; قصة من أدب الحرب.. الشهيد محمد عبده | مجلة المجتمع

العنوان قصة من أدب الحرب.. الشهيد محمد عبده

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 31-أكتوبر-2009

مشاهدات 71

نشر في العدد 1875

نشر في الصفحة 44

السبت 31-أكتوبر-2009

 

ولد «محمد عبده بدر» ونشأ في كفر الدوار بمحافظة البحيرة شمالي مصر.. ألحقه والده «بدر» المزارع البسيط بالكتاب.. حفظ ۲۰ جزءاً من القرآن الكريم.. أنهى دراسته الثانوية ولم تقبله أية كلية أو معهد لمجموعه الضعيف.

ورغم أنه وحيد الأسرة من الذكور صمم على التطوع في الجيش بهدف أن يصبح ضابطًا احتياطيًا بالقوات المسلحة، وفي القسم المتوسط من كلية ضباط الاحتياط حقق امتيازات، فأصبح «صولا» على دفعته بجده واجتهاده.. لاحظ كبير المعلمين حصوله على النهاية العظمى في مادة قانون الأحكام العسكرية - التي يقوم بتدريسها - فرجع إلى كل المواد التي درسها فوجد أن «محمد عبده بدر» حاصل على النهائيات العظمى فيها جميعًا، استدعاه في مكتبه وشجعه قائلًا: «لو كان الأمر بيدي لرقيتك إلى رتبة الملازم من الآن»، كانت هذه العبارة خير حافز له على الاجتهاد في دراسته».

مثار إعجاب

كان اجتهاده وعلاقته الإنسانية بزملائه مثار إعجاب كل الضباط المعلمين بالكلية فإذا مرض أحد أسرع لعيادته، وإن استعان به زميل كان خير معين؛ فقد مرض زميله «دیاب» «من دمنهور بكالوريوس تجارة» وحجز بالمستشفى لمدة أسبوع، فقام على خدمته ولخص له المحاضرات وشرحها له، سأله دياب:

- لماذا تجهد نفسك أكثر من اللازم في هذه الكلية وكلنا سنتخرج ضباطًا؟

- أنت يا دياب غيري: أنت لك وظيفتك في دمنهور وأنت ابن دمنهور ومؤهلك عال، أما أنا فمؤهلي متوسط وليس لي وظيفة، لذلك فأنا أضاعف جهدي في هذه الكلية لأحصل على وظيفة من أشرف الوظائف، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أخفف من مشكلة البطالة.

 - عندك حق يا محمد، والله يوفقك. ظل محمد عبده في الكلية مدة طويلة بدون إجازة، وأخيرا سمحت الكلية بالإجازات، قوبل محمد عبده مقابلة الفاتحين في كفر الدوار، وكانت «البذة» العسكرية مثار إعجاب الجميع وخاصة أمه ووالده وخطيبته «بنت خالته» «فكيهة» وأخواته البنات الكل دعا له؛ شيخ الكتاب وإمام المسجد وأهل البلد جميعًا. 

- سألته أمه في المساء: ما عملك الجديد هنا يا بني.. هل ستكون «شيخ غفر»؟ 

- ضحك محمد وقال لـ«فكيهة»: قولي لها: ما وظيفتي الجديدة.

- وظيفة «محمد» الجديدة هي أشرف الوظائف يا خالتي ضابط في الجيش للدفاع عن البلد، وربما يدافع عن اليمن مع جيشنا الموجود في اليمن، ويترقى ويتثبت في الجيش، ويحصل على مكافأة كبيرة، ويسكن في الإسكندرية إن شاء الله.

- قالت الأم: إن شاء الله يحقق أملك يا محمد يابن بطني.

- وفي الصباح، توجه محمد إلى محطة السكة الحديد للسفر إلى وحدته، وكان في وداعه والده وعمه.

رؤية منامية

وفي الليلة التالية باتت «فكيهة» تعرك عيونا لا تنام وأجفانًا لا تنطبق تنام لحظات وتستيقظ ساعات، وأثناء لحظات نومها حلمت أن خطيبها محمد عبده في حديقة كبيرة جدًا كأنها الجنة، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت فقامت من نومها مسرورة سعيدة وجدتها أمها على هذه الحال،

فسألتها:

 - مالك يا يابنتي «بتضحكي ومش على بعضك؟»، إيه حكايتك؟

- فرحانة يا أمي لأني حلمت حلمًا جميلًا.. حلم يفرح.. أتحبين أن أحكي لك الحلم يا أمي؟

 - لا يا «فكيهة»، لا أحب أن أسمع شيئًا... وانسي ما في دماغك.. وانسي محمد عبده وقصة الجيش؛ لأنني سمعت أن كل يوم تسلم صناديق موتى من اليمن للقرى المجاورة لنا يا بنتي أتمنى أن توافقي على مدرس المدرسة الابتدائية القريبة من بيتنا، وهو شريكي ويتمنى رضاك، وأرسل أمه أكثر من مرة.

- يا أمي.. لا أريد مدرسًا ولا ناظرًا ولكنه القلب وما يريد يا أمي..

مر أســــبــــــوع و«الـــصــــول» محمد عبده ووحدته في شغل شاغل وتعاون مستمر بين الطلاب لإظهار وحدتهم بالمظهر اللائق أمام القائد العام للقوات المسلحة، الذي سوف يزور الكلية، بعد أيام قلائل، كانت كتيبة الطلبة كخلية النحل الكل يعمل في حماس، وكان «الصول محمد يمر على كل سرية يشجع أفرادها، وأثناء مروره على السرية الثالثة وكان طلبة السرية ينظفون البنادق نصف الآلية، سُمع صوت انفجار طلقة، وفوجئ الجميع بـ«الصول» محمد على الأرض يتلوى والدم ينزف من جانبه الأيسر، فقد انطلقت طلقة من بندقية أحد الطلاب واستقرت في جنب محمد عبده.

نقل محمد في الحال إلى المستشفى ومعه أربعة من الطلاب كشهود، وعمل اللازم في الحال وأدلى ثلاثة طلاب بأن انطلاق الرصاصة لم يكن عمدًا، وأشار محمد بيده عندما سُئل عن الطالب «رشاد حسين علي «المتهم» - إشارة تبين أنه بريء. 

ومن دفتر الأوامر في المساء، قرئ على الكتيبة الآتي:

١- مات شهيدًا الطالب محمد عبده بدر بعد وصوله المستشفى بنصف ساعة.

 ٢ - رُقي الطالب الشهيد محمد عبده بدر إلى رتبة الملازم وسيرسل جثمانه إلى أهله في كفر الدوار مع مندوب القوات المسلحة.

 ٣- التحقيق جار مع الطالب «رشاد حسين علي».

كلمة مؤثرة

وقبل انصراف الكتيبة فوجئ الجميع بسيارة بها كبير المعلمين ومعه بعض الضباط وأمر بالوقوف دقيقة حداد. وقال كلمة مؤثرة «كنت أتمنى ترقيته إلى رتبة ملازم» حيا ولكن الله تعالى رقاه بعد نيل الشهادة».

استقبل الناس جثمان محمد عبده بالصراخ والعويل وبكته كفر الدوار بكاء مرًا وخاصة أمه وأخواته.

ولكن «فكيهة» كانت رابطة الجأش، رغم لوم أمها وأخيرا قالت: كفى بكاء على رجل فاز بالشهادة، وهو الآن حي يرزق، وقد رأيته قبل أسبوع في المنام سعيدًا في الجنة.. لو مات محمد في حادث عادي لقتلت نفسي مثلكم ولكنه بالشهادة نال السعادة والحمد الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران:169).             

الرابط المختصر :