; في الساحة الدولية: قضايا الإجرام جزء من تاريخ أمريكا المعاصر | مجلة المجتمع

العنوان في الساحة الدولية: قضايا الإجرام جزء من تاريخ أمريكا المعاصر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1984

مشاهدات 83

نشر في العدد 693

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 27-نوفمبر-1984

من بلد الحضارة المزيفة أفادت الأنباء أن مدينة لوس أنجلوس شهدت خلال الأشهر القليلة الماضية موجة جديدة من أعمال القتل، بدأت بعد نشوب خلاف بين أكبر عصابتين في المدينة تمتلكان وتستخدمان شبكة من مائة بيت محصنة جيدًا، في حين قال مدير مكافحة الجريمة في المدينة: إن هناك في لوس أنجلوس وحدها ۲۸۰ عصابة معروفة و ۰۰۰ , ۲۸ مجرم محترف و٤٠٠ عصابة تضم حوالي 40,000مجرم!! قصة الجريمة في أمريكا هي مدار بحثنا هذا..

الجريمة متأصلة:

أن الجريمة في المجتمع الأمريكي ليست وليدة العهد، وليست ظاهرة عابرة أو جسم طفيلي نما حديثًا في بنية المجتمع الأمريكي، هي عريقة تمتد بأصولها إلى نشأة أمريكا نفسها في القرن السادس عشر، حين عبرت المحيط الأطلسي من أوروبا أعداد كبيرة من المنفيين والفارين واللصوص، كرهًا أو اختيارًا، ليقيم بعدها هذا الخليط العجيب من البشر دولة على حساب أبناء القارة الأصليين، أو بانتقال هؤلاء إلى القارة الجديدة انتقلت معهم عاداتهم وطبائعهم، ومنها الجريمة التي ما لبثت أن توطدت في المجتمع الجديد، ومع الزمن بدأت تنمو وتتنوع لتتأقلم مع ظروف الحياة الجديدة، وقد وصلت الآن إلى مرحلة باتت تقلق الإدارة الأمريكية بعد أن احتلت المرتبة الأولى في جملة القضايا الأمريكية المحتاجة إلى العلاج العاجل.

قضية أمريكا الأولى:

يقول استفتاء للرأي العام أجراه البيت الأبيض أن الجريمة هي الأولى في سلم القضايا الأمريكية المطروحة على بساط البحث، ويأتي بعدها القضية الاقتصادية، وحسب إحصاءات مكتب التحقيق الفيدرالي فإن عدد الجرائم في الولايات المتحدة قد ازداد من ١١ مليونًا عام  ۱۹۷۰ م إلى ۱۳ مليونًا عام ١٩٨١م. وفي عام ۱۹۸۲م تزايدت الجرائم حتى أن الإحصاءات قالت: إن جريمة قتل تحدث كل ٢٣ دقيقة، وجريمة اغتصاب بالعنف تحدث كل ٦ دقائق، وسرقات مسلحة تحدث كل ٥٨ ثانية.

 ففي نيويورك وحدها قال أحد كبار ضباط البوليس: إن تحقيقات الكونغرس تجاهلت الصعوبات التي يواجهها بوليس نيويورك الذي يتعامل سنويًّا مع أكثر من ١٦٠٠ جريمة قتل و٣٥٠٠ جريمة اغتصاب و ۱۰۰۰۰۰ حادث سرقة و۲۰۰۰۰۰ حالة اقتحام منازل بغرض السرقة بالإضافة إلى جرائم أخرى، ويقول البوليس: إنه في الفترة بين ۱۹۷۸ - ۱۹۸۳م لقي ۲۹ ضابطًا حتفهم، وتعرض ٥٠٣ من رجال البوليس لنيران أسلحة، وتم خلالها اعتقال ٦٠٠٠٠٠ مجرم.

إجرام شبابي:

والشيء الملفت للنظر أن الإجرام في أمريكا إجرام شبابي، يقوم بممارسته شباب صغير السن في عمر الورود، كان المفروض منه أن يكون الدم الرافد لتقدم ونهضة بلاده، لكنه اختار الطريق العكسي. ففي إحصاء الجريدة «نيوز وي» أن نصف أخطر الجرائم من قتل وسطو مسلح يقترفها عمليًّا مراهقون دون الثامنة عشرة، وفي إحصاء رسمي آخر ازداد عدد الجرائم التي ارتكبها القاصرون إبان المائة والعشرين عامًا الأخيرة بمقدار ثلاث مرات ونصف المرة، وأشير خصوصًا في التقرير الصادر عن رابطة مراعاة القانون إلى أن زهاء ثلاثمائة ألف تلميذ قد اعتقلهم البوليس خلال العام الأخير بتهمة السرقة والسطو، وحسب معطيات وزارة العدل الأمريكية وجد زهاء المليونين من القاصرين في السجن أو حكموا مع وقف التنفيذ.

سبب الانحراف:

هذا الإجرام المنظم بين الشبيبة الأمريكية من أسبابه الرئيسة الخواء الروحي الذي يعيشه هذا الشباب وسط مجتمع قائم على الظلم والتسلط الاجتماعي والاقتصادي، ولعل الأسباب الاجتماعية التي تدفع الشبان والشابات من الأمريكيين نحو الإجرام جلية واضحة، فمجرم اليوم في أمريكا إنسان يائس محروم من العمل، ينظر إلى المسيطرين على كافة مجالات الاقتصاد الأمريكي على أنهم لصوص قوت الشعب ومصاصو دماء وعرق المنتجين الحقيقيين، مما يدفعه ذلك للقيام بنهب المصارف وتعاطي المخدرات وتجارة السلاح الحرة، وطبقًا للإحصاءات الرسمية فإنه في حوزة سكان الولايات المتحدة حاليًا أكثر من ١٤٠ مليون قطعة من السلاح الفردي أي ما يربو على قطعة لكل شخص من البالغين. 

دور الإعلام الأمريكي:

و يلعب الإعلام الأمريكي بصورة غير مباشرة دورًا رئيسيًّا في انتشار الجريمة في المجتمع الأمريكي عن طريق إبراز ظاهرة تقديس وتمجيد القوة في المسلسلات والأفلام والدعايات، فبرامج محطة تلفزيونية واحدة تذيع وتعرض خلال شهر واحد ٤٤٤٦ عملية عنف اتسمت بالقوة والقهر والاغتصاب بالعنف، حتى أبطال مسلسلات الأطفال أصبحوا دائمًا مسلحين بالهراوات الغليظة والسكاكين والمسدسات والسيوف والبنادق، ونتيجة لهذه التعبئة المستمرة للمواطن الأمريكي التي يتابعها في أجهزة الإعلام؛ أصبح المجتمع الأمريكي يعاني حالة لا إنسانية من العدوان والعنف التي طبعت حياته العادية.

محاولات يائسة:

هذا الواقع المأساوي للمجتمع الأمريكي لم يعد بالإمكان إخفاؤه، ففي سبتمبر عام ١٩٨٢م قال ريغان «أنه لا يسعنا الاعتقاد بأنه في مقدور المواطنين القيام بالنزهات المسائية في الحدائق بشكل طبيعي وهادئ». واعترف بمرارة أن نقابات الإجرام تشكل جزءًا مأساويًّا من تاريخ أمريكا!!

وعلى الرغم من أن محاولات عديدة جرت قبل ريغان لوضع حد للجريمة وكان مصيرها الفشل، فإن ريغان حاول تكرار المحاولة، فأعلن حربه على الجريمة في العام الماضي، وقرر تحويل أموال ميزانية ضيقة أصلًا للمساعدة في رفع مرتبات ألف عميل إضافي، وهو العدد الذي فقده مكتب الجريمة الفيدرالي منذ عام ١٩٧٦م، والسؤال هل يستطيع ألف عميل إضافي من إيقاف عمليات الخطف والقتل والدعارة المنظمة والمخدرات وغيرها من الجرائم.

 الجواب طبعًا لا، وهذا ما أثبته الواقع، وقد سئل أحد العملاء عن سير أعمال القوة الخاصة في فلوريدا فقال: أنها تمكنت من إيقاف 5% من المخدرات المهربة فقط.

مكر ودهاء:

لكن يبدو أن ريغان الذي فاز مؤخرًا في الانتخابات الأمريكية لفترة رئاسية ثانية عرف كيف يستغل اهتمامات الناخبين الأمريكيين في رغبتها بالتخلص من الإجرام المنظم، لقد اختارت إدارة ريغان التي أثبتت مهارتها في استغلال الأنباء توقيت إعلان الحرب ضد المخدرات في الوقت الذي أعلن فيه عن اعتقال عدد من المشبوهين، بأنهم أعضاء في شبكة مخدرات، والتقط العملاء الفيدراليون أيضًا مئات الأرطال من الكوكايين!

أليس هذا دليلًا على عدم جدية القيادة الأمريكية في توجهاتها لمحاربة الجريمة؟ 

لو أن القيادة الأمريكية كانت جادة فعلًا في محاربة الجريمة فلديها من علماء النفس والاجتماع والتربية وغيرهم من المختصين ما يكفي لوضع الحلول العملية الجادة لإنقاذ المجتمع الأمريكي من مستنقع الجريمة الأسن الذين يعيشون فيه ... أما أن يعين ألف رجل جديد لمكافحة الجريمة في بلد عدد سكانه أكثر من ٢٥٠ مليون نسمة، فهذا أمر لا يمكن للعقل أن يتقبله.

الداء والدواء:

إننا نقول: إن المادية الرأسمالية القائمة على الجشع والمنفعة واصطياد اللذائذ واشترائها بأي ثمن، وإبعاد القيم الخلقية والدينية عن ميدان التربية والتوجيه، هي السبب في كل ما آل إليه المجتمع الأمريكي خاصة، والمجتمعات الأخرى المتحللة اليوم في الشرق والغرب. وستظل هذه المجتمعات تتخبط في حياتها ولن تعرف للاستقرار والطمأنينة طعمًا؛ حتى تعود إلى رسالة السماء الخالدة.

ولتكن تلك الحالة السيئة التي آلت إليها مجتمعات الشرق والغرب دافعًا قويًا لنا نحن المسلمين؛ لاجتناب السير في نفس الطريق التي سلكتها هذه المجتمعات، ولنبتعد عن تقليدهم، ففاقد الشيء لا يعطيه، والمجتمع المريض الذي فقد خصائصه الخلقية غير جدير لأن يكون قدوة لغيره، ولنرفض بشدة كل الدعوات المشبوهة الداعية إلى ذلك.

إن عزتنا وسعادتنا وهناءة مجتمعنا وخلوه من الجريمة لا يمكن أن تتحقق إلا في العودة لإسلامنا وشريعة ربنا.. لذلك النبع الصافي والمنهل العذب الذي نهل منه المسلمون السابقون، فحققوا الأمن والطمأنينة والحضارة والتقدم، وصدق الله العظيم: 

﴿ومَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: 124).

﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 73).

الرابط المختصر :