العنوان دراسة شاملة حول هزيمة الدب الروسي في أفغانستان.. (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1980
مشاهدات 104
نشر في العدد 487
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 01-يوليو-1980
- كيف تبدو خطوط المسرحية الدولية في أفغانستان؟
- طراقي وأمين وكارمل.. نماذج لسقوط العمالة المندحرة وانتحارها.
- خطوط السقوط الروسي في أفغانستان تحت ضربات الثوار المسلمين.
- ضربات الثوار تجبر الروس على سحب عشرة آلاف جندي ومائة وثلاث دبابات.
منذ أن قام السوفييت بالتدخل العسكري في أفغانستان في ٢٧ ديسمبر الماضي ليثبتوا بما لا يقبل الجدل مقدار حقدهم وكرههم للإسلام، ومقدار إنسانيتهم الجوفاء التي طالما أوهموا الناس بأنهم حماتها ودعاتها، وأنهم مع الشعوب الضعيفة والمحبة للسلام، فجاء عدوانهم السافر على بلد مجاور محايد للقضاء على ثورته الإسلامية وعلى حريته في تقرير مصيره واختيار حكامه الذين يريدهم، ولئن كان البعض يبرر للاتحاد السوفييتي تدخله السافر في تشيكوسلوفاكيا وطحنه لثورة بودابست بالدبابات والمدافع واحتلاله لألمانيا الشرقية وخنقه لأنفاس أوربا الشرقية بحجة أنها دول شيوعية تدور في فلكه، فما هي حجتهم في تدخله الوقح في بلاد الأفغان التي كانت مقبرة الغزاة على طول الأزمان، وستكون مقبرة لهم بالفعل دومًا إن شاء الله.
إن الامتداد الروسي الذي جاء لينطح جبال الأفغان بأجلاف الموسكوف وطائراتهم ودباباتهم وأسلحتهم الكيماوية، إنما كان بمثابة «دس الأنف» وتمهيدًا للتدخل في دول العالم الإسلامي المحيطة بمنابع النفط والموانئ والمحطات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط -كما يسمونها- وهي بلا شك من أهم النقاط التي تسلط عليها الأضواء في العالم الآن، وهكذا يكرس لنفسه سمعة ومكانة استعمارية لا تقل أبدًا عن أي شكل من أشكال الاستعمار الغربي الأخرى إن لم تكن أقبح منها.
ولكن.. بعد مضي شهور ستة.. يسقط الثور على قرنه في صورة الدب الروسي.. ويعلن عن تغيير جزئي بالموقف العسكري؛ حيث أعلن الروس عن رغبتهم مؤخرًا في تخفيف تواجدهم العسكري في أفغانستان.
لقد جاء هذا الإعلان على لسان السفير الروسي في باريس.. وذلك في عصر يوم الجمعة الموافق 20/ 6/ 1980 الذي أبلغ أمين عام الرئاسة الفرنسية المستر «وال» أن الكرملين الروسي قد أصدر الأوامر بانسحاب بعض الوحدات الروسية من أفغانستان.
لقد تضاربت الآراء المحللة لهذا الموقف الروسي في أفغانستان:
1- فقد ذهبت أطراف مقربة من سياسة البيت الأبيض الأمريكي إلى أن العملية لا تخرج عن كونها مساومة تزامنت مع انعقاد مؤتمر القمة الأوربي في البندقية.
2- وقد علل غربيون أوربيون الإعلان الروسي بأنه محاولة لجر بعض الأطراف الأوربية وتقريبها من وجهة النظر السوفياتية بما يتعلق والحشود الروسية التي أحضرها الروس إلى ألمانيا الشرقية، بدلًا من الحشود التي سحبوها من المنطقة نفسها وأدخلوها في أفغانستان في نهاية شهر ديسمبر «كانون الأول» ۱۹۷۹ يوم الغزو المشئوم.
3- مراقبون إسلاميون قالوا: إن الأوضاع داخل أفغانستان ذاتها تمثل ضغطًا شديدًا على موسكو سببه الانتصارات التي يحققها الثوار المسلمون كل يوم بما يلحقونه من هزائم مريرة بالمحتلين الروس.
ويضيف المراقبون الإسلاميون إلى أنه مع رجاحة هذا التفسير، فإن الأمر كله قد يكون حلقة من سيناريو مسرحية الوفاق الدولي، تلك التي ظهرت ملامحها الحقيقية منذ اليوم الأول للغزو الروسي لأفغانستان في نهاية العام الماضي، وهنا لا بد من رسم خطوط المسرحية الدولية.
خطوط المسرحية الدولية في أفغانستان
من الحقائق المسلم بها أن النهضة الإسلامية أقلقت الشرق والغرب على حد سواء، فهي بالدرجة الأولى تمثل تحديًا حضاريًّا وفكريًّا للمعسكرين الشيوعي والرأسمالي، وهي بالدرجة الثانية تهدد مصالح كلا المعسكرين كذلك؛ فالثورة الإسلامية في إيران، وثورة المجاهدين المسلمين في أفغانستان، والتفاف الشعب الباكستاني حول راية الإسلام، وبوادر التحرك الإسلامي في تركيا، جعلت من هذا المربع «إيران- تركيا- باكستان- أفغانستان» نواة لقوة ثالثة، أدخلت الرعب والهلع في نفوس أهل الغرب والشرق يضاف إلى ذلك التحرك الإسلامي في الدول المحيطة بإسرائيل «سوريا، مصر، السعودية» والذي يهدد «إسرائيل» تهديدًا حقيقيًا، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار المصالح المهددة للمعسكرين الغربي والشرقي تجاه هذه النهضة الإسلامية الشاملة فسنجد أن ما يخشاه الغرب هو أمران:
الأول: هو تهديد مناطق النفط في المنطقة «إيران- السعودية- دول الخليج».
الثاني: تهديد الممرات الاستراتيجية «السويس- باب المندب- مضيق هرمز- البسفور».
أما بالنسبة لروسيا فإن أكثر ما تخشاه هو امتداد الثورة الإسلامية إلى المقاطعات الإسلامية الخاضعة للحكم السوفيتي، خصوصًا إذا تذكرنا أن هناك تقارير تفيد ازدياد عدد السكان المسلمين زيادة مطردة مع احتفاظهم بولائهم للإسلام. وقد أدرك كلا المعسكرين أن ولادة هذه القوة الثالثة أصبح قاب قوسين أو أدنى، وخاصة بعد أن مرغت الثورة الإسلامية في إيران أنف أمريكا بالتراب، وبعد أن أوشك المجاهدون الأفغانيون على إسقاط النظام الشيوعي في كابول وتمريغ أنف روسيا في التراب؛ هنا تحركت روسيا لغزو أفغانستان، وأكثر الدلائل تشير إلى أن هذا التحرك تم بعد إعطاء الإشارة الخضراء من واشنطن، بل ربما يمكن القول أن المستفيد الأكبر من هذا التحرك السوفيتي هو أمريكا وحلفاؤها، والمستفيد الثاني هو الصين، ولعل الاتحاد السوفيتي هو آخر من يستفيد من هذه العملية. فقد كتب جورج ولسن في الغارديان «۸ يناير ۱۹۸۰» مقالًا نشرته الواشنطن بوست قبل ذلك يذكر فيه على لسان رجال البنتاغون: أنه ليس لأمريكا مصالح مباشرة في أفغانستان، ولكن من المؤكد أن أمريكا تستفيد من ثلاث فوائد رئيسية:
1- تمهيد الطريق للحصول على تسهيلات عسكرية في الشرق الأوسط. ويؤيد ذلك زيارة الوفد العسكري الأمريكي لمصر والسعودية وكينيا والصومال لهذا الغرض، وموافقة هذه الدول على الفكرة، كذلك الاتفاقية التي عقدت مع تركيا حول استخدام قواعدها العسكرية، كذلك عروض الولايات المتحدة للدفاع عن باكستان.
2- توجيه موجة الغضب الإسلامية نحو روسيا بدل من أمريكا.
3- معرفة آلة الحرب الروسية في عملياتها مع الثوار المسلمين في أفغانستان تمامًا، كما فعلت أمريكا في فيتنام.
أما بالنسبة للصين فقد كتبت كولينا ماكدوكال في الفايننشال تايمز بتاريخ «۱۲ يناير ۱۹۸۰» تقول فيه: إن أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الاتحاد السوفيتي يندم على غزوه لأفغانستان هو أن هذا الغزو أوجد مبررًا كبيرًا للتعاون بين أمريكا والصين «يؤيد ذلك زيارة براون للصين» مما يؤدي بالتالي إلى تقوية الصين، وهو ما تخشاه روسيا. ويؤيد رأي الكاتبة هذا كذلك التقارير التي تذكر أن الصين تساعد مجموعة من الثوار الأفغانيين «مجموعة ثولا- جاود» وإمدادهم بالمال والسلاح. «تقرير بردس لودون في الديلي تلغراف 5/ 1/ 1980».
من كل ما تقدم نستنتج ما يلي:
* الهدف الرئيسي للغزو هو منع المربع الإسلامي الذي ذكرناه من التكامل والتصدي للمد الإسلامي المتصاعد.
* الأطراف الثلاثة «أمريكا- روسيا- الصين» كلها تستفيد من هذا الغزو.
* ربما تميل أمريكا والصين إلى إدامة الأوضاع قلقة غير مستقرة، وذلك بتقديم بعض المساعدات للثوار الأفغانيين، ومحاولة جعل أفغانستان «فيتنام روسيا» لتحقيق مآربها واستعادة نفوذها بالتدريج في العالم الإسلامي.
- أما روسيا فربما تميل إلى تهدئة الأوضاع خشية التورط في حرب طويلة مع الثوار، وخشية تحرك المسلمين في داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه ضدهم. لذلك كله على المسلمين أن يشددوا حربهم ومقاومتهم لأمريكا، وألا تصرفهم عن ذلك مقاومتهم للغزو الروسي، فإن هؤلاء الأعداء جميعًا متفقون على حربنا، أما جعجعة القمح الأمريكي ومقاطعة الدورة الأولمبية فهي لعبة لا تخفى على اللبيب.
الروس وسقوط أحجار الشطرنج العميلة
لقد قام الروس ضمن حدود دورهم في المسرحية بامتدادهم التسلطي لبلع أفغانستان وضمها إلى المطحنة الحمراء، وكانت ذريعتهم كذرائع جميع الدول الاستعمارية عن طريق العملاء بعد إلباسهم مظهر القيادة الشعبية ومسرح الوطنية الكاذبة، فقدمت «طراقي» ليغتال سيده وليستدعي الروس على شكل خبراء وضباط لحماية نظامه العميل المنهار من الشعب المسلم، ولم يبق إلا قليلًا حتى رأى أتباع «طراقي» أنهم يمكنهم أن يحتلوا مكانه ويكونوا ثوريين أكثر منه فقتلوه ونصبوا عميلًا آخر هو «حفيظ الله أمين» الذي استدعى الروس بكميات كبيرة ليدعم وجوده ويقضي على الثوار، ولكنه لم يبق طويلًا حتى أصبح مع عائلته طعمًا للكلاب مقتولًا بأيدي رفاقه الشيوعيين، وجاء تنصيب خلفه وهو في أرض الاتحاد السوفيتي، وجاء محمولًا على ظهور الجنود السوفيت مع سيلهم المتدفق الذي صار احتلالًا كاملًا للأرض الأفغانية، ووضعوا القزم على العرش وأمعنوا ضربًا في أفراد الشعب المسلم.
واستنسر الشيوعيون العملاء من الأفغان وظنوا أن تصفية الإسلام سهلة في الأرض التي استعصت على كل استعمار ودخيل من قبل، ولكنهم فوجئوا بالمقاومة الجهادية القوية التي تلقن الكافرين درسًا قاسيًا كل يوم، وهي تمعن في قتل الخبراء والضباط حتى ضج الدب الروسي من رأسه إلى قدمه يتوسل بطرق أكثر وحشية من القتل وإغراق الأفغان بالدماء، وسلكت روسيا طريقة حرب الإبادة وهي ترفع صورة «كارمال» وتخاطب العالم باسمه تقول: نحن تدخلنا بطلب منه ولحماية جارتنا العزيزة من التدخل الأجنبي، وفتحت النار على الطلبة والمثقفين والفلاحين والنساء والأطفال تطاردهم في رءوس الجبال وبطون الأودية بطائرات الهليكوبتر والدبابات والمدرعات؛ وذلك لحمايتهم من التدخل الأجنبي. وصدق «حكماء» اليسار العربي الأكذوبة، بل دعوا لها وأيدوها لأنهم مثل طراقي وحفيظ أمين وكارمال في العمالة والخروج على الإسلام واستعداء الأجنبي على الشعب.
أليسوا كلهم جواسيس موسكو التي قتلت شخصيتهم العربية والإسلامية لتجعل منها مسخًا ماركسيًّا لا غيرة له ولا نخوة، وإنما هو يقول ما يقال له وينطق بما تعلمه على أيديهم «مقطوعًا عن أمته وجماعته» من إلحاد، وحب للقتل، والفواحش، وصفاقة في الدعاية والشعارات الكاذبة.
حقيقة الرفض الشعبي للاحتلال وحكم العملاء
وكان رد الأبطال من مسلمي الأفغان صاعدًا للروس وعملائهم في كل أطراف العالم «فترى المواطنين العزل في الشوارع يبصقون على الروس ويلعنونهم ويقولون لهم: اخرجوا أيها الخبثاء لا نريدكم هنا. إن هذه الأرض الطاهرة وإن هذا الشعب الأبي لم ولن يخضع إلا للإسلام وحكم الله» وازداد الغيظ والحماس في قلوب الأطفال والنساء والشيوخ والجنود، فانحاز كثير منهم إلى المجاهدين، وهاجر من لا يستطيع حمل السلاح أو البقاء تحت علم الاحتلال إلى البلاد المجاورة، «ففي الأيام القريبة من ذكرى انقلاب إبريل تحولت مدينة كابول إلى ميدان للمصارعة بين المجاهدين والقوات السوفيتية حيث إن الشعب الأفغاني حذف مادة الخوف والركون من برنامج حياته، فخرجوا يعترضون على الأوضاع ويهتفون ضد السوفيت وعملائه في كابول، ويعيرون القاعدين، وخرجت مظاهرات عظيمة، وأقيمت اعتصامات واسعة في كابول ضد الاحتلال.
ولقد واكبت الطالبات مع الطلبة هذه الاعتصامات ورحبوا بداعي الأجل وكأس الشهادة حين أعلنوا خروجهم على الحكومة العرفية، وأيقنوا أن الموت وبطن الأرض أفضل من الحياة مع ذلة الاحتلال ومظالم الشيوعية، وفوجئوا بأن الجنود السوفيت يحولون فوهات بنادقهم نحو صدور المتظاهرين، ولكنهم جمدوا أمام عيون الأفغان الذين يشقون طريق الموت والشهادة إلى آخر فرد، وارتعدت فرائصهم وهم مسلحون.
ووصل الاشمئزاز الشعبي ضد الشيوعيين أعلى مراحله؛ ففي مظاهرة خرجت من مدرسة زرغونة قامت فتاة وفي يدها علم التوحيد تهتف ضد النظام العميل وضد الاحتلال، فتعرضت لطلقات الرصاص من جندي غاشم، ولكن سرعان ما أخذت فتاة أخرى علمها ولم تتركه يسقط وتعرضت لمزيد من طلقات الرصاص، ولكن الكفار الغزاة ذهلوا عندما رأوا فتاة ثالثة تهرول لحمل هذا العلم وتأخذ طريق أخواتها نحو الشهادة والخلود.. وسقط مئات الفتيات المسلمات بين القتلى والجرحى، ولكن المظاهرات والاعتصامات مستمرة، والوضع في كابول منهار، وحتى الأجانب لا يجرؤن على النزول إلى السوق، وإذا اضطر أحدهم إلى ركوب تاكسي فأول ما يقوله: «إني لست روسيًّا» خوفًا من الاغتيال ونظرات الاشمئزاز.
وحاولت الحكومة العميلة أن تشكل جيشًا وطنيًّا؛ ولكن عن طريق محاصرة الدبابات السوفيتية للقرى والمدن ومصادرتها للشباب إجباريًّا لضمهم في صفوف الألوية الخائنة؛ لكن هذه الطريقة فشلت لأن هؤلاء الشباب كانوا يلتحقون بالمجاهدين مع أسلحتهم، ولا يطلقون على أبناء وطنهم ودينهم أي رصاصة.
وكل يوم تستمر أخبار الانتصار الجهادي الرائع مما أقلق الروس وأذنابهم ككارمال، ففي الوقت الذي أعلن فيه عن محاصرة المجاهدين لقوة روسية كبيرة في الوديان وتهديدهم بإبادتها نسمع أن كارمال قد حاول الانتحار في مقر إقامته الرسمي في كابول، ولكن طباخه الروسي جرده من سلاحه، وقتل حارس أفغاني وأصيب آخران بجروح خلال تبادل الطلقات النارية المفاجئة التي أعقبت العملية.
وبعد، فما الذي بقي للعملاء؟! حتى «الانتحار» بخلوا عليه به، وحتى طباخه روسي ويعيش هذا الخائن في قصره في شبه عزلة، وأكثر من يعمل في القصر من الروس، فأين هي الوطنية والحرية؟ ألم يتعظ هذا الخائن عدو أمته بمصير من قبله من العملاء الذين أدخلوا الكفار فقتلوهم.. وهل ينال العميل في النهاية غير اللعنة من الله والناس؟!
هزيمة الجيش الروسي تحت ضربات الثوار
وعلى الرغم من المؤامرة الكبرى التي عجز حتى الآن أذناب موسكو عن تنفيذها في أفغانستان، فإن الشعب المسلم في أفغانستان يكيل كل يوم الضربات الشديدة المميتة لعناصر الجيش الروسي، ولعل هذا السبب الأرجح في قرار الروس مؤخرًا حول إعلانهم عن سحب فرقة مشاة قوامها عشرة آلاف رجل و۱۰۸ دبابات من أفغانستان.
فالهجمات المستمرة التي يشنها الثوار المسلمون تمثل استنزافًا حقيقيًّا للقوات الروسية، خاصة وأن هذه الهجمات في تصاعد مستمر، كما أن الأوهام الروسية بالقدرة على حسم هذه المقاومة وترسيخ دعائم الحكم الموالي لموسكو في كابول قد تبددت أمام ضعف هذا الحكم -كما أشرنا- وعدم وجود قواعد شعبية في أفغانستان.
وهنا يرى بعض المراقبين الدوليين أن موسكو تدرك أن استمرار بقاء قواتها بكثافة في الأراضي الأفغانية إلى الشتاء المقبل يعني مزيدًا من الأعباء عليها، ومزيدًا من الخسائر البشرية وغير البشرية، فالشتاء هناك قارس جدًّا، وهو يمثل صعوبة عسكرية بالغة في ظل الأجواء القاسية والطبيعة الجبلية الوعرة، كل هذا يفسر لنا بجلاء فحوى الإعلان الروسي حتى، ولو كان هذا الإعلان يدخل في المسرحية الدولية التي توجه السياسات والجيوش من مكان لتصنعها في مكان آخر.
وبعد.. ماذا نستفيد نحن كمسلمين من الأحداث الأفغانية الأخيرة؟ ولعل المسئولين عن حكم العالم الإسلامي هم أبصر منا بالجواب، وهم يعلمون تمامًا أن التحام الشعب الأفغاني حول قادته الثوريين الإسلاميين هو العامل الأول الذي استجلب نصر الله محرم الروس.
* فالشعب هناك لم يصبر على الحكام العملاء والقادة المزيفين الخونة.
* وثورة المجاهدين أثبتت أن العقيدة الإسلامية هي أقوى العوامل الثورية في تحريك الشعوب.
* والنتائج التي أحرزها المجاهدون الأفغان إنما هي نتائج العمل الصادق الذي لو بذل مثله من أجل فلسطين لما كان لليهود وجود على شبر واحد من أرض أمتنا.. فالروس أقوى من اليهود بآلاف المرات.. والعرب أكثر من الأفغان بعشرات المرات.
* وسقوط الحكام العملاء على التوالي درس لكل من تسول له نفسه أن يرتبط بعمالة ما رغبة منه في استمرار وجوده على عرش بلاده، فالروس هم قتلوا تراقي وقتلوا حفيظ الله أمين بعد أن جاءوا بهما إلى رئاسة الدولة هناك.
* بقي أن ننادي بإخواننا المسلمين في كل مكان أن يشدوا على أيدي الثوار الأفغان المسلمين بعد تخلي الأنظمة الإسلامية عنهم، وننادي أيضًا بالمقاتلين الأفغان: اجعلوا من قتال الروس درسًا للعالم المستعمر، ولا تذروا منهم على أرض أفغانستان ديارًا: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 14). صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل