; قصة قصيرة لا مخرج لكم | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة لا مخرج لكم

الكاتب محمد السيد

تاريخ النشر السبت 15-يناير-2011

مشاهدات 60

نشر في العدد 1935

نشر في الصفحة 48

السبت 15-يناير-2011

 تحدثت الراوية فقالت: قالوا: »أسطول الحرية«، وتطاولت الأعناق، اشرأبت إلى غد تنتصب فيه الجوهرة »القدس« حرة، ترعاها قلوب توضأت للتو، وأيقنت أن »بيبرس«، لا يقدم جزافًا، فهو لا تغريه الأكف المنافقة! ولا تقعده الدمعة المقهورة، وهو بالعضد يبتغي كشف سر الأفواه المتلعثمة بالكلمات تلك المتخفية خلف الحروف الخادعة، الباحثة عن عذر أعمى.

وحين وضع «جودت«، سليل »عثمان« قدمه اليمنى فوق سطح »مرمرة«، كانت في وداعه جمهرة من نوارس عتيقة، وحين راحت السفينة تعب الموج، فتغيبه في بطنها العملاق حدق في ساعته بعد أن اطمأن إلى المسير وقال باسم الله.. بعد ساعات معدودة.. تكون هناك إن شاء الله، والتفت إلى وقد وافته ذكريات »شريان الحياة« ثم قال: »وضربت عليهم الذلة والمسكنة..«

قلت: ماذا؟ ومن تقصد بهؤلاء؟

 إنهم يهود.. يهود .. ألا تدركين؟

بلى، إني مدركة ولكنهم اليوم عالون !...

 إنها رميات غدر يا عزيزتي وحسب!

 قتل اغتصاب أرض حصار، تجويع عالم غادر العدل.

 وبدت عينا »جودت«، ساهمة، تدقق في تلك الموجات المرتدة التي يطلقها إبحار السفينة.. كان النهار ذلك اليوم هادئًا، وكان كل شيء على السفينة ببعث بالأمل؛ فكل الناشطين متفائلون تحدوهم رغائب الوصول إلى الهدف، ومشاركة مرابطهم، غزة رباطهم فكنت ترى تجمعات منهم تلهج بالحداء، وتجمعات تقرأ عن غزة، وتجمعات تغني حينًا بلغاتها المختلفة، فيعلو الضحك. وتغرورق العيون بالدموع، شوقا للقاء المنتظر. في حين كان »جودت«، إلى جانبي يستدرج سمعي بكلمات يتمتم بها بصوت خافت وقد استدركت منها سؤاله الذي وجهه لي دون مبالاة:

 هل لاحظت ذلك الضباب الداكن؟

أي ضباب تعني؟ إني لا أرى إلا نهارًا ساطعًا.

انظري.. انظري.. ها هي غزة تظهر من بين سحب الضباب شاحبة..! دققي في تلك الموجات المرتدة عن جدار السفينة، فسوف تشاهدين خلالها غزة، ورغم أن الضباب يلف وجهها الصبوح، فهي تبدو صامدة صمود الأرض في وجه الإعصار، إنها ترد كيد الغدر بغدائر شعرها وصدور شبابها، الذين زينوا وجوههم بلحى تقطر من وضوء، وبعيون تغازل الغد بالعزم الذي تنظمه بساتين البرتقال والليمون واللوز والزيتون وبآمال تنير ظلمة المساء، حيث تموت مصابيح السكك من جوع تصنعه أحقاد الغدر، ويدبج مسوغاته من استمعوا المهزلة الروك أند رول الجهادي في مكتبة الإسكندرية.

 وتابعت الراوية زوج »جودت« القول: ولحقت بحدقتي تلك الموجات لأرى ما يرى زوجي، ولكن شعاع بصري تاه في الدرب، إذ كانت الأطياف الخائفة تحملني على موجات هدوء مخاتل.

 وأدركنا المساء، وكنت أجلس على ظهر السفينة أرقب حركات »جودت«، وهو يرتب أمر الصحفيين، فقد وكل إليه إمرتهم، فهو منهم، ومن الذين جربوا الإبحار على ظهر قافلة »شريان الحياة«... كانت خصلات شعره الأسود تراود جبهته البيضاء العالية امتزج بياضها بحمرة الشفق الذي راح يتوسل لكل شيء فوق السفينة أن يخلد للتأمل... وبدأت سحب الظلام تلف يسدلها المعالم وفي لحظات التأمل تلك صافحت أذناي رنة شعر، كان يلقيه أحد الحادين العرب، فتخيلت أنه موجه إلى »جودت«:

 في عينيك ألوان العطاء، للكادحين الصامدين للبائسين. لطفولة تشكو الظلم لكهولة تبغي السلام الصبية باعث زهور الحب في الليل العميق، لشعب يحب الضياء يقدس حرفًا مضاًء.

 عندئذ شعرت بدمعتين حارتين غزيرتين، تنزلان على وجنتي، فمددت يدي أمسح بها الدمعات، حيث داعبت وجهي نسمات بحرية عليلة اختلطت بخصلات شعاع القمر التي راحت تسامر السهر وتقهر بعض الخوف الذي بعثته ظلمة البحر في النفوس.. وفجأة شعرت بكف »جودت«، تداعب وجنتي اليمنى وهو يقول: أيتها العزيزة بماذا تفكرين؟ -

لا شيء.. لا شيء، إنها كلمات شعرية طرقت أذني، فهدهدت دمعاتي.

 لا عليك، ساعات قليلة، وتكون هناك... وأبطأ الكلام على شفتيه قليلًا .. ثم أضاف: هناك في غزة..!

ولكن الليل ألقى بجرانه، نصفه أو زد عليه!.. ثم من أين لك تلك الثقة الغالية بالوصول؟ ألا يبتعث الخوف جنوده إلى قلبك ؟!

 في غزة الناس لا يعرفون الخوف، إنهم يلصقون الصخر على البطون ولا يعجزون ثم هم ينتظرون الأحلام، تحملها صقور متوضئة بندى الفجر لتضعها بين أيديهم مشاريع متحققة فوق الأرض التي استقبلت في الزمان كل ألوان الغزو، فخرجت منها شامخة تضيء عتمة الشام ومصر.

 وتابعت الراوية تقول: وللتو ألقى »جودت «برأسه فوق صدري، وقد ارتسمت على ثغره ابتسامة رضا بأمل عريض، وبينما کنت أسرح شعره  الفاحم بأصابع يدي، وقلبي يتفجر حبًا واعتزازًا بهذا الشاب الممثلي إيمانًا ساجدًا بعينيه بين يدي رب عظيم، محلقًا بأحلامه الصقرية فوق معالم الأرض المغصوبة، تصورته أحد فرسان السرايا التي كان يسيرها رسولنا الكريم، أو ملبيًا في جموع حجيج لبيك اللهم لبيك، ومرددا الأمل العظيم، يتدحرج على شفتيه القرمزيتين:» سيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار«

 وفي هذه اللحظة وافانا صوت المؤذن في الباخرة ليهدي إلينا همسات الاطمئنان والسكينة، ممتزجة بهدير كلمات كان «جودت«يرددها وهو يقفز في الهواء بخفة: لا مخرج لكم أيها الأوغاد .. لا حصار بعد اليوم.

 وتابعت الراوية قولها: وفي هذه اللحظات التي ردد طمأنينتها سكون الليل وخفوت الأمواج، ودموع الفجر اللينة، وانتظام صفوف المصلين انطلقت رصاصات غادرة وأطلت أغوال الليل الجبانة من خلف الجدران المصفحة، وجدران العموديات الجبانة.

 وبالأجساد وبعض الخشب المتوفر رد المتوحشون بداية على أعقابهم، وهم المحملون بكل ثقيل من السلاح، كالبغال تحمل ما لا تفقه مآلات استعماله...! ورأيت «جودت» ينظم وضع الصحفيين، ليقوموا بمهماتهم وراح وهو المصور الصحفي المبدع، يوثق مشاهد البرابرة، إلا أن رعديدا حاول الاقتحام على الصحفيين، فتصدى له بصدره الأعزل، فبادره الرعديد برصاصة قريبة في رأسه ورصاصات أخرى.. وارتبك الرعديد فقفل راجعًا، عندئذ أقبلت على زوجي الملم جراحه، غير أن روحه كانت تفيض ببطء إلى بارئها فبادرته القول:

 روحك حققت مرادها؟

 قال بحشرجة: غزة والقدس تستحقان الدم.. فلا تبك يا عزيزة

إنني أبكي الفراق.. وليس التضحية... فالقضية تستحق أكثر

سنلتقي يا حبي في الجنة حيث لا خوف.. ولا حصار.. ولا اغتصاب.. ولا ظلم..! هناك العدل.

ألا تذكرين ما عانيناه في العريش قبل شهور؟

نعم أذكره.. فمن تلك المعاناة، ومن هذه الوحشية اليوم ولد »جودت« من جديد.

وأغمض «جودت« عينيه وفارق.. ومسحت دموع الفراق وجهه المضيء، وكانت كلمات تتدحرج على شفتي تقول: إلى اللقاء يا »جودت«... إلى اللقاء في زمن يحبه الله ونحبه جميعًا.. ألم تبدأ »هيلين توماس« ذلك الزمن حين قالت: فليعد كل صهيوني إلى البلد الذي قدم منه، وليتركوا الأرض لأصحابها؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

204

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

152

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم