; قصة قصيرة- صديقي الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة- صديقي الأمريكي

الكاتب أحمد الجدع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1979

مشاهدات 74

نشر في العدد 457

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 06-نوفمبر-1979

     لقد ولدت، ونشأت، وتعلمت في أمريكا، لقد جاء والدي إلى هذه البلاد بعد أن عجز عن العمل بحرية بمؤهله العالي في بلده، لقد حدثني أنهم حاربوه بلا هوادة، وأطلقوا وراءه جيشًا من المخبرين، حتى لم يعد يأمن أقرب الناس إليه، لقد كان يشعر أن دخوله إلى المسجد للصلاة يعتبر الجريمة الكبرى التي لا غفران لها، لقد كان يستدعى بعدها إلى قسم الشرطة، ويخضع لاستجوابات تستمر لساعات، ثم يطلق سراحه بالنصيحة تارة، وبالوعيد تارات أخرى؛ لكي يبتعد عن هذا المسلك الذي يشين رجال العلم، ولا يتناسب مع مقامهم وعلمهم! وكانت توضيحاته لهم حول هذا الموضوع تزيدهم إصرارًا على مضايقته وأذاه، ولقد رأى- يرحمه الله- أن يهاجر إلى أمريكا؛ حيث تتوافر له فرص العمل، وحيث تتوافر له الحرية الدينية في تأدية شعائره، كما أكد له رجل أمريكي نصحه بأن يجرب حظه هناك، ولما أوضح له والدي بأن دولته سوف لن تسمح له بالهجرة لأنه واحد من الرجال الأقلاء في علمه،أجابه الرجل: دع هذا الأمر عليَّ، وما عليك إلا أن تقدم طلبًا للهجرة، وسوف يوافق عليه.

     ولم يجد والدي أدنى معارضة، بل ووفق على طلبه في أيام معدودات، بينما اشتهرت بلادي بالإجراءات الروتينية التي تستمر أشهرًا لأبسط الأمور وأسهلها، وهكذا وجدت نفسي -وأنا العربي المسلم- أمريكي التابعية، أعيش الأجواء الأمريكية بكل أبعادها ومتناقضاتها.

     ولأن والدي انتقل إلى -رحمة الله- بعد بلوغي الخامسة عشرة فقد فقدت بفقده الموجه الوحيد، الذي كان يرشدني في خضم هذا المجتمع الكبير، أما والدتي فقد كانت عاجزة عن توجيه أبنائها لأسباب أود أن أطويها عن الناس.

     وهكذا وجدت نفسي أمريكيًا، ووجدت أصدقائي كلهم من أميركا، ولقد توطدت صداقتي بزميل الدراسة الجامعية «أنطوان»، لقد كان بيننا توافق في كثير من الميول والنزعات، حتى كراهيتي لليهود، وهي كراهية ورثتها عن والدي- كان يشاركني فيها؛ فقد كان يعتبر اليهود أساس الفساد في كل المجتمعات، وكان على اطلاع واسع بشؤونهم، إذ أن والده كان مدرس التاريخ في جامعتنا.

     وهكذا، فقد كانت كل الأمور تسير طبيعية حتى وجدتني وأنطوان في حفل ساهر عند أحد الأصدقاء، وقد أقیمت حفلة للرقص والشراب، وقد كنت جالسًا بجانب أنطوان على إحدى الأرائك عندما تقدمت منه فتاة لتراقصه، فاعتذر متعللًا بالتعب، ولما طلبت منى ذلك ابتسمت لها متعللًا بأنني سأعني بصديقي، واعدًا إياها بالرقصة التالية.

     ولما أديرت كؤوس الخمر تناولنا كأسينا، وقبل أن نشرب التفت إلى أنطوان وقلت له: هل تعلم يا عزيزي أن ديننا يحرم الخمرة؟ فقال: آه! أتصدق أنني نسيت بأنك مسلم؟ ما رأيك لو احترمنا دينك، وامتنعنا عن تناول الخمرة هذه الليلة؟! قلت: لقد أخجلتني وأحرجتني، طبعًا أوافقك؛ فأطرق أنطوان، وقال بشرور: هذاأفضل، أن الخمرة لا تأتي بخير.

     وعجبت من أنطوان وأحواله هذه الليلة، وخاصة عندما وجدته يتلقى دعابة الأصدقاء القاسية ببرود لم أعهده فيه، لقد ألتفت إليه أحد الأصدقاء وقال له: مالك يا أنطوان لا رقص ولا خمرة، إذا كنت لا تود مراقصة الجميلات، فتقدم وراقص صديقك هذا.

      وقام أنطوان وقمت معه، وفي الطريق قال لي: ألا ترى يا «حسن» الفراغ الهائل الذي يلف الشباب؟، إنني أشعر بحاجة إلى شيء ما، وأشعر بتفاهة الحياة بدونه، ولكن الشيء؟ أصارحك أنني لم أهتد إليه بعد، فقلت له وقد أصاب ما في نفسي: لا أكتمك أن لدي نفس الشعور، إلا أنني مضطر لمسايرة المجتمع وتقاليده، رغم أنها ليست تقاليد أهلي وقومي، إنني أشعر بأن للمجتمع على ضغطًا رهيبًا، إنه كالإرهاب الذي يكتم الأنفاس، ولا أجد من نفسي طاقة به.

      قال: لعلنا لو بحثنا لاستطعنا أن نجد ما نفتقد، فلنبدأ معًا. وفي بحثنا الجاد انغمسنا في كل الجماعات التي تنتشر في أمريكا، الهيبيز، البيتلز، جماعات الأفيون، والمارجوانا، وغيرها، وغيرها، وكنا نخرج من كل هذه التجارب وقدازداد شعورنا بالفراغ، وحملنا معهذا الشعور المؤلم بالفراغ شعورًا مؤلمًا آخر لأولئك الشباب الغارق في الضياع.

     ولم يكن أنطوان ولم أكن أنا كذلك على صلة بأحد خارج أمريكا، ورغم أن أقربائي لا يرسلون لنا إلا رسائل المناسبات، إلا أنني أرسلت إليهم متسائلًا عن إمكانية زيارتهم، إلا أنهم أرسلوا ينصحونني بعدم الزيارة؛ لأن ماضي والدي لا يشجع عليها.

ورغم هذا الفشل، إلا أنني حرصت على مغادرة أمريكا، وشاركني صديقي هذه الرغبة، ولعل هذا الفشل غير المتوقع زاد في رغبتي وإصراري، وفي أثناء بحثي عن بلد أزوره غير البلد الذي قدم منه والدي التقيت بواحد من الطلاب العرب في جامعتنا، واستشرته في الأمر، فشجعني على زيارة بلده، وأعطاني عنوانًا لأحد أصدقائه لأزوره هناك.

     وهكذا وجدتني وأنطوان نتجه إلى الشرق، ودب الحنين في قلبي، وخفق فؤادي لما ينتظرني في بلادي وبين المسلمين من إخواني، وتطلعت إلى أنطوان: أندري يا صديقي، سوف نكون عما قريب في محيط إسلامي، كل ما يحيط بنا إسلامي: الناس، العادات، البناء، الشجر، الجبال، آه، لا بأس يا صديقي فلتجرب مرة ما جربته سنين، أن تعيش في محيط مخالف مخالف، مختلف. 

     والحق أننا أخذنا نشعر كلما اقتربنا من الشرق أننا نقترب من شيء جديد، فالوجوه بدأت تختلف، والمعاملة بدأت تتغير، لقد اتسمت وجوه أهل الشرق بالود، والمرح، والبشاشة، وامتازت معاملاتهم بالصدق، والثقة، والإيثار آه ما أسعدنا، وما أمتع رحلتنا.

     ووصلنا إلى البلد الذي نريد، وهناك زرنا الصديق الذي نحمل عنوانه، فرحب بنا، وأصر على أن ننزل في بيته، فكان هذا أول بوادر الاطمئنان والراحة، وشعرنا أن مضيفنا سعيد بإقامتنا، ففتحنا له قلبينا وحدثناه عن الهدف من رحلتنا، فما كان منه إلا أن قال: إذا كنتم جربتم جماعات كثيرة ومجتمعات عديدة فلا أظنكم تمانعون في تجربة جديدة مع جماعتي التي ستقيم معسكرًا يمتد لخمسة عشر يومًا.

 قلت: نحن نرحب بهذا، وما جئنا إلا لمثله، ولكن إلا تحدثنا قليلًا عن جماعتك؟

قال: إنها جماعة إسلامية، تدعو للعودة بالناس إلى جذور الإسلام الأولى، وتعتقد أن لا سعادة للمسلمين، بل للعالمين إلا إذا اتخذوا من منهج الله لهم دستورًا وطريق حياة، وهم في سبيل هذا يعملون على إعداد الشباب بوسائل شتی، أحدها ما سترونه في هذا المعسكر الذي أدعوكم للمشاركة فيه.

 قال أنطوان: آه، للمرة الثانية أتذكر أن «حسنًا»، ألا نزور هذه الجماعة في معسكرها لنرى إن كانت أفضل من جماعاتنا في أمريكا؟!

قلت: نعم

     ومر علينا في المعسكر أسبوعان، وقد شاركنا في كل نشاطاته، وعوملنا فيه كأننا من أهله، وقد انتابني شيء من الحزن لانقضاء مدته، إنها قصيرة قصيرة، بل إنها لمحة عابر، ولولا ما تزودت به من هذا المعسكر من حب للعمل في خضم المجتمع المنحرف لكي نعمل على إصلاحه وهدايته، لكان انقضاء مدة هذا المعسكر كارثة بالنسبة لي، ولاحظت أن هذا الذي أفكر فيه يرتسم بصورة ما على قسمات أنطوان، فقلت له: ما رأيك فيما كنا فيه؟

قال: بعد أن أطرق مليًا: إن في دينكم ما لا أستطيع وصفه.

قلت: وماذا في ديننا؟

قال: فيه ما ملأ فراغي، وما هدأ اضطرابي، وما هز كياني.

قلت: خشيت أن أقول لك هذا لأنني خفت أن تتهمني بالتعصب لديني!

قال: لماذا لا تتمسك بدينك؟ بل وتتعصب له، إن دينًا هذا منهجه لجدير بأن تعض عليه بالنواجذ!

قلت: إن كلمة تعصب معيبة!

قال: إذا كانت مع الحق فأنا لا أعيبها، إن كل ما كان مع الحق اكتسب معنى شريفًا.

 قلت: لقد حان وقت الصلاة، وأنا ذاهب لتأديتها، ولن أطيل عنك الغياب.

قال: حسنًا، حسنًا. 

    وعندما سلم الإمام في ختام الصلاة وقف فينا خطيبًا، وقال: أبشر نفسي وأبشركم، وأهنئ نفسي وأهنئكم، فقد دخل في مجتمعنا الإسلامي عضو جديد، تقدم يا أخي أنطوان، وتقدم أنطوان، ووقف أمامنا، وأخذ ينطق بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وفاضت دموعي، واهتزت مشاعري، ولم أدر ماذا أقول أو أفعل، ونهضت واقفًا أريد أن أندفع من بين الصفوف لأعانق أنطوان، فسمعته يقول للإمام وهو يطلب منه أن يختار له اسمًا إسلاميًا. أريدأن يكون اسمي «حسنًا» فما أعظم اليد التي قادتني إلى النجاة، بل الحياة!.

 وغبنا في عناق ودموع. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

244

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!

نشر في العدد 4

129

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الوحدة وصلاة الجماعة في المدارس

نشر في العدد 3

152

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة