجذبهم نحو الإسلام.

أما الأحكام المتعلقة بالموقف مع الأسرى، وماذا يجب أن نصنع معهم؟ فقد نص القرآن على ذلك في آية صريحة من آياته في السورة التي تسمى سورة "محمد" أو سورة "القتال"، وهي قوله تعالى: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) (محمد:4).

لا أسر قبل إثخان العدو

ومن التعاليم الحربية التي أدخلها الإسلام في نظم الحرب ألا يتم الأسر للأعداء في المعركة قبل "إثخان العدو"، ومعنى إثخانه: إضعافه وكسر شوكته، حتى لا يعود لقتال المسلمين مرة أخرى.

وفي هذا جاء قوله تعالى: "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (الأنفال:67).

فلا ينبغي أن يكون همُّ المقاتلين من أول الأمر أسر العدو، بل يجب أن يكون الهدف الأول إضعاف قوتهم، وتحطيم شوكتهم، ولا سيما أن الأسر فيه مظنة ابتغاء الدنيا بالفداء بالمال.

وبعد تحقق هذا في الإثخان والإضعاف يسوغ للمقاتل أن يأسر ما شاء، بل هو مأمور بهذا "فشدوا الوثاق"؛ إذ ليس سفك الدماء هدفاً في ذاته من أهداف الإسلام، فليس في الإسلام ما في التوراة من وجوب ضرب جميع الذكور بحد السيف، إذا تمكنوا منهم، فلا مجال لأسر ولا شد وثاق، وماذا ما بعد شد الوثاق؟ أي ما بعد الأسر؟ ما حكم هؤلاء الأسرى؟

القرآن هنا يخيرنا بين أمرين في التعامل معهم، وهما: المنّ، والفداء، ولم يذكر غيرهما.

ومعنى "المنّ": إطلاق سراح الأسير لوجه الله تعالى؛ لنتألف قلبه، ونحبب إليه الإسلام، حيث فككنا أسره دون مقابل.

ومعنى "الفداء": أن نفدي الأسرى بأسرى مثلهم في العدد أو أقل أو أكثر، حسب المصلحة، فرب أسير منا له وزن وقيمة، نفديه بأكثر من أسير لنا عندهم، والعكس يحدث أيضاً.

وقد يكون الفداء بمال، كما فعل الرسول والصحابة معه في أسرى "بدر"، حيث طلبوا الفداء بالمال لمسيس حاجتهم إليهم وقدرة أهليهم من قريش عليه.

هل يسترق الأسير أو يُقتل؟

وهناك حكمان آخران ذكرهما الفقهاء يتعلقان بأسرى الأعداء، وهما: الاسترقاق والقتل.

وهذان الحكمان لم يذكرا في القرآن كما ذكر المنّ والفداء، وإنما أخذا من السُّنة النبوية ومن عمل الصحابة والخلفاء الراشدين.

جاء عن الحسن البصري: أنه لا يحل قتل الأسير صبراً، وإنما يمن عليه أو يفادى. (أخرج ذلك الطبري عنه، وأبو جعفر النحاس).

والذي أرجحه من استقراء النصوص، ورد بعضها إلى بعض: أنه لا يجوز قتل الأسير العادي، وإنما يعامل وفق آية سورة "محمد" التي تحدد كيفية التعامل مع من شددنا وثاقهم من الأسرى "فإما منا بعد وإما فداء".

ولكن يستثنى من ذلك من نسميهم في عصرنا "مجرمي الحرب" الذين كان لهم مع المسلمين ماضٍ سيئ لا يمكن نسيانه، مثل عقبة بن أبي معيط، وابن خطل، ويهود بني قريظة وأمثالهم، فهؤلاء يجوز أن يُحكم عليهم بالقتل جزاء ما اقترفت أيديهم من قبل، فهؤلاء يعاملون معاملة استثنائية، وتطبق عليهم آية سورة التوبة: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ) (التوبة: من الآية5) أي خذوهم أسرى: للقتل أو المن أو الفداء.. والله أعلم.

مبادئ معاملة الأسير

ويقول د. محمد الأمين بن الشيخ مزيد، أستاذ الحديث وعلومه بمركز تكوين العلماء بالعاصمة الموريتانية نواكشوط: معاملة الأسير في الإسلام تنطلق من مجموعة من المبادئ:

المبدأ الأول: الأخلاق الإسلامية الكريمة الفاضلة التي يتحلى بها المسلم في تعامله مع الفاجر والمسلم والكافر والعدو والصديق، ومنها العفو والصفح والحلم ورقة القلب والرحمة، والسيرة النبوية غنية بهذه المعاني، أذكر هنا نموذجاً واحداً معروفاً في السيرة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء أقام بمكة ثلاثاً طبقاً لاتفاق صلح الحديبية، فجاءه حويطب بن عبدالعزى في نفر من قريش، في اليوم الثالث، وكانت قريش قد وكلته بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك فخرج عنا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج ميمونة رضي الله عنها، فقال لهم: "فما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاماً فحضرتموه"، قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فخرج عنا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المبدأ الثاني: أخلاق الإسلام الخاصة بالجهاد والأسرى، والتي منها الإحسان إلى الأسرى، قال الله عز وجل: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، فقال قتادة: "لَقَدْ أَمَرَ اللَّه بِالْأَسْرَى أَنْ يُحْسَن إِلَيْهِمْ, وَإِنَّ أَسْرَاهُمْ يَوْمئِذٍ لَأَهْلُ الشِّرْك، وَأَخُوك الْمُسْلِم أَحَقّ أَنْ تُطْعِمهُ".

وقال عزيز بن عمير: "وكنْتُ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ أَقْبَلُوا بِي مِنْ بَدْرٍ فَكَانُوا إذَا قَدّمُوا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ خَصّونِي بِالْخُبْزِ وَأَكَلُوا التّمْرَ لِوَصِيّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إيّاهُمْ بِنَا، مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةُ خُبْزٍ إلّا نَفَحَنِي بِهَا، قَالَ: فَأَسْتَحْيِيَ فَأَرُدّهَا عَلَى أَحَدِهِمْ فَيَرُدّهَا عَلَيّ ما يَمَسّهَا".

وتقتضي هذه الأخلاق الإحسان كل الإحسان إلى الأسير، لكون هذا التعامل الرفيع دعوة عملية إلى الإسلام، فيتم فتح القلوب قبل فتح الحصون، ورحم الله صلاح الدين الأيوبي فقد قيل: إنما فتحته أخلاقه أكثر مما فتحته سيوفه.

المبدأ الثالث: مبدأ "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه"، ويقتضي هذا المبدأ المحافظة على سمعة الإسلام وسمعة المسلمين، والحذر كل الحذر من أي عمل يمكن أن يشوّه سمعة الإسلام والمسلمين؛ ومعنى ذلك أنه لابد من مراعاة الرأي العام العالمي فيما لا يخالف ثوابت الشرع ومقرراته.

مصالح المسلمين

المبدأ الرابع: مراعاة مصالح الإسلام والمسلمين، فلا يجوز لأي مسؤول في النظام الإسلامي، ابتداء من أعظم الناس مسؤولية إلى أخفهم مسؤولية أن يتصرف إلا طبقاً للمصلحة، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بقولهم: "تصرفات الإمام منوطة بالمصلحة".

فإذا وجدنا في كتب الفقه أن الإمام مخير في أمر معين عدة اختيارات؛ فإن اختياراته محكومة بالمصلحة واختياره لغير المصلحة باطل شرعاً؛ لأن الإمام وكيل عن المسلمين، والوكيل لا يجوز له أن يتصرف إلا طبقاً لمصلحة موكله.

هذه هي المبادئ الأربعة التي يجب أن تحكم معاملة الأسير في الإسلام.

فإذا جئنا إلى موضوع قتل الأسرى فنقرر في البداية، فإن قتل الأسير المجرم إجراماً متميزاً جائز شرعاً، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يفضل الإحسان إلى الأسرى، فقد أطلق سراح ثمانية أسرى ذات مرة، وقال لأهل مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

أما إذا كان الخيار القتل، فإن التوجيهات النبوية صريحة وواضحة: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ".

أما الحرق بالنار فقد بُوِّب البخاري في صحيحه فقال: "باب لا يعذب بعذاب الله"، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تعذبوا بعذاب الله".

الرابط المختصر :