; المجتمع الثقافي (1692) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1692)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 11-مارس-2006

مشاهدات 75

نشر في العدد 1692

نشر في الصفحة 50

السبت 11-مارس-2006

قصة قصيرة: خيمة على نهر الأبيض

محمد الحسناوي

في ليلة واحدة تحول حامد عبد الواحد من طفل إلى رجل.

لم يزدد طولًا ولا عرضًا، ولم تنبت له لحية ولا شوارب، إنما ارتفع سقف تفكيره، واتسعت زاوية الرؤية لديه إلى الإنسان والحياة والكائنات، حتى أصبح شخصا آخر.

كيف كان ذلك؟

في صيف عام ١٩٥٥م التحق حامد بمنظمة إسلامية منذ تأسيسها في جسر الشغور. كان آنذاك بين السادسة عشرة والسابعة عشرة من عمره، وكان من أنشطة تلك المنظمة القيام برحلات ومخيمات كشفية، مما يستهوي الفتيان والشباب.

في ظهيرة يوم قائظ من أيام ذلك الصيف وجد خمسة عشر فتى أنفسهم يحملون أمتعتهم من طعام وفراش خفيف في طريق غير معبدة، يقطعون ثلاثة كيلو مترات. حتى يصلوا عصرًا إلى أرض حصباء رحبة منبسطة بيضاء من نهر الأبيض، الذي يتحدر من السفوح الشرقية الجبال اللاذقية شمال مدينة جسر الشغور ليصب في نهر العاصي، قبل «حمامات الشيخ عيسى»، بعد أن تقلب في أحضان القمم العالية والأودية العميقة، وبين أشجار السنديان والدلب والحور والصفصاف وأدغال الأس، وأخيرًا افترش الحصى الأبلق في المنبسط، كما يبسط الأطفال ألعابهم. 

في غير فصل الصيف يكون هذا القاع مكسوًا بالماء العذب الرقراق. أما الآن فهو ساحة رملية مزينة بحبيبات الحصى من مختلف الأحجام. حين يحضر الماء من الأعالي يأتي فجأة بلا إنذار. يهدر ويجرف في طريقه كل ما يصادفه من بشر ومن حيوان ومن أشجار، برغم ذلك اختار الفتية من قاع النهر الأجرد. أخفض بقعة، تتيح لهم رؤية أوسع رقعة من الأرض والسماء.

 بمرح وهمة توزع الفتيان الأدوار : بعضهم ينصب الخيمة، وبعض آخر يعد الطعام والمنام، كما وضعوا نظامًا للحراسة الليلية: يتناوبون اثنين اثنين كل ساعتين.

بداية عمر

بدأت التجليات حين مالت الشمس إلى الغروب. جلس الفتية في حلقة دائرية يتلون القرآن والأدعية، ثم قاموا، فأذن أحدهم. وأدوا صلاة الجماعة. حركات بسيطة، لكنها في نفس حامد رموز ومفاتيح للنظام والانسجام وللتخطيط الهادف. كل ذلك يبدأ بالمتعة الشخصية، ثم يوغل في عالم الأماني، وفي شعاب المستقبل المغيب.

 اليوم وبعد ستين عامًا من ذلك الحدث الصغير. يسترجع حامد مسيرته التي بدأت من تلك النقطة، ولم تتوقف لحظة واحدة.

إنها بداية عمر، تذكر ببداية النبي «يوسف» لما رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدين فدارت الأحداث والأيام، ولقي يوسف ما لقي من إخوته ومن الناس، حتى أصبح «عزيز مصر»، وحتى جاءه أبواه وإخوته إليه ساجدين. أما حامد، فقد لقي كذلك الألاقي، لكنه لم يسجد له أحد. بل أصبح شريدًا خارج الوطن كله. في تلك الرحلة قال لهم عريفهم. وهو لا يكبرهم في السن كثيرًا :

منذ هذه اللحظة تبدؤون حياة جديدة حياة لا علاقة لها بالماضي. إنها حياة الجد والعمل البناء. مدوا أيديكم للبيعة على ذلك.

حامد مع الليل

وفي ليلة قمراء جاء دور حامد للحراسة، وهو الدور الذي يدخل فيه التاريخ الأول مرة.

وحده حامد مع الليل والقمر والنهر والنجوم وعواء الثعالب من بعيد.

وحده مع الهواء الطلق والمسافات والأفاق غير المتناهية.

وحده مع «الذات» المتصلة بالجغرافية والتاريخ وبنبضات الكون الصامت.

لم يكن حامد قد بات حتى تلك الليلة خارج منزل أهله. لم يكن اضطجع على الأرض بغير فراش صوفي سميك. لم ينفرد مع خمسة عشر فتى في مثل عمره بعيدًا عن الناس والضوضاء ومشاغل الحياة اليومية.

لم يحس من قبل أنه إنسان له آماله وأفكاره ومطامحه وشخصيته المستقلة.

لم يسبق له أن اتخذ قرارًا يخصه وحده.

إنه الآن يرسم في مخيلته مستقبلًا لنفسه ولأسرته ولبلده ولقطره ولمجتمعه وللإنسانية جمعاء. هكذا دفعة واحدة.

  •  هل هكذا يفعل الراشدون؟

  •  لا يهم. أنا أشعر هذا الشعور، وأنا حاضر الذهن والوعي مستنفرًا كل خلايا الإحساس والتفكير، والرضى النفسي العميق ببهجة باطمئنان، بتفاؤل، بإقدام لا مثيل له.

سوف أقطع علاقتي بالماضي بالمراهقة بالتحرش بالبنات بنظم الأشعار الغزلية، بالغيبة، بالنميمة، بتشتت الأهواء والأفكار، بالخضوع المؤثرات المذاهب الغريبة بالاستسلام إلى العادات والتقاليد البالية بالثورة عليها ثورة هوجاء، لا تميز بين الصالح والطالح، إنني أمسك في كلتا يدي بمعيار واضح بفرقان يرسم الطريق، ويفرز بين العناصر والمكونات فرزًا بصيرًا راشدًا : لا قلق. لا مراوغة لا استهتار.

أحس بالنجوم والقمر والنسيم العليل البليل والأشجار والحصى وبعواء الثعالب البعيد كلها تتحدث معه، تؤمن على قراراته بانسجام كوني، وصفاء هادئ لا حدود له.

 ما أروع أن ينسجم الإنسان مع فطرته ومع الكائنات الطرية؟

ميلاد جديد

ما أمتع أن يولد الإنسان من جديد، ولادة يحس بها إحساسًا حميمًا؟!

في هذه الولادة صار للأشياء طعم جديد معنى جديد، دلالات جديدة.

النهر الذي يحتضن في قاعه الفتيان. هو أشبه بالحياة التي تبدأ من نقطة محددة، ثم تنتهي إلى نقطة محددة، نقطة تتجمع فيها مع نقاط أخرى، فتصبح ساقية. الساقية تصبح جدولًا، الجدول يغدو نهيرًا. النهير يصب في النهر الكبير النهر الكبير يصب في البحر، البحر يتصل بالمحيط المحيط يتصل بالمحيطات المحيطات تحيط بالكرة الأرضية الكرة الأرضية جزء من الكون كله الكون كله خلق من خلق الله.

وهكذا الحصى الأبيض اللامع، والنجوم المتألقة والأشجار الوارفة، والثعالب العاوية والبشر والكائنات في صفحة الوجود الواحدة الموحدة.

أي سر يربط بين هذه الكائنات، فتغدو أسرة واحدة، تسبح يرب واحد، وتتجه إلى اتجاه واحد؟!

هل هذه صوفية ؟؟

لا تهم الأسماء ولا المسميات المهم الإحساس الصدق السعادة.

لما عاد حامد من حصة الحراسة إلى النوم، لم يعد ليمارس عادة مألوفة، الإشباع حاجة لا غير. إنما عاد ليؤدي دورًا، أو جزءً من الدور الذي يؤديه الحارس خارج الخيمة. يقظة في النوم ونوم في اليقظة. يستأنف بعده في اليقظة دورًا، وهكذا دواليك يحيا من جديد. لذلك يبدأ بدعاء النوم، ثم يتلقى راضيًا عالم الأحلام الواعدة.

إلا رسول الله 

شعر: عيسى جرابا 

أشرقت من قلب الدجي فتبددا *** وهطلت فانتعش اليباب وغردا

وسريت تمنح كل بارقة فما *** يفتر بالبشرى ويرسم مولدا

أسرجت خيل الحق فانطلقت بلا *** كلل تدك من الضلال مشيدًا

وتلوت أي الذكر لحنًا خالدًا ***  مترقرقًا ما ضل فيه من اهتدى

ولويت أعناق الهوى فتصاغرت *** ذلا وما أحنت لغيرك سيدا

وتفتقت همم رويت غراسها *** بيديك جاورت النجوم تفردا

وسرت قوافل من ضياء الهبت *** ظهر الطريق تألقًا وتوقدا

تقفو خطاك وتستنير بحكمة *** أسديتها هديًا فصار لها حدا

وسمت كما لو لم تكن طينا وما *** أسماه يعصف بالهوى متمردا

فتلالأت رغم الدجى ككواكب *** أني لها تخبو وأنت لها مدى؟!

يا سيد الثقلين مهجة أحرفي *** ثارت فدى فرأتك أعظم مفتدى

وافتك خجلي كيف لا وأمامها *** خير البرية رحمة وتوددا؟

ركضت تذود وللصفاقة السن *** نفثت سموم الكفر حقدًا أسودا

باتت تشير إليك أطمعها تخا *** ذل أمة مليارها يهذي سدى

إلا رسول الله ما أعراضنا *** ودماؤنا ألا تكون له فدى؟!

بأبي وأمي أنت دونك مهجتي *** في صدر من سلقوك أغرسها مدى

تالله ما عرفوك إلا روضة *** غنا تطيب جنى وتعذب موردا

لكنه كبر الطغاة فما به *** من مبصر إلا وأصبح أرمدا

يا سيد الثقلين كم قلب ينـ *** من أسى وكم طرف يبيت مسهدًا !

والناعقون فم مريض مترع *** زيفًا كأعمى بات يرجو مقعدًا

خاضوا كما بالإفك خاضت عصبة ***  من قبل واتخذت هواها مقودًا

فإذا بنور الوحي يكشف سوءة الـ *** أفاك للدنيا ويصدق موعدًا

ما أنقصوك فأنت أنت أجل خد *** ق الله منزلة وأكمل سؤددا

يكفيك أن الحق من عينيك فا *** ض سنا فأتهم في القلوب وأنجدا

وانساب فاهتز الوجود وأزهرت *** آماله وبغير حبك ما شدا

أيلام صب أن تساقت لوعة *** عيناه غص بها فأمسى مجهدا؟!

يا سيد الثقلين حسبي أنني *** قلب إلى لقياك ذاب توجدا

ما لاح بدر التم تزدان السما *** ء بنوره إلا ذكرت محمدًا

صلى عليك الله ما ارتفع الأذا *** ن على القباب وباليقين ترددا

ما صار هذا الكون كالخبر المفيـ *** ـد وتم إلا حين كنت المبتدا

مثقف السلطة معارضًا «1 من6» خلط الأوراق وغياب الحقيقة!

د. حلمي محمد القاعود

كان العقاد مثقف الأمة، يدافع عنها وعن قضاياها، مما دفع به إلى دخول السجن وقضاء تسعة أشهر، بعد أن أعلن في مجلس النواب أن الأمة على استعداد لتحطيم أكبر رأس تعترض الدستور أو تعتدي عليه. ولم يقتصر الأمر على دخوله السجن بل عانى في حياته قسوة وشظفا، واضطر في بعض الحالات إلى بيع مكتبته «والمكتبة أغلى ممتلكات الكاتب» مرتين ليقتات بثمنها، وقد حاولت حكومة عبد الناصر أن تستوزره أكثر من مرة ولكنه قابل هذه المحاولة بالرفض حرصا على استقلاله وحريته فيما يقول أو يكتب أو يؤمن به.

وكان طه حسين مثقف السلطة يهادنها وتغازله يرضى عنها وتبادله الغرام فكان وزيرًا، وكان رئيسًا لتحرير صحيفة «الجمهورية» مدة تقرب من عشرين عامًا دون أن يكتب فيها كلمة، ودون أن يذهب إلى مكتبه مرة، وقد منح لقب «الباشوية» قبل يوليو ١٩٥٢م، وأسند مصر إلى الملك. فكان أول من جعل مصر ملكًا للحاكم حين قال: «مصر الفاروق»، فجاء بعده من قال: مصر عبد الناصر، ومصر السادات، وكان في كل الظروف والأحوال جالسًا على حجر السلطة بإعلامها وصحافتها وجوائزها وتعليمها.

بالطبع لا خلاف على قيمة الرجلين العلمية والأدبية واجتهادهما في القضايا الفكرية والثقافية، سواء اتفق معهما الناس أو اختلفوا. ولكن موقف كل منهما من القضايا العامة هو الذي يحدد مكانة كل منهما بالنسبة للأمة وفي قلوب الجماهير ويشير إلى من كان حريصًا منهما على المصلحة القومية، أو على المصلحة الشخصية.

تفسير موقف

وعلى ضوء ذلك يمكن أن نفسر موقف الدكتور «جابر عصفور»، أمين المجلس الأعلى للثقافة، والأستاذ بكلية الآداب جامعة القاهرة، في كتابه الجديد الذي صدر ضمن مكتبة الأسرة عام ٢٠٠٤م تحت عنوان: الرهان على المستقبل. 

و «جابر عصفور» بالإضافة إلى عمله الإداري والأكاديمي، ناقد ومترجم وكاتب اجتماعي، وله إسهامات أسبوعية في العديد من الصحف والدوريات المصرية والعربية، فهو يكتب بصورة منتظمة في مجلة العربي الكويتية، و«البيان» الإماراتية، و«الحياة» السعودية، و«الأهرام»المصرية، وكان رئيسًا لتحرير مجلة «فصول»، ومشاركًا بمقالاته النقدية في العديد من الدوريات الأدبية داخل مصر وخارجها، وهو في كل الأحوال قارئ جيد يختلف عن كثير من زملائه من مثقفي السلطة الذين لا يقرؤون، وتشغلهم المناصب والمغانم والعلاقات العامة وتبادل المصالح 

وهو أقرب إلى تيار اليسار، وشديد العداء للحركة الإسلامية، وبدا على امتداد سنوات منصبه الإداري في المجلس الأعلى للثقافة، المنفذ الحقيقي، والمخطط الفعلي للحملة الشرسة التي شنتها الأجهزة الإعلامية والثقافية للسلطة ضد هذه الحركة، في معمعة العنف والعنف المضاد من قبل السلطة والجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد. وقد شارك بقلمه في هذه الحملة فأنتج مجموعة من الكتب نشرت فيما يسمى «سلسلة التنوير» و«مكتبة الأسرة». ولوحظ أن هذه الكتب كانت تطبع بسرعة غير عادية. وتظهر للناس في احتفال صاحب تقوم به الصفحات الثقافية والبرامج الإذاعية والتلفزيونية.

الصديق اللدود

الرجل صاحب فكر لا ريب في هذا. وهو في دراساته النقدية العميقة يبذل جهدًا ملحوظًا، وخاصة فيما يتعلق بالنقد العربي القديم، وعلاقتي به تقوم على التقارب والتطابق، ولذا أسميه دائمًا «الصديق اللدود»، وتمنيت أن يقوم بدور ما في تجلية الثقافة الإسلامية، وإبراز جوهرها، والدفاع عنها في مواجهة الحملة الاستعمارية الصهيونية الهمجية، التي لا تعبأ بقواعد أو أصول أو أخلاق، وأردد في أكثر من موضع، وفيما بيني وبين نفسي هذا الدعاء: « اللهم انصر الإسلام بجابر عصفور».

 لا أحد ينكر أنه قريب من السلطة في عصورها الثلاثة: في عهد عبد الناصر كتب إليه وهو معلم بأحد أقاليم الصعيد ليعينه معيدًا بالجامعة، فاستجاب له، وكان من أنصاره ورجاله، وفي عهد السادات اقترب من منزل الرئاسة بحكم وجود حرم الرئيس السادات طالبة وباحثة وأستاذة في القسم العلمي الذي يعمل به الدكتور جابر وكانت أستاذته الدكتورة سهير القلماوي وأستاذه وصديقه في الصحافة الدكتور «لويس عوض»، ممن يتولون الإشراف على بحثها المقارن، سواء في مرحلة الماجستير أو مرحلة الدكتوراه، ويقدمان لها التوجيه والإرشاد والمصادر والمراجع. ولا ريب أن للدكتور جابر بحكم هذه الصلة نصيبًا من الإسهام في الرحلة العلمية لحرم الرئيس فضلًا عن القرب منها. صحيح أنه فصل مع آخرين في أحداث سبتمبر ۱۹۸۱م، التي قادت صفوة الأمة إلى المعتقل «سمي يومها بالتحفظ» وصحيح أنه لا يكف عن إدانة عهد السادات وإنجازاته، ولكن هذا لا ينفي أنه كان قريبًا من النظام إلى أواخر عهده حيث لم يستغرق فصله من الجامعة إلا شهرًا أو بعض شهر عاد بعده إلى عمله، عقب تولي الرئيس مبارك الحكم.

مثقف سلطة

وفي العهد الحالي كما رأينا، فإنه يتبوأ أعلى منصب ثقافي بعد الوزير مما جعل البعض بعده الوزير التنفيذي للثقافة وراجت قبل فترة شائعات عن توليه المنصب بدلًا من الوزير الأصلي، ثم إنه عضو فعال في المجلس القومي للمرأة الذي تشرف عليه حرم رئيس الجمهورية شخصيًا.

رجل في مثل هذه الظروف هو مثقف سلطة بكل تأكيد، ينافح عنها ويدافع، ويروج لأفكارها ومفاهيمها، سواء كانت ناصرية أو غيرها .. ولكن السؤال المهم هو: هل يمكن أن يكون معارضًا؟ هذا ما يتحدث عنه أو يحاوله كتابه: «الرهان على المستقبل».

 الكتاب مجموعة مقالات كتب معظمها في السنوات القليلة الماضية. ونشرت في صحف مثل «البيان- الحياة». فضلًا عن «الأهرام»، وتدور حول موضوعات مختلفة حاول أن يربط بينها وبين المستقبل الذي تتغياه الأمة من محيطها إلى خليجها.

يرى أن الفارق كبير بين نوعين من صور المستقبل الذي يتخيله الوعي المحاصر بكوارث الحاضر وهزائمه النوع الأول: عودة إلى عصر ذهبي متخيل في الماضي، وحلم حماسي باستعادته، أو رغبة في إحيائه، وذلك على نحو يغدو معه المستقبل صورة أخرى لزمن مضى وانتهى، كما لو كان التاريخ يعيد نفسه ويسقط ماضيه على مستقبله، وذلك نوع محكوم عليه بالاستحالة التي يفرضها منطق التغير وحتمية التطور التي لا تعيد عقارب الزمن إلى الوراء إلا في أوهام اليقظة وأحلامها، التي يعانيها الهاربون من أيامهم القاسية.

 أما النوع الآخر فقرين التفكير في أفق الممكنات والمحتملات التي يصنعها الجهد الإنساني، وتستذلها الإرادة الفردية والقومية من دنيا الحلم إلى أرض الواقع التي نتشوق إليها، بعيدًا عن الأوهام المستحيلة، وتحقيقًا لجسارة التمرد على واقع الضرورة، واستعدادًا الصياغة عالم مغاير، إطاره المرجعي كامن في شروطه الآتية التي تظل وعودها في حالة صنع لا تنتهي، وكما تعني جسارة الأحلام التخلي عن الطرائق القديمة الجامدة في التفكير، وصياغة خرائط عقلية جديدة تتناسب ومتغيرات العالم المتسارعة، فإنها تعني- في الوقت نفسه إطلاق العنان للخيال الخلاق، كي يمضي بإمكانات الحاضر الموجبة إلى أقصى مدى في وعود احتمالاتها المبدعة، ولا ينفصل عن ذلك معنى الحرية التي تتجسد في وعي يرفض منطق «التبرير» الذي يرضى بما هو واقع، ويستبدل به منطق الاندفاع وراء إمكانات التجريب وتحطيم القيود العديدة التي تعرقل خطي الحركة الواعدة صوب المستقبل في كل اتجاه. 

وهذه الرؤية فيها عناصر جيدة تنطلق من الواقعية والإرادة والبحث عن وسائل جديدة وأساليب مبتكرة أكثر فعالية مما هو سائد أو متاح، فضلًا عن عنصر الحرية الذي بدونه لا تمكن الحركة ولا يمكن الإبداع.

 استدعاء الماضي

وإذا كان هناك من يستدعي الماضي ليعيشه أو يعيد إنتاجه، فهو بالتأكيد عيش خارج بلادنا وأوطاننا العربية لا توجد فيما أعلم أدبيات تدعو إلى إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، هناك طائفة مسيحية تعيش في بعض المدن الأمريكية تسمى «المرمون» تستدعي العصر الذي ولد فيه المسيح- عليه السلام. وتحرم على نفسها استخدام المخترعات الحديثة في المواصلات والاتصالات والكهرباء والآلات الميكانيكية وغيرها. وتسعى إلى تقليد الحياة في أول التاريخ الميلادي: عادات وتقاليد وملابس وأنماط حياة وهي طائفة قليلة ومحدودة، ولا تؤثر فيما حولها، ويطلق عليها الباحثون اسم «الأصولية»، في أوضح صورها وأنقاها.

في بلادنا الإسلامية لا يوجد أصوليون بهذا المعنى، ربما توجد بعض المجموعات المحدودة للغاية التي تقف موقفًا سلبيًا من المجتمع الذي لا تتحقق فيه موازين العدل والحرية والاستقامة والصدق، فتعتزل في معازل خاصة بها. وتبتعد عن الناس وتهجرهم، بل تصل أحيانًا إلى وصمهم بالانحراف أو الكفر. جماعة التكفير والهجرة مثلًا وقد يرتكب بعض أفرادها حماقات تؤدي إلى العنف، ولكنها وسط تيار إجماعي هادر، لا تمثل اتجاهًا فكريًا سائدًا أو مؤثرًا يمكن أن تدعو من خلاله إلى استعادة الماضي بصورته القديمة التاريخية.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل