الثلاثاء 10-ديسمبر-1974
• قصة قصيرة •
تَحوّل!
كان ذلك في إحدى ليالي الشتاء الباردة بينما كنت عائدًا إلى البيت وكان الظلام قد خيم على كل مكان وكانت الطرقات خالية مقفرة من البشر لا ترى العين فيها إلا تلك البيوتات وقد انبعث النور من نوافذها ولا تسمع الأذن إلا قوقعات متفرقة مما تفعله الرياح. كل شيء هادئ ساكن يبعث النشوة في النفس وحب التأمل، في هذا الليل العجيب وسر تقلبه والنهار. ويطل القمر أحيانًا جميلًا يتهادى بين الغيوم يلقي على أهل الأرض السلام والإلهام فيسري على نور فضي جميل يكشف قليلًا ما ابتلعه الظلام وأخفاه وراء أجنحته اللا متناهية. يا لروعة تلك المناظر! وكم كانت تبعث في نفسي من مشاعر وأحاسيس! فنسيت الدنيا وهمومها وأحزانها وآلامها وأصبحت وكأني أعيش محلقًا في عالم الأحياء وقد أنست لما أنا فيه واطمأننت. لكن ما هذا الذي ردني إلى صوابي فجأة وحولني إلى عالم الواقع والحياة، نعم لقد كان ذلك فجأة لقد كانت نظرة مني إلى مقبرة مجاورة تقع بمحاذاة الطريق نظرت بعيني فرأيت بابًا كبيرًا واسعًا مفتوحًا على الطريق وقد ضم وراء سوره أبنية بسيطة لا تكاد ترتفع عن مستوى سطح الأرض بانت لي على ضوء القمر فأحسست برعشة هزت كياني وشعرت بوجودي في هذا المكان الموحش وحدي فتملكني الخوف والفزع ونظرت خلفي وأمامي وعلى جانبي وقد أحسست وكأن شيئًا يتربص لي ففزعت وأسرعت الخطى أريد النجاة من هذه المشاهد المرعبة ولكن مناظر القبور تمثلت أمام عيني وكنت قد زلفت عنها فأصبحت وكأنني أراها حيثما حولت بصري فتداركت نفسي وركضت وأسرعت وأنا أحاول طرد هذه الأوهام والخيالات التي لاحقتني وتلبستني ولكني لم أستطع كل ذلك وأنا أحث الخطى مسرعًا بادي الخوف والفزع أسمع الريح تسقط حجرًا أو تحرك ورقًا فأظن أن هذا من وقع الجن حتى كان خلاصي حين رأيت رجلًا مارًا على بعد مني فاتجهت ناحيته وسرت في طريقه وقد ظفرت بعالم الأحياء وتابعت مسيري خلفه بلغت الشارع العام حيث الناس كثير وضوضاؤهم تريحني وتبدد عني ذلك السكون الرهيب الذي يلف تلك العوالم عوالم الأموات وتوجهت إلى البيت وكان يبعد عن الشارع العام مسافة لا بأس بها توجهت إليه وفي ذهني مئات الخواطر تصطرع وتساؤلات كثيرة تحيرني ما هـذا الخوف؟ ما الجن؟ وما الإنس؟ ما الحياة والأحياء؟ من هؤلاء الأموات؟ أليسوا بشرًا؟ كيف هم في هذه الوحشة وهذا الظلام المدلهم المستبد؟ ألست أنا إلى هذا المصير لا محالة صائرًا؟ وهنا توقفت هينهة وقد خفق قلبي وكررت السؤال على نفسي، نعم لقد كان الجواب البديهي نعم, لا محالة صائر ولكن كيف؟ إنني لا أستطيع أن أتصور كيف ومتى ولكنني لا محالة صائر وكان الجواب الذي لا مفر منه ولا سبيل إلى التملص منه وأصبح الموضوع جديًا بالنسبة لي وكنت أحكم الأحكام لا تصدر عن الهوى ولكن عن تفكير وعقل وفكرت مليًا وأجهدت نفسي في التفكير وكان وصولي البيت فاصلًا بيني وبين ما كنت فيه ودخلت غرفتي وأويت إلى فراشي آخذًا قسطًا من الراحة ولأول مرة منذ زمن أجد نفسي مؤرقًا لا يغمض لي جفن وعدت سيرتي الأولى في التفكير بما كان.. وما أن بدأت أستعيد تلك الصور حتى عاودني الخوف فقد ثرت وأخفيت كل جزء من جسمي تحت اللحافة وأخذت أفكر في الحياة والموت وفي الدنيا والآخرة وقد رأيت كل الحقائق ماثلة أمامي واضحة وضوح الشمس في وقت الأصيل كل شيء بين الحق والحقيقة الباطل والخرافة نعم, إن للحياة لغاية وبعد الموت لمآل وحساب، حساب على ما قدمت يداي وما بدر مني، ولكن ما الذي يطغي على نفسي ويحول بيني وبين التفكير في مثل هذه الأمور ما الذي يمنعني من أن أكون من المؤمنين الصادقين الذين يعملون ويعدون لما بعد الموت وهم في نفس الوقت يأخذون نصيبهم من الدنيا، نعم, إنه الهوى واتباع الشيطان اللعين عدو الإنسان والإنسانية والبشر أجمعين الذي أخذ على نفسه عهدًا أن يضل البشر جميعًا إلا عباد الله منهم المخلصين فلماذا لا أكون من أولئك المخلصين؟ وأخيرًا وبعد تفكير وتفكير عزمت على أمر قررته في نفسي أن أعاهد الله- عز وجل- أن أسير على الحق والهدى وأن أفي بعهدي قررت هذا وقد أبعدت عني سلطان الشهوة والنزوة والهوى وعلم الله صدق نيتي وإخلاصي فشعرت وكأن نورًا ألقي في قلبي وشعرت بارتياح عظيم وطمأنينة تهدي نفسي وسعادة تغمرني وحاولت النوم على هذا الحال إلا أنني لم أستطع وحاولت مرارًا من غير جدوى وأخيرًا خطر لي خاطر لماذا لا أقوم وأغتسل وأتطهر من الآن وكان في نيتي الصباح وبسرعة خاطفة جاءني الجواب لا، لا تقم فالجو بارد في الخارج ولم العجلة فسيصبح الصباح وستطلع الشمس مرة أخرى لا تقم ألا ففي الصباح رباح وشعرت بالتثاقل والكسل وكان مملًا قد ألقي على كاهلي ولكنني أدركت أن هذا هو الشيطان وأدركت أن الطريق الذي أرتضيت أن أسلكه طريق صعب فلا بد من التضحية بالغالي والرخيص ولم أبلغ بعد درجة التضحية وتصورت الموت والأموات مرة أخرى وكانت تلك الصورة لا تزال عالقة في مخيلتي فشعرت بتيار النشاط يدب في أوصالي وقفزت من فراشي مسرعًا دون أن أفكر بأكثر مما أوتيت فعله وجهزت الماء واغتسلت وتطهرت وكسبت صلاة العشاء حاضرة حتى إذا ما إنتهيت من هذا كله أويت إلى فراشي وقد شعرت بأني قد قضيت لنفسي حاجة كانت في أمس الحاجة إليها وربما كانت الروحانية وشعرت بطمأنينة وسعادة عظيمين ورحت أغط في سبات عميق وبعد تلك الليلة كانت حياة أخرى ومنهاج آخر وصارت أحلى أوقاتي تلك التي أقضيها في بيوت الله في تلك الأجواء الروحانية العطرة وبين أولئك الأخوة في الله تجمعنا وتوحدنا رابطة فوق كل رابطة وعقيدة فوق كل عقيدة تلك رابطة العقيدة التي أراد الله أن تكون رابطة البشر وكان ذلك بالنسبة لي تحولًا وكان انقلابًا ولم أنس بعد ذلك أن أخصص يوم الجمعة من كل أسبوع لزيارة القبور على سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل