العنوان قصص لا تنسى.. أشباح الماضي
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1974
مشاهدات 66
نشر في العدد 221
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 08-أكتوبر-1974
لم يكن يخطر على باله أن الليل قد استنفذ عمره بعد، إلا عندما وقع في سمعه صوت المؤذن القريب يصدع السكون بندائه الذي لم يشعر قط قبل ساعته بأي رضى عنه، إذ كان يرى أسوأ أيامه هو اليوم الذي يضطر فيه إلى المبيت في منزله هذا، لأنه سيتلقى صوت هذا المؤذن يقتلعه من غفوته الأولى، التي لم يمض عليها سوى النزر اليسير من الوقت...
أجل.. لقد طالما ود لو يبعث إلى هذا المؤذن بواحد من جلاديه المدربين في السجن الحربي، ليجره إلى حيث يتلقى من السياط ما يكفي لردعه من مثل هذا الإزعاج اليومي... لكن الذي صرفه عن ذلك علمه بأن تدبيرًا كهذا لا يحمل صفة الحسم، إذ لا يلبث أن يحل سواه مكانه.. ومن يدري فقد يكون أشد إزعاجًا له أن في صوت هذا المؤذن لعذوبة تخفف من بلائه، فكيف إذا جيء بآخر يفقد العذوبة ويحتفظ بالإزعاج وحده.. ومهما يكن من أمر فإنه مضطر إلى الصبر على هذا الواقع ريثما يحين الزمن الذي يتاح فيه للمتحررين أمثاله أن يلغوا هذا الأذان كليًا، أو ينظموا مواعيده وفي حاجاتهم، أو يحصروا وجوده ضمن أماكن معينة.. لا يسكنها إلا أولئك الجامدون على التقاليد البالية..
وألفى حمزة في الإصغاء إلى هذا النداء الصادع للسكون شيئًا من الأنس طريفًا لم يكن قط في مثل حاجته اليوم إليه..
حقًا إنه مشغول عما يحمل من موحيات فهو لا يكاد يفطن إلى ألفاظ الأذان وما تنطوي عليه من إشارات ولكنه مع ذلك مفتوح النفس لاستقباله، بمثل استسلام المريض الذي يعطي ذراعه لإبرة الطبيب؛ أملًا.. في التخفف من الألم..
لقد قصد منذ منتصف الليل إلى هذه الغرفة الواقعة في أقصى البنـاء؛ ليتجنب ضوضاء أهله الساهرين كغيرهم في إعداد حلويات العيد وقد أحسنوا إليه بتحقيق رجائـه ألا يقلقوه بأصواتهم، فحافظوا جهدهم على الهدوء.. الذي يعرفون حاجته إليه.. وعلى الرغم من أن الحركة لم تسكت في ذلك الحي كله طوال تلك الليلة؛ فما يذكر أنها مست سمعه.. لأن مشاغله النفسية كانت أقوى أثرًا من وقعها، فلم ينتبه إليها إلا بعد تدفق هذا الأذان.. إذ سرعان ما اختطفه إلى عالم الواقع، فإذا هو بعشرات الأصوات تنطلق. هنا وهناك، وفي بعضها ألحان شعبية لا تكاد تسمع إلا في مثل هذه المناسبات.
ووجد نفسه يتمتم في غير تعمد: أحقًا أني أستطيع مشاركة الناس بفرحة العيد؟.. وكيف؟.
وجعل يعود بخياله إلى ماضيه البعيد.. أيام كان يهجر فراشه ليسهر مع الجميع في الاستعداد لاستقبال هذا الصباح بفرح غامر لا يشغله عنه شيء... فما أن يسمعوا نداء المؤذن حتى يخرجوا نساء ورجالًا إلى المسجد، ليشاركوا الناس في صلاة الجماعة، ثم يندمجوا في موجة التكبير التي تملأ الفضاء... ولكن هذا قد انتهى منذ تخرج في الكلية الحربية، ليحتل مكانه بين ضباط قل فيهم من يعبأ بمثل هذه المناسبات...
وبحركة مشابهة رفع راحته إلى كتفيه كأنه يبحث هناك عن شيء... ثم لم يتمالك أن يتبعها بصره كأنه يريد التحقق من فقدان ما يفتش عنه...
وكان ذلك كافيًا لانتزاعه من حاضره المؤسف؛ ليستسلم كرة أخرى إلى تلك الذكريات المثيرة..
لقد تذكر أنه لم يعد لواء... ولم تعد كتفاه تزهيان بذلك الشعار الذهبي.. الذي طالما شحن صدره بمشاعر الاستعلاء على الكثيرين، حتى زملائه الذين تخرج في دورتهم. ذلك لأن العمل الذي عهد به إليه وضع في يده من السلطات ما يتطاول به على ذوي الرتب التي لم يقفز إليها بعد.
لقد كان عمله في قيادة السجــن الحربي سلاحًا لا يقف أمامه شيء من الرتب والمناصب والشارات.. اللهم إلا أن يجد نفسه في مواجهة واحد من موزعي هذه المراتب، كالعقيد شمس بدران مدير مكتب سيادة المشير الكبير- مثلًا- فهناك فقط يعرف كيف يلقي بكل طاقته بانتظار الأوامر... حتى لا يسمح لنفسه بالجلوس في حضرة الواحد من هؤلاء إلا أن يشير عليه بالجلوس، وفي ما عدا ذلك فهو الحاكم المطلق الصلاحية يعذب كما يهوى ويثيب كما يهوى، وقل من يحظى برضاه في حدود سلطته.
وتتابع صور ذلك الماضي العظيم في أعماق بصيرته.. مواكب أمجاد تكاد لا تنتهي...
إنه ليرى نفسه وهو يدخل السجن الحربي ذا الشهرة الرهيبة، وقد علا صهوة جواده الأبيض.. فما أن يطل على الفناء الخاص بمئات المعذبين، حتى يعلو تصفيقهم الحاد ترحيبًا بالبطل ذي الشعار الذهبي، وسيد الجلادين الذين لا يبارون..
وما أروعها نشوة تداعب أخيلته وهو يرى إلى أوامره يتسابق الجنود الغلاظ إلى تنفيذها بأعلى مستوى من الدقة، فإذا الساحة الرحيبة تموج بصفوف السجناء، وهم يتراكضون على وقع الصفارات بنظام وسرعة، وقد أخذتهم السياط من كل جانب، حتى يتهاوى الكثيرون من الإعياء ، فيكون ذلك فرصة جديدة لمزيد من الضرب لا يكف حتى ينهضوا للحاق بالراكضين، أو يحملوا إلى غرف الموتى، حيث يسجلون في سجلات الفارين أو المفرج عنهم، ومن ثـم ينقلون إلى حفرهم المجهولة... والويل للجندي الجلاد إذا لوحظ منه أي تقاعس في واجب التعذيب لأنه سيسلم بدوره إلى رفاق لـه يخططون جسده بعشرات السياط..
ومن هناك كان التسابق إلى الإبداع في فنون التعذيب أمرًا أساسيًا بين هؤلاء الذين دربوا عليه حتى فاقوا مدربيهم.. وقد شحن ذلك صدورهم بحقد على هؤلاء السجناء، إذ يعتبرونهم السبب الأول في كل عقوبة يتلقونها على كل قصور في إيجاعهم، لذلك لا يجدون أروح لنفوسهم من المبالغة في تمزيق جلودهم..
وبعفوية لا يعرف تفسيرها غلب الضحك على حمزة.. وهو يستعيد صور المئات من أهل «كرداسة» وقد سيقوا إليه, ليتولى تأديبهم على ذنبهم الكبير.. الذي لم يستطع تحديده بالضبط، فكان عليه وعلى زميله رئيس المباحث الجنائية أن يحسنا اختراع العقوبة المناسبة لهذا الجم الغفير من تلك القرية المشاغبة، وسرعان ما هدتهما البديهة إلى تلك اللعبة البهيجة، التي أشركت في معالجتها كل رجل وامرأة من هؤلاء القرويين.. فما إلا أن أصدر اللواء حمزة أمره حتى كان على مئات الرجال أن يهووا على قوائمهم الأربع، كصورة البهائم تمامًا، ثم تساق كل امرأة بينهـم لامتطاء أي واحد منهم.. ومن ثم يشرعون في الهرولة، والسياط في أعقابهم، والكلاب المدربة تنهش لحومهم.
وفجأة يمسك حمزة عن الضحك.. ويعيد النظر إلى كتفيه ليرى عريهما من الشعار السحري، و ينطلق بخياله وراء الحصان الذي جرد منه... فلا يتمالك أن يمتطي ببطء، ثم يتقدم نحو المرآة المنصوبة بموازاة السرير.
ويحدق دهشًا في الوجه الذي أطل عليه من خلالها، وكأنه لم يره قط من قبل... إنه لوجه مخيف حقًا وأسوأ ما يحتويه تانك العينان القابعتان في الداخل كعيني أفعـى عجوز، ثم ذلك التقلص الذي يشد جانبي جبهته إلى النتوء البارز بين حاجبيه اللذين بدأ يغزوهما الشيب.. ولم يدر كيف تحركت شفتاه بهذه الكلمة التي طال عهده بفراقها: سبحان الله!
ويعود القهقرى إلى السرير؛ ليقعي على حافته مطرقًا في غير شيء... وجعل يتمتم: الله!.. لم نسيته كل هذا الزمن؟... لا أذكر أني جحدته يومًا كما فعل الكثيرون ممن جرفهم تيار الإلحاد.. ولكن.. هل تذكرت سلطانه!.. هل فكرت بلقائه!... لقد طالما سخرت من أولئك الذين كانوا يستغيثون به، ويستحلفونني بأسمائه، وهم يتلقون دفعات البلاء إلى حدود الإغماء، فلا يزيدني ذلك إلا قسوة عليهم وتنكيلًا بهم!..
ليت شعري أهو محاسبي على ذلك؟.. ألم أكن مضطرًا إليه!
ويأتيه من بعيد صوت يتموج به الاثير، وهو يتلو فيما يتلو من كتاب الله ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ...﴾ (النساء:93)
فيقف ذهنه على الآية يعيد كلماتها في تأمل لم يجربه قط... وكأن يدًا غير منظورة قد أماطت عن مقلتيه حجابًا، فإذا عشرات من المشاهد تختلط وتتداخل أمامهما...
وتجمد بصيرته على صورة امرأة ألقت بها في مدخل السجن الحربي إحدى السيارات المكلفة بتجميع المشبوهين، كما يقذف عامل تنظيفات بكيس قمامة... فما أن علم بالتهمة الموجهة إليها حتى أصدر أوامره بتعليقها... وما هي إلا لحظات حتى كانت مصلوبة على جهاز التعذيب، تتهاوى عليها سياط اثنين من أشد رجاله حقدًا وعتوًا...
إنها في الستين من عمرها، فهي حرية بالتخفيف من العذاب، أو الاقتصار على السجن والتجويع من أجل تلك الشيخوخة على الأقل غير أن مظهرها تحت ذلك الجلباب الذي يغيب كل جسمها، وما علاه من خمار يحيط بكل رأسها ووجهها، كان أشبه بتحد صارخ لرجولته... لم يجد سبيلًا للرد عليه إلا بالمزيد من إيجاعها.. والاستمتاع بصراخها.
لقد قبضوا عليها متلبسة بجريمة الدعوة إلى الأخلاق، وإلى التزام أدب الإسلام في سلوك النساء، وكفى بذلك إثمًا مبينًا تتضاءل بجانبه كبريات الجرائم، لأنه تحريك لأفكار الإخوان المسلمين، وذريعة إلى فصل المرأة عن ركب التحرر الثوري، الذي لا يبلغ مداه إلا أن تتخلى المرأة عن كل روابط الماضي.
ويخطفه من غمرة التأمل صوت أمه العجوز من أقصى المنزل، وهي تنادي ابنة لها.. فيحس رعشة لا يحسن تفسيرها.. ولكنه يدرك أنها ذات صلة بذلك الصوت الذي كادت تلك المرأة تصدع به أذنيه يومئذ وهي تتلوى تحت السياط.
ويحرك يديه كأنه يدفع بهما شيئًا عن وجهه، ويتمتم بصوت يخنقه الجفاف: لا.. لا. هذا تصور لا يحتمل.. يجب أن أنفض منه رأسي ولماذا يسلم نفسه إلى هذه التصورات السود!.. إنه لم يفعل شيئًا من ذلك بمحض اختياره.. لم يكن سوى أداة بيد الطغاة.
أجل كان مجرد أداة.. سوط.. أو سلك كهربائي.. أو سيخ يحمى ثم يطفأ في الأجسام... أفمن حق أحد أن يقاص هذه الأشياء.. لأن أحدًا قد استخدمها في العقوبة.. أو أثناء التحقيق!..
لا جرم أنه أفرط في القسوة على أولئك المتهمين.. ولكنه معذور حتى في ذلك.. لأن الجو كان يفرض على أمثاله التنافس في هذا المضمار، لئلا يتهموا بالتفريط أو العطف على نزلائهم هذا إلى أنه لم يكن من مهمته أن يوازن ما بين الجريمة والعقوبة.. بل لم يكن ضروريًا البتة أن يستوضح نوع الجريمة.. فحسب المغضوب عليه أن يساق إليه، حتى يسلم للعصي والكلاب والجراذين والجوع وعشرات الفنون من العقوبات التي لم ينص عليها قانون.
ولا مندوحة لمن يعيش في ذلك الجو أن يصير إلى الوضع الذي تلغى فيه كل مشاعر الرحمة... فالمرأة والرجل سواء في نظر النظام، وكما يجب على المتهم أيًا كان أن يتحمل كل ضروب البلاء حتى ينتهي إلى الموت، أو يصدر الأمر بالإفراج عنه، هكذا الواجب على المتهمة أن تتلقى نصيبها من تلك الوجبات.. ولو أدى ذلك إلى تمزيق جسدها وهتك عرضها...
على أن كل هذه المناقشات النفسية لم تستطع طرد المزعجات من خواطره بل إنه لم يكد يفكر بأولئك الرؤساء الذين جروه إلى هذا المصير، حتى يرتفع مستوى قلقه، إذ يتذكر النهاية التي صاروا إليها بين السجن والقتل... فضلًا عن الفضائح التي لحقت بعضهم حتى إلى ما بعد الموت...
فلا يشك أنه في الطريق خلفهم.. ومن يدري فقد يكون المسطور في قدرة أكبر من كل ما أصابهم حتى اليوم..
وتسري في عروقه دفقة من الرعب ولكن طرقات خفيفة على الباب لم تلبث أن انتزعته من تصوراته.
- صباح سعيد.. يا عم
- صباح سعيد يا خالد...
- ألا تزال راغبًا في زيارة الأقرباء؟
- بالطبع... هل أحضرت السيارة؟
- إنها على الباب..
وكانت فرصة طيبة للتخلص من هواجسه... فتحامل على نفسه ومضى مع ابن أخيه إلى السيارة، الأثر الوحيد الذي بقي له من أبهة الماضي، الذي تلاشي كالحلم اللذيذ ولم يدع وراءه سوى لواذع الحسرات وأخذ مكانه من مقعد القيادة، وبعد دقيقة كانت تنهب الشارع براكبيها الثلاثة العم وابني أخيه..
وتعذر على حمزة أن يخلص ذهنه من أشباح الذكريات، التي كانت تطارده طوال ليلته.. إذ لم يكد يقبض على مقود السيارة حتى عاودته من جديد.. فإذا هو غارق في طواياها وإذا هي تتفتق متلاحقة؛ لتنشر في رأسه آلاف الصور، التي كادت تذهب بوعيه..
وفجأة تنبه إلى زعيق شاحنة تعبر المفرق القريب، فلم يدر كيف يجب أن يتصرف؛ لتحاشيها.. إذ كانت المسافة أضيق من أن تتسع للتفكير الطويل، فلم يجد وسيلة للخلاص إلا بأن يرفع سرعته إلى أقصى المستطاع، غير أن القدر كان أسبق من الحذر، فإذا هو يقتحم جانب الشاحنة، التي لم تلبث أن مزقت السيارة ومن فيها..
وفي عسر شديد استخرجت جثتا الشابين كاملتين ثم جمعت قطع اللواء المسرح من هنا وهناك...
ولما جيء بالجثتين والمزق إلى المنزل كان مستحيلًا السماح لبقايا رئيس السجن الحربي بالدخول؛ لأن التقاليد الموروثة تصور للناس أن إدخال أشلاء القتيل إلى أي بيت نذير بأن يكون ذلك مصير كل واحد من ساكنيه!...
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل