العنوان قصتان من الواقع
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 26-أبريل-2008
مشاهدات 54
نشر في العدد 1799
نشر في الصفحة 52
السبت 26-أبريل-2008
الابتهال إلى الله بخشوع... من آداب الدعاء المستجاب.
يجب ألا نيأس من روح الله مهما تعرضنا لابتلاءات ومحن.
رجل بسيط قليل ذات اليد، لا يملك من الدنيا الفانية إلا القليل ولكنه محب للخالق الدنيا جمعاء، وأراد أن يعلم أولاده أن الله هو مالك كل شيء، وأن كل ما في الوجود من خير هو بفضل الله وأن الإيمان هو السبب الرئيس لسعادة البشر، يمكننا أن نغترف منه اغترافًا ولا يمنعنا أحد ولا ينقص ذلك من إیمان مخلوق، وهذا الرجل جعله الله أمينا على أطفاله الصغار.
إذ كان حريصًا كل الحرص عندما يطلب منه أولاده أي طلب أن يقول لهم: اسألوا من يملكه، اسألوا الله، وقولوا له: يا رب، يا ربنا، يا من نحبك وتحبنا هب لنا ما نتمنى، فاعتاد الأطفال على ذلك فكان قبل سؤال الأب يكون سؤالهم لله، وبعدها يؤكد لهم أن حب الله لهم جميعًا قد وفر لهم المال ثميحضر لهم طلبهم.
اللجوء إلى الله
وعندما يمن الله عليه بخير يقول لهم: يبدو أن أحدًا منكم أكثر من التسبيح، أو أتقن صلاته، أو قال الصدق، أو ساعد أحدًا، لذلك منَّ الله علينا بكرمه، وكان دومًا يقول: كنت أجعل أنظار أولادي متجهة دومًا إلى السماء حتى حدث ما حدث، أرهفنا إليه السمع فتنهد قائلًا: قدمت طلب إسكان للحصول على شقة تتسع لي وأولادي، فكان شرطهم أن أتنازل عن شقتي لصاحبة البيت، وبالفعل كتبت التنازل وتسلمته السيدة وأخذت الأوراق وهرعت إليهم، فقالوا لي: هناك ورقة ناقصة ستستغرق بعض الوقت، وإذا بصاحبة البيت تشهر في وجهي التنازل وتطلب مني مغادرة الشقة فورًا، ضاقت علي الأرض بما رحبت وانعقد لساني، وأحضرت شهودًا وأسقط في يدي وكنت لا أدري إلى أين أذهب بأولادي وزوجتي.
وبعد انصرافهم وأخذهم وعدًا مني بالخروج من شقتي تسابقت دموعي لتعلن الاحتجاج على كل شيء شهدته، فتنحيت جانبًا حتى لا يرى أولادي دموعي ووضعت كفي على وجهي، فيا للهول لذلك الأمر الذي جعلني أبكي.. انسلَّ أصغر أبنائي من بين إخوته ودخل علي ولم أشعر به، فقد كنت أشعر وكأني أصارع ماردًا جبارًا أطلقت عليه اسم المصيبة، ريت طفلي بيده الصغيرة على ظهري قائلًا: هيا يا بابا نقول: يا رب، يا ربنا، يا يا من نحبك وتحبنا، هب لنا من لدنك شقة، توقفت فورًا عن هذه المصارعة الخاسرة، ونزلت كلمات ولدي كالبلسم على قلبي وكالدواء الشافي على نفسي، وبدأ لساني ينفرج.. وسمع سبحانه وسمعت الملائكة وسمع ولدي مني: يا مالك الملك يا رب.. وتوالت الكلمات العطرة التي تعلمناها من رسولنا الكريم ﷺ فأخذت في الاستغفار وأكثرت من ترديد: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وحملت ولدي وأنا أقبله فقد أنقذني من شيطان غادر جثم على صدري عندما رأى ضعفي، وناديت أولادي وقلت لهم: لابد وأن أيًا منا قد أخطأ في حق نفسه بمعصيته لله، وسيكون سبب التمادي فيها أن يحتوينا جميعًا شارع لا يرحم، بعد أن سترنا الستير بهذه الجدران، والأمر مازال بأيدينا فلنتوضأ، ولنتب إلى الله ونستغفره وندعوه، وهو معنا كما تعلمون يسمعنا ويبصرنا، وهو الوحيد القادر على محو ذنوبنا.. وما هي إلا لحظات والأسرة بجميع أفرادها في لقاء خاشع مع المولى -جل وعلا-، من بيده كل شيء، فقط يأذن، فقط يسبب الأسباب وكانت ليلة طاعة ورجوع إلى المولى.
في الصباح الباكر ذهب الرجل إلى الإسكان محاولًا إكمال ما تبقى من إجراءات فإذا هو معفو من هذه الورقة التي سيستغرق الحصول عليها أشهرًا عديدة فقد تم استبعاد هذا الشرط عن الجميع، وحصل على مفتاح شقته الجديدة، وقد كان هذا التأخير فيه الخير كل الخير، فقد أصبح من نصيبه شقة في المنطقة التي طالما تمنى أن يسكن فيها.
استمعت إلى هذه القصة الواقعية وقد أخذتني خيوطها لأعيش في قلب أحداثها، وسبحان الله فإننا إن واجهنا الصعاب بمفردنا تسحق تحت وطأة شدتها ولكن إن واجهناها بقوة المولى -جل وعلا- تصبح كالسراب ومن الذكريات، بل وتأتينا من خلالها الخيرات فالحمد لله القادر.. الحمد لله أنه يسمح لنا بالاتصال به.. والحمد لله أنه يقابلنا.. والحمد لله أنه واحد.. والحمد لله على الحمد ذاته.
طريق النجاة
قصتنا الثانية بطلتها امرأة تزوجت منذ عدة سنوات ولم ترزق بأولاد، وزوجها رجل كريم فاضل تحبه ويحبها، ولكن مرور السنوات بدون إنجاب جعل أهل الزوج يتدخلون لزواجه من أخرى، سألت زوجها بامتنان أن يعطيها آخر فرصة من العلاج، وسافرت إلى فرنسا والتقت بأستاذ منحه الله العلم والخبرة، وبعد الكثير الكثير من الفحوصات قال بيقين للزوجين: لا فائدة، لن تنجب الزوجة أبدًا، قالت الزوجة ونترك لها الحديث: لقد دارت عيني من هول ما سمعت وكدت أن أفقد توازني، فهرع زوجي لإحضار القليل من المياه وخرج الطبيب الفرنسي من الحجرة وأجهشت أنا ببكاء أستدر عطف الأريكة التي أجلس عليها والمكتب الذي أستند عليه وعند مرور أحد الأطباء العرب المسلمين حيث أجلس، قال: يبدو أنك عربية مسلمة قلت: نعم، وشرحت له سبب بكائي فتبسم ابتسامة لن أنساها أبدًا فهي التي بددت لي ظلمات نفسي، حيث قال: ألم تقرأي قول الله سبحانه:﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87)
إن ذاك الطبيب كافر وقد يئس من روح الله، فلماذا تيأسين وأنت المسلمة، نظرت إليه كالغريق الذي تعلق بطوق النجاة وكما ظهر فجأة اختفى فجأة، وكأن الله قد ساقه لي بهذه الكلمات النورانية، ورجعت إلى بلدي وكنا في شهر رمضان المبارك، وأكثرت من دعائي برجاء المضطر، وانفتح باب دموعي فلم تكن تجف توسلًا ورجاء من الله في الليلة التي يظن أنها ليلة القدر أكثرت من البكاء والدعاء والرجاء، فجاء زوجي عند خيط الليل الأخير وربت على رأسي قائلًا: ارحمي نفسك، الدكتور قال: لا فائدة، قلت صارخة: سبحان الله إن أرادني الله برحمة هل هن ممسكات رحمته؟... هل هن ممسكات رحمته؟....هل هن ممسكات رحمته؟!
ابتعد زوجي وهو يردد ونعم بالله... ونعم بالله، وانتهى شهر رمضان وأنا متعلقة بأهداب الأيام الست من شوال، فقمت بصيامها فورًا وقيام ليلها، وعندي يقين بالله وأمل في رحمته، وكنت أبتهل إليه وأقول: يا رب أنا مؤمنة ولم أيأس من رحمتك، وكان الجنين يتحرك في أحشائي، وأنا لا أعلم وكانت فرحة كبيرة فرحة حصولي على يقين الإيمان وفرحة وجود ابني بيننا، ولم تنته القصة بعد، حيث إني حملت الحمل الثاني بعد أشهر قليلة، وعلمت في الشهر السابع أني حامل في أنثى، فشرطت على الله أن تكون بيضاء وعيونها خضراء، وكنت أردد هذا الشرط في مجالسي مع الأقارب والنساء، وأردد: إن كان الله أراد أن تكون أنثى فلتكن بيضاء وعيونها خضراء وعندما رأيتها بعد الوضع أخذت أقول: أين ابنتي؟ هذه ليست ابنتي فقد كانت سوداء البشرة، واسترجعت واستغفرت وتبت إلى الله ومرت الأيام والشهور والسنوات وحملت للمرة الثالثة وقد تعلمت الأدب مع الله في الدعاء، ويشاء العلي القدير أن يكون ذكرًا أبيض الوجه عيونه خضراء، وكأن الله يقول لي: لقد سمعتك وأنا قادر.
شعرت بوجيب قلبي وخشوع ذاتي وأنا أسمعها، آيات تلو آیات نراها ونسمعها، فقط نربط ما بين الأحداث، لنستفيد من هذه العبر وتكون لنا ذخرًا فيما تبقى لنا من عمر في هذه الحياة الرائعة الجميلة بإحساسنا ويقيننا بوجود إله عظيم قادر حكيم رحمن رحيم رؤوف ودود.