; قصة قصيرة- هالتان من النور | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة- هالتان من النور

الكاتب أكرم العجارفة

تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1992

مشاهدات 77

نشر في العدد 1027

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 01-ديسمبر-1992

خرجت «دعاء» من المحاضرة وهي تلتفت صوب صديقتيها «ليلى وسناء» كانتا فتاتين يبدو عليهما الترف والغنى حيث اللباس الناعم الثمين الضيق الذي يشبه لباس الفتيان والأقراط الماسية التي تتدلى من تحت الشعر القصير بخفة ورشاقة والعطور الغالية النفاثة التي تدير الرؤوس والكلام الرقيق الناعم الذي يختفي فيه حرف القاف، وتتبدل فيه حروف الضاد والطاء والظاء دالا، كانتا مسرعتين صوب سيارتيهما الفخمتين حيث العودة بهما إلى القصور الضخمة العالية، وإلى الحدائق الغناء المنسقة التي تنضج فيها الثمار دون أن تقطف، وتتساقط بين تماثيل الأسود والطيور من أن تلتقط.. تأوهت «دعاء» ونظرت إلى جلبابها الطويل الفضفاض السابغ، وحاولت حبس دمعة أبت إلا أن تتدحرج في استحياء.. أسئلة كثيرة تدور في خلدها وهي تحاول طردها والاستعاذة بالله من شرها، ولكنها تتغلب عليها فتستغفر الله وتسبح وتصلي على النبي-صلى الله عليه وسلم-ولكن هذه الأسئلة الآثمة تقلقها وتثيرها وتهزمها وتمزقها.. لماذا أنا فقيرة وأنا مؤمنة؟ لماذا نحيا في بيت كالقبر ونأكل الخشن من الطعام ونحن الأبناء الكثر؟ وغيرنا يحيا في القصور ويتخم باللحم والحلوى؟! لماذا لا تكون عندنا سيارة ننتقل بها كبقية خلق الله؟! لماذا المصائب تنصب على رؤوسنا صبًّا؟! ازداد رأس «دعاء» دورانا وأحست بشيء من الإعياء، ولم تستطع حبس دموعها التي فاضت بحرارة تحت سياط الحزن واليأس والأسى.. أواه يا رباه! أما لهذا الليل من آخر؟!

انطلقت مسرعة باتجاه الباص الكبير الذي سينقلها إلى منتصف العاصمة بالقليل من القروش.. كانت تسير حزينة منزوية بعيدة عن العيون تحاول إخفاء دمعها الغزير، ولم تشعر إلا ويد حانية تربت على كتفها التفتت بعينيها البائستين فإذا هي «وداد».. تلك الفتاة الوضاءة التي تحيط بوجهها هالة من الضياء والنور تزيدها جمالا وهيبة وإشراقًا، لكم تعجب «دعاء» من «وداد».. إنها فتاة معدمة مثلها، وقد تكون أشد منها فقرًا وعدما، ولكنها مع ذلك تفيض بشرًا ورضى وشكرًا.. في براءة السماء، وطهارة الضياء، وسكون الأصيل، وخشوع السحر.. وعندما تسألها «دعاء» عن سر إشراقها ورضاها تجيبها وداد بكلامها الهادئ البين المعدود وهي تشير إلى السماء باسمة:

فليتك تحلو والحياة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر *** وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين *** وكل الذي فوق التراب تراب 

ولكنها هذه المرة زادتها إيضاحًا فقالت بصوتها الخاشع الذي يخترق الحجب: «يا دعاء».. الليل.. الليل.. خذي منه زادا وصبرا وصلاة وضياء وخشوعًا ورضى، «يا دعاء» الليل محطتنا! هبت دعاء من فراشها على صوت جرس الساعة فنهضت وأغلقته وراودتها نفسها على أن تعود فتكمل نومها في فراشها الدافئ، لكنها تمنعت وهمست: «الليل.. الليل.. خذي منه زادا وصبرا وصلاة وضياء وخشوعا ورضى.. الليل محطتنا» سكبت الماء البارد على أطرافها متوضئة فازدادت يقظة وصحوا وانتباها، أطلت من النافذة على طريق الحي الطويل الذي تحيط به المساكن الصامتة المتلاصقة.. هدوء عجيب يلف المكان، وغلالة رقيقة من العتمة تغطي كل شيء.. الناس نيام، والله حي لا ينام.. حمدت ربها على أن رزقها متعة الحضور مع الأقلين المقربين. 

وقفت بين يدي بارئها قرأت آيًا من القرآن.. كم هو جميل هذا القرآن! قرأت من سورة الملك.. استوقفتها آية كأنها تقرأها لأول مرة: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك: 2).. أخذت تكررها وتكررها فتتحطم الأطباق الجليدية عن قلبها طبقًا طبقًا، أخذ قلبها يحيا وينبض.. السكينة تنسكب فيه.. جلدها ينقبض.. يلين.. دموعها تتساقط.. تتحدر.. تسيل.. الخطايا تذوب.. تنطفئ.. تتلاشى.. أواه يا رباه نحن هنا للابتلاء، أياما معدودات ثم نكون في الجنات، حيث السعادة في رفقة الأنبياء والصالحين.. ويحي إذن.. ويحي إذن! أين كنت من هذا الجمال؟ وأين كنت من هذه السعادة؟ وأين كنت من هذه اللذة؟! يا لحلاوة الذكر! ويا لجمال القيام! ويا للذة المناجاة!

بكت وبكت.. أواه يا رباه.. تائهة أنا إلا أن ترشدني.. ضالة أنا إلا أن تهديني! ضائعة أنا إلا أن تغفر لي وترحمني.

نور وضياء يطوقان المكان.. الحجر يسبح معها.. النجوم تخشع معها.. الشجر يسجد معها.. السماء راكعة معها.. الريح تشدو معها.. أواه يا رباه!

فليتك تحلو والحياة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر *** وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين *** وكل الذي فوق التراب تراب

صلت الفجر.. قرأت ما تيسر من القرآن.. سبحت.. رفعت كفيها إلى السماء داعية.. طلبت من بارئها الصبر والرضى والإيمان والخشوع والإخلاص والصدق والسعادة والاستقامة وأن يصلح لها شأنها كله.. انطلقت بعد الشروق إلى الجامعة أحست أنها ممتلئة قوية شفافة تكاد أن تطير.. سامقة لا تبالي بالزخارف ولا بالقشور ولا بالمركبات ولا بالقصور ولا باللباس ولا بالعطور.. إنها جميعا أشياء رخيصة.. مجرد زينة في هذا المتاع الفاني. 

﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف: 7) مظاهر وزخارف وقشور سرعان ما تفنى وتزول، ولكن الإيمان عميق الجذور بعيد الغور عالي الساق سامق الأغصان وارف الظلال طيب الثمر.. لاقت «دعاء» «وداد» فتكلمت العيون ببريقها والوجوه بتلألئها وضيائها، هالتان من النور تتصافحان، شدت «وداد» على يد «دعاء» وتبسمت وعرفت كل شيء.. إنها فراسة الإيمان تقرأ المكنون، وتميز العمل الخفي من إشراقة الوجه وضيائه، ويا ليت قومي يعلمون!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2183

140

الجمعة 01-سبتمبر-2023

الاقتصاد.. وسعادة الحياة

نشر في العدد 2109

155

السبت 01-يوليو-2017

بستان المجتمع

نشر في العدد 8

158

الثلاثاء 05-مايو-1970

أين السعادة؟