العنوان شعب آرمو المسلم بعيدًا عن اهتمام المسلمين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1984
مشاهدات 66
نشر في العدد 653
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 10-يناير-1984
•دولة «العادل» الإسلامية حكمت الحبشة بين ١٤٩٤- ١٥٤٣م.
•شعب آرمو أکبر شعب مسلم في أغنى منطقة بالقرن الأفريقي.
•تم بناء ثمانين ألف كنيسة في عهد هيلاسلاسي، ولم يتم بناء مسجد واحد.
القرن الأفريقي والجزيرة العربية عبر التاريخ:
إنه من الثابت تاريخيًا وواقعيًا أن هناك علاقة تجارية وثقافية بين الجزيرة العربية والقرن الأفريقي قبل الإسلام وبعده؛ فقربهما في المكان واتصال البلدين أرضًا في غابر الزمان جعل من سكان القرن الأفريقي مزيجًا من الدم العربي السامي والحامي الأفريقي، بحيث لا يمكن الفصل بينهما بحال من الأحوال، ولا يفكر أحد في ذلك، بل يعتقد الجميع وجوب تقوية تلك العلاقة بين سكان القرن بما فيهم الصاليون، والأرميون، الغاليون، والغفريون، الدنكليون وغيرهم، وبين سكان البلاد العربية بما فيهم شعب اليمن، والسعودية، والعراق، والكويت، والخليج، وعمان، ومصر، والشام؛ لما كان لهذه البلاد من دور بارز في هجرة الشعوب القوقازية الكوشية إلى القرن الأفريقي من آسيا الصغرى.
وقد برزت تلك العلاقة بوضوح، وتأكدت بعد مجيء الإسلام وربطه بين الشعوب وبعد استضافة سكان القرن الأفريقي دعاة الإسلام الأوائل، فاندمج الدم العربي المسلم بالدم الحامي، ونشأ من هذا التزاوج والاندماج عنصر آخر وسط بين العنصرين، بنى حياته على نظام جديد وأسلوب متطور مبني على الثقافة الإسلامية في البيئة الأفريقية، وعلى هذا الأساس أنشأ العرب المسلمون والأفريقيون معًا تسع ممالك إسلامية، ابتداء من القرن الرابع الهجري، وهي: «آفات»، و«دوارو»، و«شرخا»، و«آرابيني» و«هدية»، و«بالي»، و«داره»، و«شوى»، و«مقدشو»، وهي البلاد التي عرفت ببلاد زيلع، ثم جاء دور «هود» في القرن العاشر الهجري وما بعده بقيادة الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي المشهور بأحمد عرابي ١٤٩٤- ١٥٤٣م، فوحد تلك الممالك المتناثرة في أنحاء القرن، وبنى لهم إمبراطورية إسلامية، حكمت الحبشة كلها في عهده، وعهد خليفته الأمير نور الدين، وقد تحقق ذلك على أساس الإيمان بالعدل الإسلامي، ومشاركة الجميع حتى سموا دولتهم تلك بدولة «العادل»؛ إظهارًا لرغبة الجميع في العدالة، ولم يتحقق ذلك إلا بحسن العلاقات الأخوية بين العنصرين العربي المسلم، والحامي في القرن الأفريقي.
عزلة القرن الأفريقي عن العالم الإسلامي:
إن عزلة القرن الأفريقي عن أنظار العالم الإسلامي في الوقت الحاضر قد أثرت تأثيرًا خطيرًا على الوضع الإسلامي في المنطقة، وسبب هذه العزلة أولًا- الاستعمار الأوروبي الذي سيطر على العالم الإسلامي عامة، وعلى الأمة العربية خاصة، حتى قطع الصلة بين الشعب الأفريقي المسلم هنا، وبين الشعب العربي والإسلامي، حتى أصبحت العلاقات مجرد علاقات فردية، أو تجارية، أو هجرة استرزاق ضعيفة لا أثر لها في تحريك أهل البلاد، وثانيًا- سيطرة العنصر الأمهري المسيحي في الحبشة على الشعوب الإسلامية في المنطقة، تحت رعاية الدول الغربية المسيحية بعد أن تم إمداده بالسلاح الحديث، والمال، والعنصر الأمهري يعتبر أقلية ضئيلة على جميع بلاد شعب الغالا- آرمو، وعلى عفر، والصومال، وقد ركز الأمهار سيطرتهم على شعب آرمو- الغالا أكثر؛ لقرب منطقتهم منهم، وخصوبة أراضيهم، وكونهم مسلمين، أقلية منهم وثنيون قريبون إلى الإسلام، فبدأ في تنصير شعب آرمو تحت تهديد السلاح، وهم عزل وفي عزلة عن العالم الإسلامي، وعن الأمة العربية، وذلك بمساعدة الدول والجمعيات المسيحية والكنائس ومؤسساتها، حتى قطعوا أوصال بلاد آرمو الإسلامية إلى اثنى عشر إقليمًا، وسلم كل إقليم إلى إحدى الجمعيات التبشيرية لتنصير أهله، ومنعوا علماء آرمو وغيرهم من دخول تلك المناطق، وفرضت الحكومة الحبشية الأمهرية المسيحية على الأرميين وغيرهم تعلم لغة الأمهار ودينهم، ومنعت تعليم اللغة الأرمية والعربية، وفتحت إذاعات ومؤسسات تبشيرية في كل منطقة من مناطق آرمو الشاسعة التي تبلغ (٨٥%) من مساحة البلاد لنشر المسيحية بواسطة المبشرين الغربيين، حتى أحاط الخطر ببلاد شعب آرمو ودينهم من كل جانب، ذلك الشعب الذي استقبل الإسلام والمسلمين، وقام في نصرة الملة الإسلامية خير قيام، والذي يبلغ تعداده الآن خمسًا وعشرين إلى ثلاثين مليون نسمة.
العلماء يتصدون للمؤامرة:
لكن العلماء -بما فيهم علماء الصومال- قاوموا تلك المؤامرة التبشيرية، كما قامت الطرق الصوفية بدور عظيم في منع المبشرين من تحقيق مرادهم؛ وذلك بتأليف القصائد الإسلامية بلغة آرمو نثرًا ونظمًا، بحيث يحفظها الصغار والكبار من الرجال والنساء، حتى حفظ الله شعب آرمو- التالا من الخطر الذي هدد دينهم، وبالتالي قوميتهم، وقد وقع هذا كله والمسلمون في العالم لا يعرفون شيئًا عن شعب آرمو، الذي يعتبر أكبر شعب إسلامي في أغنى منطقة في قرن أفريقيا، ولا يزال هذا الجهل بشعب آرمو قائمًا حتى الآن في العالم الإسلامي، فلذلك لم يجد الأرميون نجدة في مأساتهم الحاضرة، وقد عرف المسيحيون قديمًا وحديثًا الموقع الإستراتيجي الذي يحتله شعب آرمو، والعدد الضخم الذي يمثلونه فواصلوا مساعدتهم داخل بلادهم وخارجها في شكل مساعدة إنسانية، وكمقاومة بين موقف المسلمين من شعب آرمو وموقف المسيحيين منهم، نذكر ما يأتي: كانت الحبشة في أيام هيلاسلاسي في يد القساوسة، وعلى رأسهم هيلاسلاسي نفسه، فبنوا ثمانين ألف كنيسة في بلاد آرمو وغيرها بمساعدة الدول المسيحية، بينما لم تبن الدول الإسلامية مسجدًا واحدًا في بلاد آرمو.
مسلمو المنطقة بعد الانقلاب الماركسي:
وعند قيام الانقلاب الماركسي في الحبشة تضرر منه كلًا من المسيحيين والمسلمين معًا؛ فهرب كل من وقف من الزعماء والشعب ضد الحكومة إلى خارج البلاد، فلجأ قسم كبير منهم إلى جمهورية الصومال، وإلى السودان، وجيبوتي، كما لجأ كثير من زعماء آرمو المسيحيين إلى الدول الغربية التي كانت تقوم بالتبشير في الحبشة، فاستقبلوا هناك استقبالًا عظيمًا؛ لأنهم أبناؤهم الروحيين، وقدموا لهم مساعدة لا لأنفسهم فحسب، بل كانت ترسل المساعدة إلى شعب آرمو كله بعد أن أسسوا هناك جمعية «مساعدة منكوبي شعب آرمو» في شكل مساعدة إنسانية، بإشراف زعماء آرمو، وأما الزعماء الأرميون الذين لجئوا إلى الدول الإسلامية فلم يستقبلوا استقبالًا يليق بزعامتهم؛ والسبب أنهم لا يعرفون شعب آرمو فبقى زعماء آرمو المسلمين في تلك البلاد التي لجئوا إليها نكرة لا تعرف، فخلا الجو العملي للمسيحيين الأرميين الذين نفرهم المبشرون، فقدموا إلى شعب آرمو المساعدة، ونشروا الكتب الثقافية بلغة آرمو، وإن لم يفرقوا بين مسلم ومسيحي في هذه المساعدات الإنسانية، إلا أن الشعب الأرمي يشعر بأن الذي عمل لإنقاذهم هم المسيحيون.
نشاط تنصيري مكثف:
ومن ناحية أخرى نشط المنصرون الغربيون تحت ستار مساعدة اللاجئين في بلاد الصومال، إلا أن اتحاد علماء الصومال الغربي، والذي مقره مقاديشو وقف لهم بالمرصاد؛ حيث يقوم بالوعظ والإرشاد في الإذاعة، والمساجد، والمدارس، ومعسكرات اللاجئين، وقد أنشأ المنصرون مؤسسة دينية في نيروبي عاصمة كينيا؛ لتقوم بترجمة الكتب الدينية إلى (٧٠٠) لغة أفريقية، وبما أن اللغة الأرمية هي الثانية في شرق أفريقيا، والأولى في قرن أفريقيا فقد اعتنوا بنشر الثقافة المسيحية بلغة آرمو- الغالا- فترجموا إليها الإنجيل وغيره، وفتحوا إذاعة صوت الإنجيل لتذيع الإنجيل وغيره إلى شعب آرمو بمهارة دون التعرض لسياسة الدولة، بينما لا تقوم جمعية إسلامية أو إذاعة لصوت الإسلام أو القرآن بمثل ذلك نحو شعب آرمو، إلا إذاعة واحدة تقف وحدها في ميدان نشر الثقافة الإسلامية باللغة الأرمية، وهذه الإذاعة هي إذاعة جمهورية الصومال من مقديشو، التي يذاع منها بلغة آرمو الأمور الدينية من فتاوى وغيرها، وكذلك يفسر القرآن على صورة ترجمة تفهيمية، وتقديم دروس يومية على مدى سبع عشرة سنة، وليت بقية الدول وإذاعاتها تقوم بما تقوم به جمهورية الصومال وإذاعاتها، ولكن الأمة الإسلامية ستندم على تقصيرها نحو شعب آرمو حيث لا ينفع الندم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل