; قصة قصيرة ​لماذا أحبه؟ | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة ​لماذا أحبه؟

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1975

مشاهدات 19

نشر في العدد 259

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 22-يوليو-1975

من الصعب جدًا.. من المستحيل أن يعيش الإنسان بدون عقيدة.. لأنك لن تجد ذاتك ولن تجد وجودك إذا كنت إنسانًا يفنى في الملذات وينسى المصائر.. إنك بالتدقيق لن تكون إنسانًا.. عفوًا اسمي عثمان.. ليس مهمًا أن تعرف اسم أبي أو اسم أمي.. فأبي رجل مسلم يعرف طريقه إلى المسجد.. حتى صلاة الفجر ينسل خارجًا بهدوء.. يحافظ على أن لا يؤذي أحدًا من النائمين بصفقة الباب وإنما يكون حذرًا جدًا.. كما يحافظ على إسباغ الوضوء عند كل صلاة.. أمي امرأة مسلمة.. تلتف بثيابها البيضاء وتغيب في صلاة روحانية خاشعة.. يكفيك هذا.. أنا محور الحديث.. أنا الحديث نفسه.. لماذا أحدثك عن نفسي؟ أنا واحد من هذه الملايين.. شكلي لا يزيد على أي مخلوق.. غير أن حياة الناس تختلف.. قد تكون مثلي وربما تكون أكثر مني في حياتك وربما قد كنت..

في كثير من الأحيان تكون للأحاديث لذة.. وفي أحيان أخرى تفقد هذه الأحاديث طعمها.. أصر صديقي.. لا.. أخي.. ليس أخي الذي قاسمني الرحم والذي يقطن معي في البيت لكنه أخي في العقيدة التي أحيا لها.. أصر على أن أسرد جزءًا من الماضي.. أن أتذكر معه قصتي التي دفنتها وشاء أن يستخرج جثتها.. يضايقني هذا.. ولكني لا أرد له طلبًا.. ما أحببت بشرًا مثلما أحببته.. لا تتعجبوا قد أكون كرهت والدي ووالدتي يومًا ولكني أحببت هذا الإنسان الغريب.. لا أدري كيف هذا.. ولكنه كان.. أصر وقال: إني أريد أن أتعرف على وجوه شتى من حياة البشر.. أنا رجل داعية وقصتك تفيدني.. لم أقاوم وألقيت بذراعيَّ على ذراعيِّ الكرسي ثم أسندت رأسي إلى الخلف ورحت أستعيد تلك الأيام.. ليست هذه الأيام بعيدة.. لم يمض عليها أكثر من أعوام ثلاثة ولكنها في حسابي غيرها في حساب الزمن.. أنا أبكي الآن إذا تذكرتها.. لأنها كانت في حياتي..

تذكرت طرفًا منها.. الذي تذكرته كان كافيًا أن يقلقني فاعتدلت في جلستي لأروي له القصة. قلت له: في المدرسة كنت من أشقى الأشقياء.. كانت الحصة شيئًا مسليًا بالنسبة لي.. إنني إمبراطور داخل الصف.. أمارس كل الشقاوة مع المدرس أو التلميذ الذي يجلس أمامي.. لا يمكن أن يمر يوم في المدرسة إلا وأكون دخلت غرفة الوكيل.. ضاق بي وكيل المدرسة فاستدعى الناظر.. الطلبة ينظرون إليه كسلطان لا يُدخل عليه إلا بإذن، وأنا أدخل عنده بعد كل حصة دون استئذان وربما دخلت عنده وعند الوكيل أثناء الحصص.

لا أدري لماذا لا أحتمل كلام أي أحد.. أحس بحركة غير عادية في جسدي.. في قلبي.. كل شيء يدعوني إلى الهيجان عند أدنى حركة في الفصل.. قد يحلو للمدرس أن يمزح أو يعلق -في بعض الأحيان- على حدث أو غيره فأضحك بصوت مرتفع وأخبط الدرج الذي أمامي بكفي الاثنين.. أغمض عيني من شدة الضحك.. ليس هو الضحك الحقيقي ولكنه اللعب الممزوج بكثير من السخرية والشيطنة.

يغضب المدرس ويثور.. حتى إذا بلغ موضعي ثار في وجهي.. أكف عن الضحك لحظة فأعبس في وجهه.. كم مرة حاول صفعي.. ولكنه يتردد.. في هذه المرة أمسكت يده ولويتها وحدثت المعركة داخل الصف.. ونحول الدرس إلى حلبة مصارعة أو إلى درس في الملاكمة..

التلاميذ يعجبهم هذا المشهد.. بعضهم.. القليل منهم.. يضيق بي.. ينهرني، ثم يرتدع خشية أن يناله مني أذى.. في بعض الأحيان كنت أعبس في وجهه.. ثم أنفجر ضاحكًا.. كثير من المدرسين يتألمون منذ دخولهم الفصل الذي أنا فيه.. كنت وقحًا.. مهذارًا.. لا أعرف لأحد حقًا.. أو حرمة..

ذات يوم كنت في ساحة المدرسة كعادتي.. أتنقل من مكان إلى مكان.. تحيط بي شلة من المشاكسين كنت فخورًا بهم.. أداة التضليل تصاحبني.. أسميها «فرقة الشياطين» ويفرحون لهذا الاسم «فرقة الشياطين» ويلحنون ويغنون.. ويوقعون على أوراقهم.. بألوان.

لا تتوانى هذه الفرقة أن تأتي من المكروهات ما يثير حفيظتي فأنتصر لها، فإذا بي وسط المعمعة تشخب الدماء مني ومن غيري فأشعر بأنني قد نصرت صاحبي.. لأعلي من تلك الدماء..

كان أحد الطلبة يطيل النظر إلي في الساحة.. توجهت إليه حتى إذا بلغته حول وجهه عني.. وبكل عنجهية سألته: لماذا تنظر إلي؟ لم أكن أنتظر منه جوابًا.. قلت له بحدة: هل تدري أنني من غير هذا الكوكب؟!

أجابني ببرود ولمحت في عينيه خوفًا وتراجعًا.. تراجع أمامي فكانت فرصتي..

وجهت إليه لكمة ثم ثانية فهلل أصحابي..

تدخل فريق من الطلبة ليفك النزاع بيني وبينه.. جريت بسرعة وكسرت زجاجة فارغة وألقيت بنفسي في وسط الزحام.. أريد أن أرسم عدة شوارع في وجهه.. لم أكن أهتم بالنتيجة.. لا تهمني النتائج.. أنا ابن ساعتي -كما يقول المتصوفة- وكل ما يأتي به الغيب لا أكترث به.

فجأة وجدت من يمسك بيدي فترتخي ثم ترخى، فإذا بي أسلم الزجاجة له.. بغير غضب ولا عنف.. لست أدري أي أمر نهاني حتى أتوقف عن صراخي عندما رأيت وجهه.. قلت له ببرود: دعني إنك لا تعرف القصة. قال لي: وهو يبتسم ابتسامة شاحبة: «العن الشيطان يا عثمان» تركت الزجاجة له.. ثم سحبني من يدي وذهبت معه.

لم يكن إبراهيم أكثر من طالب يقبع معي في فصل واحد.. والذي يثيرني فيه أنه لا يتحرك تحرك الآخرين.. وإذا ما حدثت بيني وبين أحد مشادة في الفصل نظرت إليه فإذا به يرمقني بعينين ثاقبتين.. فكنت كثيرًا ما أحاول كبت ما أجد إزاءه.. كان في بعض الأحيان يجالسني ليقدم لي النصيحة.. لا أستطيع أن أسخر منه كما أسخر من غيره، وهذا ما يزيدني حيرة!

حاولت استفزازه أكثر من مرة فكان أصلب من أن تؤثر فيه استفزازاتي.. حتى لقد عزمت يومًا أن أدخل معه في عراك حتى أكشف موقفه وسكوته.. وأعرف معدنه.. لا تظن أنه قاسٍ وفظيع ولكن شخصيته تفرض نفسها فهو جاد رزين.. وهذا ما يثيرني.. ولم أجرؤ على الدخول معه في عراك كما وعدت نفسي.. ولذلك فقد بحثت لي عن ألعوبة أصل بها إلى مرادي.. شتمت أحد التلاميذ.. شتمته ببذاءة مقصودة، ولم أكتف بالكلمات المألوفة وإنما نزل عليّ شيطان يوحي إليّ كل ما يثير الأعصاب.. فسببت الدين ولعنت الديانة.. في هذه اللحظة تحولت كل حواسي ناحية إبراهيم لأراه.. فإذا به قد قام من مكانه وإذا بعينيه غضبةٌ ما رأيتها من قبل.. أدركت أنه لا يثور إلا من أجل دينه.. ارتج عليّ عندما رأيته قادمًا نحوي.. ولكن موقف الشجاعة يتطلب مني أن أقف موقفًا أدافع به عن نفسي.. ورسمت طريقة الهجوم.. لكنه سحبني من يدي وأخرجني من الفصل.. أطعته وبدون اعتراض.. وقال بعد أن أصبحنا لوحدنا: عثمان.. لست أنت الذي تكلم.. إنما هو الشيطان! أتعرف الشيطان؟ هل قرأت عنه؟ قلت له: وقد علتني حمرة الخجل وما كنت أعرفها: بل صادفته وصاحبته! فتح فاه دهشًا وقال لي: عثمان! هززت رأسي وقلت له: نعم.. ما أبعد خالدًا عن الدين غيري.. عندما زججت به في صفوف الإلحاد..

أحسست أنه يدرك ما لا أتكلم به، ولذلك كنت أقول له كل شيء..

ضرب على كتفي ثم قال لي.. استغفر الله يا عثمان.. وتوجهنا إلى الفصل بعد أن هدأت نفسي قليلًا.. ولكن شعلة من النار لا تزال في قلبي.. لا أعرف أين أطفئها!

نسيت هذا الحادث أو تناسيته حتى كان حادث الطالب في الساحة، وما ذكرته عن مجيء إبراهيم كانت كلماته ذات أصابع.. امتدت وامتدت.. حتى دغدغت قلبي ولامست مشاعري.. فسري عني قليلًا.. وقال لي: أراك عصر اليوم.. وكان عند موعده.. جلسنا بعد الصلاة.. وتكلم بهدوء وثقة.. مر في خاطري شريط طويل لما كنت أمارسه من شغب.. كنت أجلس قبالته ولكني غير حاضر الذهن.. إن ما فعلته ليلح عليّ إلحاحًا شديدًا.. أكان أفرط من شدة ما ألاقي.. انتبه إلي وحاول جلبي إليه.. انتبهت هنيهة ثم طاف بخاطري طائف الحزن.. تذكرت مواقفي مع ناظر المدرسة، وكيف كنت شرسًا لا أدير بالًا لحديثه وهو يقبلني للمرة الثالثة في المدرسة ووالدي المسكين يعبر عن خجله وتأثره إزاء تصرفاتي ورسوبي المتكرر..

احتقرت نفسي وأنا أستعيد هذا المشهد، وفي صحبة جمع من الأخيار، وفي بيت الله الكبير، ونبهني إبراهيم للمرة الرابعة أو الخامسة، لا أذكر.. وأمرني أن أقرأ بدايات سورة الحج فما أتيت على قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (الحج: 4). حتى توقفت وغبت في نشيج متصل.. مد إبراهيم يده ووضعها على كتفي وقال: أسأل الله لك الإيمان والمغفرة.. أحببت إبراهيم حبًا لا أستطيع أن أصفه..

عدت إلى البيت بقلب آخر وبوجه آخر وأنا أردد كلمة سمعتها من إبراهيم.. هذه الكلمة «الحمد لله الذي أعادك إلى فطرتك».. وحمدت الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل