العنوان قصة قصيرة- في ذروة النهار
الكاتب عبدالمجيد فرج الله
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1996
مشاهدات 70
نشر في العدد 1201
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 28-مايو-1996
اتكأ "أبو محمد"، على جذع نخلة طويلة، وهو يجيل أفكاره بكل ما يستطيع على خطة يستنقذ بها أمواله التي خلفها في البلد الحبيب، صحيح أن بعضها عند زوجته إلا أن أغلبها كان لدى تجار مكة الذين لا يعلمون بعد بإسلامه ولو علموا لصادروها وانتهى كل شيء، وكم عاب عليه صديقه "أبو عمرة" استغراقه في التفكير بالأموال، بينما الناس مشغولون بتحركات الرسول- صلى الله عليه وسلم- العسكرية وهو يفتتح حصون خيبر، غير أن أمنية ناعمة تداعب أوتار قلبه باستمرار، فلو أنه استرد أمواله لجاهد مرتين؛ مرة بها وأخرى بنفسه، وهذه فرصة لا تتأتى إلا لثلة قليلة.
ومسح عرقًا كثيفًا عن جبهته العريضة السمراء وهو يرسو على قرار أخير.
تقدم إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- والحياء يغطي كل ذرة في كيانه، فسلم وهنأه بفتح الحصون، ثم جلس متململًا لا يعرف كيف يبدأ الحديث، لكن وضعه لم يكن ليخفى على حبيب الله فابتسم في وجهه وأقبل عليه كأنه ينتظر منه كلامًا سيجد طريقه إلى الرضا، وفكت عقدة لسانه اليابس على لهاته فابتلع ريقه بهدوء قبل أن يقول:
يا رسول الله؛ إن لي بمكة مالًا عند صاحبتي أم شيبة ومالًا متفرقًا في تجار أهل مكة؛ وسكتوهو يحس بطيف ندم يخيم على ضميره، إذ ربما يكون قد أخطأ الصواب.
صحيح أن الناس قد فرغوا قبل ساعات من جهاد خيبر إلا أن الروح الحماسية ما زالت طاغية على الوجوه وأراد بكل لهفة أن يرى وقع كلماته على ابتسامة الرسول- صلى الله عليه وسلم- فرفع رأسه بتثاقل مضن فإذا بها ما زالت مشرقة على الوجه الرحيم وهي تنتظر منه مزيدًا من الكلمات.
لم يكن يدري ماذا يقول بعد، فقد وصف أمره باختصار كاف وأحس بالصمت يشحن الفضاء من حوله، فحرك لسانه بقليل شعور:
فائذن لي يا رسول الله
- أذنت لك.
وهنا تذكر حراجة الموقف، فهو إذا وصل مكة لا بد له من أن يختلق كلامًا كثيرًا لئلا يشك أحد في التحاقه بالدين الجديد واضطرب كثيرًا وهو يستقصي بفكره عددًا من المتاعب سوف تواجهه وترغمه على...
ولم تدعه الابتسامة الوديعة أن يتمادى في خجله وندمه فأحس بها تدفعه إلى مزيد من البوح:
لكن لا بد لي يا رسول الله من أن أقول..
فانفرجت الشفاه المبتسمة عن حرفين رقيقين جعلاه يعيش نشوة مزدوجة وهو يسمع "قل".
لم تكن العاصفة الرملية مؤثرة على سيره كثيرًا، فها هو الآن على مشارف مكة، لكن الذي جعله يتوقف هو مقدار التلفيق الذي سيقدم عليه لاستنقاذ المال، وحاول أن يكر راجعًا لولا هيمنة خاطر جميل جعله يندفع فيمشواره ليكتب مع المجاهدين مرتين.
وما هي إلا عدوة فرس حتى وصل ثنية البيضاء فاعترض سبيله رجال قريشيون يتسمعون الأخبار سائلين كل من يرونه عن آخر تطورات الموقف في خيبر، فصاح أحدهم: عنده والله الخبر وتحلقوا حول ناقته وفي عيونهم لهفة مؤرقة لأن يسمعوا خبرًا يسرهم عن ذلك "القاطع" الذي يزداد كل يوم قوة ومنعة حتى أعياهم أمره وظهرت دعوته الغريبة. وتكلم أكبرهم بلهجة متوسلة:
أخبرنا يا أبا محمد، فقد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر وهي بلد يهود وريف الحجاز.
ولملم الرجل بقايا ريق وأنفاس، وتنحنح متصنعًا دوره بإتقان:
- قد بلغني ذلك...
- وماذا؟
- وعندي من الخبر ما يسركم
فالتفوا حوله وهم يتصايحون:
- إيه يا حجاج. إيه يا أبا محمد إيه يا بن علاط السلمي، خبرنا بحق الآلهة.
- أقول لكم على شرط
- نقبل أي شرط
- تعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي، فإني أريد أن أقدم على خيبر، فأصيب من الفل قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنا لك.
- فل؟ أي فل؟ هل انهزم أحد؟
- أقول لكم على الشرط
- قل على الشرط يا حجاج
- هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلًا لم تسمعوا بمثله قط، وأسر أسرًا وقالوا لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم.
- أصحيح ما تقول إنها البشرى وحق الآلهة.
في مكة كانت تتعالى الأصوات بهذا الخبر من كل ناحية فيما انهمك أولئك المبشرون بجمع أموال الرجل أحث جمع، أما هو فتوجه إلى أم شيبة فأخذ ماله ثم ذهب إلى خيمة من خيام التجار، وهناك وافوه بالأموال كاملة، ولم يشعر إلا بصوت يخترق أذنه ملئ بالقلق والغضب؟
- يا حجاج ما هذا الخبر الذي جئت به؟
وحين التفت التقت نظراته بنظرات تخترق الأحداق بذهول وتفرس واستنطاق، كان وجه المتكلم قد غزاه الشيب لكنه لم يؤثر على صرامته وهيبته بل زادهما تألقًا وهيمنة، وكان جسمه الضخم يتعالى إلى جانب الحجاج كأنه طور يزاحمه المكان والأنفاس، فهمس قريبًا من أذن العباس بن عبد المطلب وهو متأكد من أن آذانًا أخرى تلتقط الحروف:
- وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟
- فظن الناس أن للرجل مالًا عند العباس
فتابعوا انشغالهم بحساباتهم حين سربالحجاج إلى العباس بضع كلمات:
" فاستأخر عني حتى ألقاك على خلاء فإني منهمك في جمع مالي كما ترى، فانصرف عنيحتى أفرغ"
وانتهى من تصفية آخر حساباته، لكنه لم يكد يخرج من السوق حتى وجد الرجل المهيب. بانتظاره في أول بقعة خالية فابتدره الحجاج قبل أن يتكلم:
- احفظ على حديثي يا أبا الفضل فإني أخشى الطلب ليالي ثلاثًا ثم قل ما شئت.
- فرد العباس بصبر نافد:
- أفعل.
إني والله لقد تركت ابن أخيك عروسًا على بنت ملكهم ولقد افتتح خيبر وصارت له ولأصحابه فطافت في عيني العباس آمال فرحة لا تعرف طريقها إليه جيدًا من شدة المفاجأة فصاح به:
- ما تقول يا حجاج؟
فرد بوثوق:
- أي والله فاكتم عني، ولقد أسلمت، وما جئت إلا لأخذ مالي فرقًا من أن أغلب عليه فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك فهو والله على ما تحب.
في اليوم الثالث كان العباس يطوف بالكعبة، وعليه حلة تفوح منها رائحة الخلوق الذكية وبيده عصا مستدقة ناعمة فقهقهالحاضرون، ثم قال أحدهم وهو لا يكاديتخلص من ضحكته إلا بعناء:
- يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحر المصيبة.
فابتسم العباس بصرامة واضحة، قبل أن يصيح بصوت يسمع كل من كان حول الكعبة:
- كلا والله الذي حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسًا على بنت ملكهم وأحر أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه.
فعلت سحابة داكنة وجوه القوم وهم يصرخون به:
- من جاك بهذا الخبر؟
فازدادت ابتسامته إشراقًا وكبرياء وهويتكلم ملتفتًا إلى كل اتجاه:
-الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل مسلمًا فأخذ ماله عليكم ... وانطلق ليلتحق بمحمد وأصحابه فيكون معهم.
كانت الوجوه منشدة إلى تتابع كلمات العباس وهو يربط بين واحدة وأخرى بفاء يقولها باستهزاء وانتصار ثم صحوا على أصواتهم المرتعشة وهي تردد: "يا عباد الله انفلت عدو الله أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن"
وتابع العباس طوافه بفرح غامر.
(*) المحرر الأدبي بمجلة التوحيد الإيرانية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل