العنوان قصة من يوغسلافيا
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 12-فبراير-1974
مشاهدات 107
نشر في العدد 187
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 12-فبراير-1974
قصة من يوغسلافيا
بقلم الأستاذ: محمد المجذوب
كانت الفكرة كبيرة ورهيبة، وقد أثقلت رأس الشيخ «فتحي زاده» وصدره حتى ليخيل إليه أنها استحالت حملًا ذا حجم يكاد يملأ الفضاء.. وأنى لمثله أن ينهض بذلك العبء وقد حنت السبعون هيكله المديد، ورسمت حول عينيه الواسعتين العميقتين وعلى صفحة جبينه العريض خطوطها الكئيبة تنبئ الناظر إليه أنه تجاوز نطاق سنه بما ينبو به کاهله من هموم لم يحسن، ولعله لم يشأ، التخفف منها على الرغم من الفته إياها طوال عشرين من السنين صيرتها له كالغذاء اليومي لا يستطيع عنه فكاكا.
وطالت أطراقة الشيخ حتى لم يعد قادرًا على احتمالها فرفع رأسه في جهد، ثم فتح صدره لاهة طويلة واستعان ببقايا طاقته وعصاه حتى استوى قائمًا ثم جعل يتمشى في فناء داره المحتفظة مثله بعالم الشيخوخة وتلاحقت الصور في خياله مفزعة مختلطة بأسراب الثعابين التي طالما شاهدها في رؤاه تتمعج من حوله في مختلف الألوان وأشتات الأحجام.
وبرزت له من بعيد أطياف الماضي.. الماضي الذي سبق الحرب العالمية الثانية، بل الذي كاد يتلاشى حتى من صفحات التاريخ، أيام زحفت جيوش العثمانيين تحت راية القرآن تفتح أقطار أوروبا المشبعة بالحقد الصليبي الضرير لنور الإسلام، الذي کرم الله به الإنسان، إذ جعله - في يقين الشيخ - الملاذ الوحيد لإنقاذ الجيش البشري كله من ظلمات البغي ومن مخالب الطغاة الذين دمروا أمنه ومزقوا أواصره باسم الدين حينًا ولتحقيق شهواتهم المسعورة أحيانًا.
وتغيب هذه الأطياف السعيدة لتعقبها عهود الانتقام الصليبي الذي جعل يطارد هذه الشعوب التي استجابت لدعوة الله، سواء من أبناء أوروبة الأصليين أو من أبناء الذين استقروا بينهم من أنسال أولئك الفاتحين، بل إن هذا الاضطهاد الصليبي ليتسع نطاقه حتى يشمل فريقًا من النصارى أنفسهم، أولئك الذين تمردوا على استبداد الكنيسة الرومانية، فرفضوا أمرها بتأليه السيد المسيح، وأعلنوا أنه إنسان مثلهم، قد اختاره الله رسولًا إلى بني إسرائيل يجدد مارث من شريعة موسى، ويصحح ما حرفوه من أحكامها ومعالمها الإلهية فقابلت الكنيسة انحرافهم عن أمرها باستباحتهم حتى كادت المجازر المتتابعة تأتي على جذورهم، إرهابًا لكل من تحدثه نفسه بالاقتراب من حقائق الإسلام.
وينطلق خيال الشيخ فتحي زاده في أثر هذه الأشباح، حتى تستقر على ذلك الجو المحموم الذي عاشه مسلمو يوغوسلافيا وما جاورها قبيل تلك الحرب العالمية الثانية تحت كابوس النكال الصليبي، الذي لا تعرف مآسيه حدا تنتهي إليه، لأن القاعدة الرئيسية بنظر قادته هو أن الإسلام كله إنما هو كيان دخيل على الجسم النصراني يهدده بالتحول، فلا ينبغي أن يفسح له أي مجال للبقاء أو التحرك في أي مكان من أوروبا على الأقل.
فكان ذلك الاضطهاد التاريخي المستمر هو الحافز الذي لم يطق المسلمون في هذه البقعة رده أمام الموعود السخية التي بذلها لهم هتلر، والتي كان على رأسها تمكينهم من حرية التصرف في الأقسام التي يؤلفون فيها أكثرية السكان، فيأمنون على دينهم وأعراضهم وكراماتهم، التي استمر الضغط الصليبي يهددها وينازعهم إياها طوال قرون.
أجل إن الشيخ فتحي زاده كالكثيرين من إخوانه الشيوخ لم يكونوا براضين عن تعاون طائفتهم مع الغازي الجديد ولكم حذروا قومهم من ذلك الاندفاع وخوفهم من عواقبه، سواء انتصر جنود هتلر أو انكسروا، لأن التعصب على الإسلام هو القدر المشترك بين هؤلاء وأولئك، فلا ينبغي أن يتوقع المسلمون تحقيقًا لوعودهم، إلا أن يكونوا قادرين على الصمود في وجوههم إذا تنكروا لها.. وذلك أحد المجالات التي لا يتوهمها عاقل غير أن التيار كان أشد تأثيرًا من أفكار الشيوخ، فإذا المسلمون يحملون سلاح الألمان ليحموا به كيانهم الجديد الذي أشعرهم لأول مرة منذ مئات السنين بنفحات الحرية.
وسرعان ما تخور أعصاب الشيخ فيلقي بجسمه على حشيته إلى جانب الجدار، ليستعرض في حرقة مذهلة ما صار إليه أمر هؤلاء المساكين من قومه أثر هزيمة الجيوش الألمانية حيث فرغ جنود المقاومة اليوغوسلاف لعمليات الانتقام منهم، فشنوا عليهم بقيادة تيتو وميخائيلو فيتش غارات جهنمية استأصلت شعوبًا، ودمرت قرى وأحالت مدنًا، كانت تأهل بعشرات آلاف من المسلمين، مقابر كبيرة لا يكاد يحس فيها الجائل أثرا للأحياء ولا يكاد يدري المنقب أنها كانت ذات يوم موطنًا لمسلمين لولا أطلال بعض المساجد التي ربما تركت لتسجل للأجيال القادمة بطولات الثوريين التي لا تعرف اللين.
صحيح أن المجازر الدموية قد توقفت منذ سنين.. وسمح للمسلمين الذين تخلفوا عن قوافل الأربعمئة ألف قتيل أن يعيشوا في مواطنهم الخاصة من يوغوسلافية، بعد أن كلت سواعد القتلة، ووجدوا أن أكلاف المجازر أكبر من مكاسبها. ولا ريب أن للخلاف الدموي بين قائدي المقاومة كذلك فضلًا كبيرًا في البقاء على هؤلاء ... ولكن الأوضاع التي أكرهوا عليها فيما بعد لیست أقل هولًا من القتل.
أليسوا محاصرين في حريتهم الدينية حتى لا يتاح لأحد منهم عمل إذا ضبط بجريرة الصلاة؟.. أليسوا محرومين من تعليم أبنائهم أصول دينهم؟ أليس مجرد حيازة مسلم نسخة من كتاب الله كافيًا لزجه في السجن عدة سنوات.
على حين أن النصارى من مواطني يوغوسلافية معفون من هذه المطاردة ومسموح لهم باستيراد ما شاؤوا من كتبهم الدينية.
وهنا لم يتمالك الشيخ دمعتين كبيرتين تحدرتا على لحيته وهو يتمتم: «لقد استراح الموتى.. أما نحن فقد قضي علينا أن نشهد نهاية الإسلام في هذه الديار.. إننا نموت كل يوم دون أن يشعر بنا أحد خارج هذا السجن الكبير»
وفجأة شخص ببصره إلى المجهول، وقد جفت مقلناه وهدأت أعصابه بعض الشيء وكأنما تذكر أمرًا كان قد نسيه وجعل يتساءل في همس: أليست فرصة؟ بلى.. إنها فرصة.. بل ثغرة قد يتسلل من خلالها الضوء.. وعاد إلى مثل أطرافه الأولى.. ومضى يفكر من جديد.
إن الطلاب والعمال ليحتشدون في الطريق الذي يمر به الرجل.. قد يكونون مكرهين على ذلك، وربما وجدوا في هذا المجتمع فسحة صالحة للفراغ والتفرج.. ولا ريب أنها للكثيرين متعة يتخففون بها من أوزار النظام الذي يحصي عليهم أنفاسهم، فلا يتيح لهم أن يتحركوا إلا في الاتجاه الذي يرضى وكلاء المخابرات ولكن ما شأنه بهؤلاء وبواعثهم أن له في هذا الرجل، الذي يخرجون لاستقباله بين الحين والحين، وهو في طريقه مع مارشالهم إلى جزيرة بريوني، لحاجة بل قضية ليست لأحدهم.. إنه عربي مسلم.. وهو إلى ذلك صديق حميم لبروتوس تيتو لا يكادان يفترقان إلا ليلتقيا.. وقد أصبحت اجتماعاتهما هذه ملفت الأبصار وحديث الإذاعات العالمية وإنه لعلى يقين أن اطلاعه على واقع إخوته المسلمين المضطهدين في هذه الدولة جدير بأن يثير عطفه، فيبعثه على استعطاف صاحبة عليهم.
ويقف الشيخ مجرى تصوراته قليلًا ليطرح على نفسه هذا السؤال الحائر ولكن أليس الرجل اشتراكيًا؟. وهل للاشتراكي قلب يتسع للعطف والأخوة؟
ويتذكر أحاديث إذاعاته التي يتركز على الاشتراكية وتقول بأنها من صميم الإسلام وعلى الرغم من جهله التام وهو أحد خريجي الأزهر الشريف كيف يمكن للإسلام أن يكون اشتراكيًا، وكيف تصبح الاشتراكية الكافرة بالله إسلامًا على الرغم من ذلك كله لا يزال يجد نفسه مضطرًا للاستسلام إلى حسن الظن، فيتهم عقله بالعجز عن إدراك ما يسمع من تلك الفتاوى، لأنه لا يستطيع أن يتصور انقطاع الوشائج التي تربط قلوب مسلمي يوغوسلافية بأرض الأزهر وأمة الأزهر.
وانطوت أيام الأسبوع على الشيخ فتحي زاده، وهو حائر بين أن يقدم على تنفيذ فكرته أو يحجم، إنها المجازفة تذهب برأسه ورؤوس من يوافقه ويرافقه بيد أن نجاحها ـ إذا تحقق ـ أمر وليس عظيم كذلك، وليس هو فوق الممكنات، بل إن الأمل لكثير جدًا بألا يرد زعيم يوغوسلافية رجاء الرئيس العربي تحسين أوضاع المسلمين في نطاق حكمه، وهم مع ذلك لن يكلفوه المستحيل، لأنهم لن يسألوه أن يرد إليهم حريتهم السياسية مثلًا، بأن يختاروا لتمثيلهم في المؤسسات الحاكمة من يثقون بدينه وتقواه، فذلك مما لا يتسع له نظام الحزب الواحد، الذي لا يتاح فيه للشعوب انتخاب أي مندوب خارج نطاق الأفراد الذين تختارهم السلطة المهيمنة.. وإنما كل ما يتمنونه هو أن يقنع زميله الكبير بأن يضع المسلمين على قدم المساواة مع النصارى فيسمح لهم بإحداث مدارس تتولى تعليم أطفالهم مبادئ دينهم، ويأذن لهم باستيراد المصاحف واقتنائها، كما يباح ذلك للنصارى، وهم يعتبرون تحقيق هذه الأمنية غاية ما يرجون، إذ يأملون أن يستطيعوا بذلك صيانة النشء الجديد من السقوط في هاوية الإلحاد، التي انزلق إليها معظم شبابهم الذين شبوا على تعاليم ماركس وتيتو، فأنبتت صلتهم، أوصلة معظمهم بدين آبائهم، حتى بات متوقعًا زوال الإسلام نهائيًا من هذه الديار بزوال الجيل القديم، الذي أصبح عند بداية النهاية وعمد الشيخ للاستخارة، فتلا دعاءها المأثور، وأقام ركعتيها المسنونتين، وأحس انشراحًا ناعمًا في صدره ضاعف من تروعه إلى تنفيذ فكرته.. ثم ما لبث إن مضى لتوه إلى بيت صديقه الحاج مصطفى الذي ألف استشارته في كل ما يتعلق بشؤون وظيفته، وما ينقله من هموم المسلمين وما تردد أن طرح فكرته بين يديه مدعومة بتعليلاته التي انتهى إليها. وصادف المرض هوى الصديق، ولكنه لم يدر كيف يمكن تأمين الاتصال بالرئيس، دون أن يعرضهم ذلك للعواقب الرهيبة. وأطرقا يفكران ولم يصرفهما عن إطراقهما إلا طرقات خفيفة على الباب الخارجي فإذا صاحب البيت يهب كأنما انتزع من سبات، ويقول لصاحبه: يا لها مصادفة مباركة!.. إنه أحمد.. أحمد الشامي.. ألا تذکره؟ وسرعان ما استعاد الشيخ صورة الزائر الذي لم يره منذ عطلة الصيف، فقال لصديقه وهل تظنه عاد من بلاده؟.
ولم يكن مصطفى في حاجة إلى طويل كلام، فانطلق نحو الباب وهو يقول: إنها طرقاته نفسها.. ولا بد أنه عاد من إجازته الدراسية..
وشد لسان القفل وهو يكرر: أهلًا.. أهلًا بالأخ الكريم..
وما إن تواجها حتى اعتنقا.. وراحا بميدان ويعدنان عبارات السلام والشوق.. ونهض الشيخ بدوره لاستقباله ومعانقته، ثم اتخذ مجلسه بينهما على المرتبة الطويلة حيث أرادا له وضع أحمد السفط الذي كان يحمله للصديقين وهو يقول: هذا من مصنوعات البيت ولو استطعت لحملت لكل صديق حصته مع تحيات الإخوان الذين يدعون لكم ويسألونكم الدعاء.
ورفع الرجلان أيديهما مضمونة إلى الأعلى، وتمتما بضراعة حارة لكل المسلمين.. ثم التفت الشيخ ليقول للزائر: نحن أحوج إلى دعاء الإخوان.. فعسى الله أن يتجلى برحمته فيستجيب فيكشف ولو بعض ما نعانيه من نكبة في ديننا.
وأضاف مصطفى مؤكدًا: كل ما أصبنا به في أبداننا وأبنائنا محتمل لو سلم لنا ديننا فقط!: إني والله لا أحسد أحدًا على خير كما أحسد ابن سعید زاده، إذ استطاع الفرار من هذا الجحيم إلى بلدكم العزيز. حدثنا أيها الصديق عن الفتى لعله في خير إن شاء الله.
وكان أحمد قد تذكر شيئًا فأولج يده في جيب سترته الداخلي، واستخرج منه غلافًا صغيرًا قدمه إلى الرجل وهو يقول في لهجة سارة: هذا خطابه حملنيه إليكم لتنقلوه إلى والديه.. إنه على أتم ما ترمون له من الاطمئنان والتوفيق وقد نجح في اختبار الشهادة المتوسطة، ويتابع الآن دراسته في القسم الثانوي من الثانوية الشرعية بحلب.. وهو مكفي الحاجة بما يجد من رعاية المشايخ، الذين يحتضنون كل هارب مثله من جحيم الشيوعية أو الحكم الكمالي، الذي لا يقل عن الشيوعية في التضييق على المسلمين..
فاستأنف الشيخان الشكر لله و الدعاء لأولئك المؤمنين وقال الشيخ: لقد أبى أبواه العجوزان أن يغادرا البلد الذي استؤصل سكانه العشرون ألفا من المسلمين مؤثرين أن يقضيا بقية حياتهما في أطلال المسجد الذي انقطعت صلته بالدنيا، فهما يزرعان فناءه الصغير ببعض الخضار، ومنها يأكلان، ومن ماء بئره يشربان.. وشد ما يسعدهما أن يعلما هذه الأخبار عن ولدهما الوحيد الذي سلم من القتل، وأن يطلعا على رسالة كتبها بيده!. وغرق الثلاثة في غمرة حزينة من الصمت قطعها صوت الشيخ الذي عاد ليقول: من الخير لمنكوبي المسلمين أن يظل بعضهم في منجاة من الشقاء.. وكم يسعدنا أن يكون إخوتنا في الشام مصونين بفضل الله من مثل رزايانا وكأن هذه العبارة قد حركت ما سكن من أشجان أحمد فإذا هو يفتح فاه من زفرة حارة ثم يقول ولا شك أننا لا نزال في خير كثير حتى الآن
ولكن..
وبصوت واحد سأل الاثنان: ولكن.. ماذا؟
قال أحمد: لقد بدأت المحن تكتسح أمتنا وتزلزل وجودنا..
- تريد.. بعد قيام الوحدة بين القطرين؟
-ذلك ما أريد أن الوحدة أمنية كل مسلم في الشام، ولكن هذه الوحدة قد دمرت نشاط الشعب السوري، وشلت طاقاته التي كان يغزو بها الأسواق الخارجية، وسدت أبواب الطموح في وجوه الموهوبين من أبنائه ..
- بئست الوحدة إذن..
- كلا.. ليست الوحدة هي المسؤولة عن هذه الزلازل، ولكنه النظام الذي يأبى إلا أن يقبض على كل شيء، حتى الأفكار والضمائر.
وهكذا بدأت بواكيره بقوانين التأميم، ومصادرة الأرضين باسم الإصلاح الزراعي، فلم يبق ثمة مجال لأي أمل بأي إصلاح صحيح !. وبذلك استحالت البلاد ميدان صراع بين الطبقات، صراع ما كانت ربوعنا لتعرفه قبل هذه الأنظمة الدخيلة التي فجرت أخس الغرائز في نفوس لم تتزود بشيء من معاني الإسلام.. ثم جاءت الاستخبارات الشيطانية تطبق بظلماتها الرهيبة على كل منافذ الحياة لحماية هذه الأوضاع الشاذة، حتى بات لكل شيء هناك عين تراقب، وإذن تتجسس!.
-يا للهول!.. لكأنك تتحدث عن يوغوسلافية والبانية..
-وهل جاءتنا هذه اللعنة إلا من المصدر نفسه الذي جاءتكم!.. ولكنكم سبقتم ولحقنا.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وتجاوب الرجلان في الإحساس بالروع المشترك، فأخذا يكرران: لا حول ولا قوة إلا بالله !.. واستأنف الشيخ يقول: لقد كنت أعاني نزاعًا حادًا في أعماق نفسي، وأنا أستمع إلى الإذاعات العربية تمجد تلك الاشتراكية، وتقرنها باسم الإسلام، فيخيل إلى أنها قد تكون نظامًا معقولًا لا يشترك مع اشتراكية اليهودي الخبيث ماركس إلا في حدود التسمية فقط.
وكان على الرجلين ألا يغفلا الموضوع الذي يشغلهما قبل وصول الفقي الشامي، فلم يلبثا أن شركاه فيه، طالبين إليه أن يعينهما برأيه وبالطريقة التي تحقق لهما الخلوة المرجوة مع الرئيس.
وكانت مفاجأة للفتى، لذلك لم يتردد في الاعتراض على أصل الفكرة، وشرع يبسط للشيخين وجهة نظره وتقديراته قال الفتى: إن الاستشفاع بزعيم إسلامي لدى زميل له في مثل شأنكم أمر مقبول، لو كان في سلوك الرجل ما يشجع على مثل هذا الأمل.. ولكن الواقع غير ذلك تمامًا، ويكفي أن تذكروا موقفه من رجال الإسلام، وإقدامه على شنق الأبرياء من علمائه لغير ذنب سوی إرضاء موسکو أو للتقرب من واشنطن، حتى تدركوا أن العاقبة على غير ما تحبون! ثم إن مجرد إلغائه أحكام الشريعة الإسلامية في بلد تسعون في المئة من سكانه مسلمون، وإيثاره عليها نظامًا استبداديًا لم يجلب لأي بلد اعتنقه سوى الفقر والحرمان والشحناء كاف لإعطائكم الصورة الواقعية للرجل الذي تريدون منه أن يعطف عليكم باسم الإسلام!.. لا.. لا.. أيها الشيخان الفاضلان أنني لا أرى لكما القيام بهذه التجربة التي لا تستند إلى مقدمة صحيحة.
وتلقى الرجلان كلام الطالب في كثير من التأمل، ولبثا يديران أفكاره في رأسيهما لحظات غير قصيرة، وانتظر الحاج مصطفى أن يسمع تعقيب الشيخ قبل أن يقول شيئًا، فرفع هذا رأسه لينظر إلى وجه رفيقه الذي كان يراقبه وبعد تردد سأله: كيف ترى؟ فهز الرجل كتفه كأنه يعبر عن حيرته ويتوقع منه أن يساعده عليها، فقال يخاطب الفتى الشامي: أنت على حق، ولكن يبدو لي أن التجربة لو حصلت لن تزيد المسلمين شقاء على شقائهم، ولربما وافقت هوى في نفس الرئيس فأدت إلى بعض الخير ومن يدري فقد يتلقى الإنسان رزقه من حيث لا يحتسب والتفت أحمد إلى وجه مصطفى يريد أن يتبين من خلاله نوع اتجاهه، فلم ير لديه ما ينم عن أي رفض لدى صديقه فقال: إذا كنتما مصممين على التجربة فأنتما وشأنكما، وفي وسعي أن أحصل لكما على موعد مع الرجل أثناء مواجهتنا إياه، إذ لا مندوحة لنا من لقائه بوصفه رئيس القطرين، ولو لم يفعل الطلاب ذلك بالاختيار لسيقوا إليه بالإجبار.
- ٣ -
وشد ما كان الرئيس لطيفًا في استقبال أبنائه طلاب مصر وسورية، الذين اختار لهم القدر أن يستكملوا دراستهم في جامعات يوغوسلافية، لقد وجدوا لديه فوق ما يتوقعون من الحفاوة، فتعرف أسماءهم و ديارهم واختصاصاتهم لم يضن عليهم بالتوجيهات الأبوية التي تشعرهم بحسن تقديره وعميق حبه وذكرهم بأن بلادهم بانتظارهم ليحتلوا أمكنتهم اللائقة في إدارة مرافقها، التي هي أحوج ما تكون إلى مواهبهم وكفاياتهم! ولما حان وقت انصرافهم من حضرته شد على يد كل منهم بكلتا راحتيه وهو يشيعهم بابتسامة عريضة وتعمد أحمد أن يكون آخر المصافحين له، فلما جاء دوره توقف قليلًا وهو يقول: هل يسمح لي سيادة الرئيس بكلمة؟ إنها أمانة كلفت أن أحملها إليه. وسرعان ما غاضت الابتسامة العريضة التي علت وجه سيادته، ونظر إليه بشيء من العبوس الصارم وقال: هات كلمتك.. قال وهو يحاول ألا يتجاوز صوته مسمع الرئيس: إن كبير شيوخ المسلمين يلتمس موعدًا المقابلة خاصة مع فخامتكم.
وامسك الرئيس لحظة وهو مثبت بصره في وجه الفتى ، ثم قال: ليس لدينا فرصة لأي شيء خاص.. ومع ذلك فقل له إني بانتظاره هنا في تمام الساعة الرابعة بعد عصر الغد لمدة ربع ساعة فقط ومضى الفتى لينقل الجواب إلى الشيخ..
وفي الوقت المحدد من اليوم التالي كان الشيخان في حضرة الرئيس، وعلى الرغم من الابتسامة التي طفت على وجه سيادته لدى استقبالهما، لاحظا أن فخامته حريص على أن يسلكا إلى غرضهما أقصر السبل وأوجز التعابير فلم يتريث الشيخ بعد السلام اللائق حتى شرع في الذي جاء من أجله.
قال الشيخ في لغة قرآنية سليمة: المسلمون هنا جد سعداء برؤية الزعيم الإسلامي العظيم وكان بودهم لو يتمكنون من ترجمة مشاعرهم بهدية تليق بمقامه، ولا هدية تفي بذلك إلا أن تكون نسخة من القرآن العظيم، ولكن يؤسفهم أنهم لا يملكون أية نسخة من كتاب الله لأن ذلك محظور عليهم فلا سبيل للوصول إليه.
وأمسك الشيخ قليلًا ليزن أثر كلمته في نفس الرئيس، ولكنه لم يوفق إلى ما يريد لأن وجه فخامته لم يحمل أي ملمح يدل على التأثر أو الاهتمام.
فاضطر إلى مواصلة حديثه بصراحة أكثر فقال: أجل يا صاحب الفخامة، إن النظام الذي يعيش في ظله مسلمو هذه البلاد بوجه خاص يعاقب من يثبت عليه اقتناء نسخة من المصحف الشريف بالعقاب الأليم.. ويجازي من يجرؤ على تلقين المقيدة الإسلامية أو أي مسلم آخر بأقسي الزواجر من السجن والتعذيب وقد استخرنا الله لإطلاعك على واقعنا الشقي هذا لعلك تقنع صديقك بتخفيف هذه القيود الرهيبة عن أعناقنا، والسماح لنا بهذين الأمرين فقط، أسوة ببعض ما يستمتع به مواطنونا من النصارى.
وكان الشيخ يفضي بكلماته هذه تحت ضغط كبير من التأثر ومقاومة الضعف حتى لم يتمالك أن يمنع صوته المتهدج الذي وصل أخيرًا إلى حد الاختناق وفي عسر غير قليل استطاع أن يصل من حديثه إلى هذا الحد فسكت ومسح ما تساقط على لحيته من قطرات أجفانه التي خانته وبات عليه وعلى رفيقه الحاج مصطفى أن ينتظرا صدى موقفهما لدى فخامته، وكانت ربع الساعة قد أشرفت على نهايتها، فلم يتسع المقام لطويل تأمل أو تفكير، لذلك أسرع فخامته بالجواب الحاسم فقال: من العسير أن نتصور الوضع على هذا المستوى من السوء، ومع ذلك فالعلاقة القائمة بين بلدينا محددة ضمن نطاق التعاون الدولي، فليس لأحدنا أن يتدخل في أي شأن من الأحوال الداخلية لبلد الآخر.
قال فخامته هذا ونهض بقامته المديدة المهيبة إيذانًا بانتهاء المقابلة وتحرك الرجل تبعًا لذلك، وكادت صدمة الخيبة تشغلهما عن واجب المصافحة لولا أن فخامته مد يده لكل منهما مودعًا ولكنهما ما كادا يصيران إلى مخرج القاعة حتى سمعا الرئيس يستوقفهما، ثم يهمس في أذن مرافقه فيذهب هذا بخفة وأدب إلى أحد الأبواب الداخلية ليغيب هنيهة ثم يعود وفي يمناه نسخة من القرآن الحكيم، وبيسراه سجادة صغيرة نفيسة عليها رسم الكعبة المشرفة.. وأخذهما الرئيس بدوره فقدمهما إلى الشيخ وهو يقول: هذه هديتي إلى مسجد بلدكم وذكرى لزيارتكم.
وكان الشيخ وصاحبه ينظران ويسمعان وكأنهما في حلم ولهذا لم يمد أحدهما يده إلى أي الهديتين وبصعوبة تكلم الشيخ قائلًا: إن تسلمنا لهذه النسخة يعرضنا للسجن، فاعذرنا يا فخامة الرئيس إذا عجزنا عن حملها.. واكتفينا بهذه السجادة نضعها في محراب المسجد، لنتذكر بها البيت الحرام الذي نتشوق لرؤيته ولا نستطيع إليه سبيلًا.
وكرت الأيام وكاد الشيخ فتحي زاده ورفيقه الحاج مصطفى، وصديقهما الطالب الحلبي، ينسون ذلك اللقاء الخائب. حتى جاءت الأخبار تذيع بين المسلمين أن فخامة الرئيس العربي قد أمر باعتقال الخمسة والأربعين مسلمًا يوغوسلافيا، بقية الكتيبة التي نفرت للدفاع عن حرمة فلسطين عام ١٩٤٨ فاستشهد أفرادها جميعًا، إلا هؤلاء الذين لجأوا إلى مصر بعد الهدنة التي أطفأت شعلة الجهاد ثم أسلمهم هدية مفضلة إلى صديقه العظيم، الذي لم يلبث أن رفعهم على أعواد المشانق، ليكونوا عبرة لكل من تحدثه نفسه بالخروج عن طاعته، والتسبيح بعظمته.