; قصة قصيرة: على طريق القافلة | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة: على طريق القافلة

الكاتب عبدالناصر محمد مغنم

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1995

مشاهدات 66

نشر في العدد 1135

نشر في الصفحة 55

الثلاثاء 24-يناير-1995

تصبب العرق من جبينه الذي بدت عليه آثار الغضب.. توقف هنيهة عند شجرة صنوبر بين الأحراش يستظل من أشعة الشمس اللافحة.. كان متعبًا يلهث من شدة الإعياء.. نظر "كمال" إلى الدم الرقراق النازف من يده الجريحة.. تلفت يمنة ويسرة عله يجد مخبأ يختفي فيه عن أنظار اليهود.. تحامل وتابع المسير قبل وصول قوة المطاردة لاعتقاله.. سمع نباح الكلاب المدربة تلاحقه.. هرع نحو الطريق الترابي أملًا في العثور على سيارة عربية تقله بعيدًا عن ميدان المطاردة.. وقف عند صخرة شامخة على جانب الطريق الممتد الذي ينتهي إلى قرية "سالم".. شعر بألم حاد في يده الجريحة.. كان الدم الزكي يغطيها بالكامل.. تمتم بكلمات خرجت من بين شفتيه بتثاقل:

  • يا رب أنت المستعان يا الله!! رب نجني من القوم الظالمين.. اللهم مثلما انتصرت لأمتك ودافعت عن عرضها فنجني برحمتك يا أرحم الراحمين!!

أصابه دوار جعله يترنح أثناء سيره البطيء وسط الطريق الترابي.. جثا على ركبتيه وفرك عينيه نظر أمامه فلم ير شيئًا.. السماء قاتمة.

  • ما هذا.. ترى هل حل الظلام؟! أم أنه غبار يغطي المكان؟!

لم يلبث إلا قليلاً حتى انهارت قواه وسقط مغشيًا عليه. أفاق بعد ساعات ليجد نفسه مستلقيًا على فراش لين في غرفة جميلة زينت جدرانها بآيات قرآنية وحكم نبوية مؤثرة.

  • (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (سورة الأنبياء: 88).
  • (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (سورة آل عمران: 120).

اطمأن وشعر بأن الله نجاه من المعتدين الغاصبين.. نظر إلى يده فوجد عليها ضمادًا وقد ربطت إلى عنقه، جلس على السرير وأسند ظهره إلى الحائط وانتظر قدوم أحد ليعرف شيئًا عما حدث له.. لم تمض دقائق حتى ولج عليه رجل ذو لحية كثة بيضاء تهلل وجهه فرحًا عند رؤية "كمال" جالسًا وقد بدت عليه آثار العافية.

  • ما شاء الله.. لقد تحسنت والحمد لله!!  كمال: جزاك الله خيرًا يا عماه لا أعرف كيف أشكرك.. لقد أنقذت حياتي!!
  • لا تقل هذا يا بني عليك أن تشكر الله وحده.. فهو الذي نجاك!
  • كمال: كيف حدث ذلك يا عماه؟!
  • كنت قادمًا من سوق الخضار كالعادة فمررت بعربتي المحملة بالخضار بالقرب منك، لمحت جسدك المضمخ بالغبار والدماء.. ارتعت لذلك أشد الروع كان المشهد مرعبًا.. واعتقدت أنك ميت.. سمعت نباح الكلاب فخشيت عليك.. نزلت وتفحصت جسدك الجريح.. عرفت أنك ما زلت على قيد الحياة استعنت بالله وحملتك في عربتي هذه.. أخفيتك تحت البقول وبين صناديق الخضار.. دعوت الله ألا يعثروا عليك ووصلت إلى البيت بسلام والحمد لله.. استدعيت طبيبًا أعرفه سررت عندما طمأنني عليك.. قام بعلاجك ومضى.. أعطاني بعض الأدوية من أجلك يجب أن تتناولها بانتظام.
  • كمال: الحمد لله لقد توقعت ألا أنجو من بطشهم أبدًا!
  • ولكن قل لي يا بني.. ما هي قصتك بالضبط؟!

طأطأ كمال برأسه إلى الأرض وأخذ يستعيد الذكريات.. تنهد بعمق ثم رفع رأسه والتفت إلى الشيخ.. كمال: ماذا أقول يا عماه.. إنها لوحة قاتمة تعبر عن المأساة.. إنها الكرامة المهدورة.. إنه الشرف المدنس.. أين النخوة والنصرة؟! أين الشهامة والنجدة؟! حكاية تعمق الجراح.. وقصة تفوح بالأسى.. لست إلا قطرة من الدم المسفوح في الجدول الفلسطيني الأحمر الذي لا يجف!!

أرسلني والدي إلى "نابلس" لأشتري له بعض الحاجيات.. وصلت المدينة قبيل الظهر.. فوجئت بالشوارع الملتهبة والجموع الغاضبة.. حصلت مواجهة عنيفة بين أهالي المدينة واليهود.. وقعت في مأزق حرج.. أغلق الجنود الطرق وحاصروا المدينة.. أرشدني بعض الشباب إلى طريق جبلي للهرب.. مررت بين زقاق لأعبر الطريق الجبلي نحو قريتي.. فوجئت بفتاة تصرخ وتستغيث.. أهملت الأمر في البداية وواصلت المسير.. تردد الصوت الحزين في مسامعي.. توقفت وفكرت قليلاً ثم قررت العودة.. أخرجت سكينًا اعتدت حمله في جيبي.. رأيت اثنين من الجنود يعذبان الفتاة ويجرانها من شعرها ويؤذيانها بطريقة بشعة.. ثارت ثائرتي وهجمت غير مبالٍ بما يمكن أن يلحق بي من الأذى.. طعنت أحدهم في ظهره فسقط على الأرض ينزف دمًا.. ظننت أنه مات.. هجمت على الآخر ففر هاربًا قبل أن أصل إليه.. ساعدت الفتاة في الهرب.. وعندما أدرت ظهري لأسلك طريق الجبل أطلق الجندي الجريح عليّ الرصاص فأصابني كما ترى.. أسرعت في التوجه إلى الأحراش ومضيت في طريقي.

  • سرت كل هذه المسافة وأنت في هذه الحالة؟! كمال: أعانني الله يا عماه!
  • الحمد لله ما كنت أظن أن هناك من يملك هذه النخوة يا كمال! كمال: ولكنك يا عماه بذلت وقدمت أكثر مما فعلته أنا.. وما كنت أظن أن هناك من يملك هذه الجرأة والشجاعة، خاصة ممن هم في سنك يا عماه!
  • إن المؤمن يا بني لا يعرف الخوف إلا من الله - عز وجل - ولا يمكن أن يرضى بالمهانة أبدًا.. وهو في مثل حالنا يركن إلى الصبر والمصابرة.. ولكن إلى حين!!
  • إن الطريق وعر يا عماه.. ورحلة العودة طويلة.. ولا بد من عبور القافلة ولا يمكن أن تعبر إلا على طريق معبدة بالدماء والجراح!!

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

204

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

152

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم