العنوان قصة قصيرة- غدا سأثأر
الكاتب زكريا بوغراة
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1994
مشاهدات 95
نشر في العدد 1096
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 19-أبريل-1994
عضو الاتحاد الأدبي الإسلامي - الجزائر
كان السعال الحاد يزداد رويداً رويداً.. ويهتز مع جسم سليم.. عيناه
بهما بعض الإنهاك.. من طول التعب والسهر ها هما مغرورقتان بالدموع بفعل السعال
المتواصل.. ويمضي يترنح في عتبة الليل الداجي.
طرق باب المنزل ببطء ارتدت صدى الطرقات الوئيدة الواهنة. غمغم برتابة:
ـ لأبحث عن المفتاح.. فلا جدوى.. كلهم نيام..
وبعد لأي وجهد ولج إلى الحديقة المهملة: كانت أشجارها تهذر بفعل
الريح.. وتبعث في النفس خشوعاً ورهبة.. ها هو يصادف الباب الرئيسي للبيت مغلقاً.
قد أنهكه المسير.. وأغراه السكون العميم.. بأن يجلس القرفصاء.. يشق أذنه بنقيق
الضفادع.. وصرير الحشرات.. من بعد سحيق ترامى إلى أذنه صوت المؤذن.
ابتسم ابتسامة ماكرة فلا غرو أن أخاه سالماً سيقوم لأداء الفريضة في
مطلع هذا اليوم المبارك الميمون - الجمعة - وسيفتح له الباب.. وتنتهي المشكلة..
ويخلد لنوم دهري.. غير أن ابتسامته جأرت بمماتها.. ازداد السعال.. وران الصمت
المطبق.
تساءل في دهشة.. لماذا لم يجلجل صوت الشيخ أبي أيمن بالأذان؟ لا بد أن
شيئاً ما قد حدث.. طال الانتظار.. وبدأت الهواجس تعترض سليماً في كل اتجاه.. عيناه
شاخصتان في الأفق.. وقلبه منقبض. ـ تُرى لماذا لم يقم سالم للصلاة إذاً؟! ليست
عادته.. إنها المرة الأولى التي يفعلها. ويكأنه لن ينجو من عتاب إخوانه.
ازداد القلق حدة.. وأصبح للحيرة موطئ قدم.. قام سليم من جلسته مكابراً
معانداً مرضه القديم.. وصاح بأعلى صوته: سالم... سالم.. لكن المكان.. لا يرتد فيه
غير صدى الكلمات المرسلة.. قد أصبح السكون بلا معنى.. يوحي بالحيرة والأسى
القاتل.. الرهبة تطبق على المكان.. والريح العاصفة تأذن بدنو الطوفان الهادر. صرخ
بشدة: زينب.. يا حسين.
لكن صراخه تردد في السماء الرحيبة.. فارغاً من كل محتوى.. طرق الباب
بعنف.. لا أحد يرد... شعر باليأس.. وداعبت الدموع مقلتيه.. شعر باليتم لأول مرة..
كأنه لم يذق طعمه من زمن الصبا.. بعد طول تفكير.. وشرود.. خرج قاصداً المسجد.. بعد
مسيرة وجد المسجد محاصراً بكتائب الجنود.. صادفته السحن الصخرية الصماء.. بالصد
والإبعاد.. تساءل في حيرة وصراخ.
أهي مساجدنا.. أم مساجد سراييفو؟.. يا للهول لمح على بعد خطوات جثة
أخيه سالم مضرجة بالدماء وعلى مقربة منها المصحف.. وقد وطأته الأقدام النجسة..
ياه.. ما أشبه يومنا بأمس الآخرين.. وآليات الصرب تدك مساجدهم وتهتك أعراض نسائهم
زهرة الحياة الدنيا.. وعبق الجنة.. صرخ... تأوه.. طوقه ثلاثة من المجندين لمكافحة
الإرهاب.. واقتادوه بعد الضرب المبرح لمباحث أمن الدولة.
هناك صادف زوجة أخيه زينب وابنها حسيناً.. كانت المسكينة تكفكف دمعها
وتهدئ من روع صغيرها.. أسرّت في أذن سليم أنها ستبقى رهينة لحين عودة سالم الهارب.
وقتها انفجر سليم صارخاً: ـ سالم مات.. قتلوه بالرصاص كانت تهمته صلاة الفجر
بالمسجد.
وبعد قليل صاح وعيناه شاخصتان نحو الأفق: ـ غداً سأثأر.. لكن لرب
ودين.. وأمضي إلى الله في عزة ويقين. بصوت يخالطه البكاء قالت زينب:
- لا
نامت أعين الجبناء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل